كنت بشتغل ساعة حكايات_ميراا حصري
كنت بشتغل ساعة إضافية في المطعم، وفجأة لاحظت إن كل الموظفين بيتجاهلوا زبون أجنبي، مع إني كنت فاهمة كل كلمة بيقولها! مديري وقفني قدام الكل وقال لي إنتِ مش من المستوى اللي يسمح لك تتعاملي مع زبون زي ده! سبت الصينية وروحت له بنفسي، وأول ما كلمته بالروسي، ما سألنيش عن الأكل... لكنه نطق اسم عيلة أمي القديم، الاسم اللي كان سر محدش يعرفه!
الجزء الأول الاسم اللي رجّع أسرار الماضي
يا مريم، إوعي تفكري تقربي من الترابيزة دي! الراجل ده ممكن يشتري المطعم كله من غير ما يبص على الفاتورة، وإنتِ مش من المستوى اللي يسمح لك تتعاملي مع حد زيه!
كلام أستاذ حسام الشناوي نزل على المكان كله زي القلم اللي بيتضرب من غير صوت.
مريم أحمد، اللي عندها 27 سنة، كانت شايلة صينية بين إيديها، ولسه سامعة الزبون الأجنبي بيتكلم بالروسي وبيقول إنه خلاص هيمشي، لأن محدش في المطعم قادر يفهم حاجة بسيطة زي إنه عنده حساسية من نوع معين من الأكل.
حسام، مدير واحد من أرقى المطاعم في الزمالك بالقاهرة، بقاله حوالي 20 دقيقة بيحاول يتفاهم مع الراجل بالعربي والإنجليزي، وحتى فتح تطبيق ترجمة على موبايله.
لكن محدش قدر يفهمه.
إلا مريم.
قالت بهدوء
يا فندم، هو بيتكلم روسي.
ضحك كريم، واحد من أقدم الجرسونات في المطعم، وقال بسخرية
إيه ده؟ وإنتِ كمان بقيتي مترجمة دلوقتي؟
مريم مردتش.
كانت اتعلمت من زمان إن في المكان ده، فيه ناس بتسمع الاسم المشهور أسرع ما بتسمع الحقيقة.
الصبح، كانت مريم قامت من النوم الساعة خمسة ونص، في الشقة الصغيرة اللي عايشة فيها مع أمها نادية في شبرا.
نادية بقالها شهور بتتابع علاج مكلف، وده خلّى كل جنيه في البيت محسوب بالحساب.
مريم كانت مضطرة توقف دراستها في كلية الألسن مؤقتًا، وتوافق على أي ساعات شغل إضافية تقدر عليها، علشان توفر تمن علاج أمها ومصاريف البيت.
والروسي بالنسبة لها ماكانش مجرد لغة بتعرف تتكلمها.
أمها نادية اتولدت في مدينة سانت بطرسبرج بروسيا، وجت مصر وهي لسه صغيرة، وكانت بتعلّم بنتها اللغة الروسية من وهي طفلة.
لكن الغريب إن نادية عمرها ما كانت بتحب تحكي عن حياتها القديمة، وكل ما مريم تسألها عن أهلها أو ماضيها، كانت بتغيّر الموضوع بسرعة.
الساعة تمانية وعشرين دقيقة بالليل، دخل الراجل الأجنبي المطعم لوحده.
كان لابس بدلة غامقة، وشعره فيه خصلات رمادي عند الجانبين، وملامحه هادية، لكن كان فيه شيء في حضوره يخلي أي حد يحس إنه شخص مش عادي.
حتى حسام، اللي كان بيتعامل بتعالي مع أغلب الموظفين، أول ما شافه اتغيّرت طريقته تمامًا.
على مدار نص ساعة تقريبًا، الراجل لاحظ مريم وهي بتحل مشكلة حجز غلط، وبتساعد زملاءها، وبتنجز شغل زيادة غير شغلها، لأن بعض الموظفين كانوا متعودين يسيبوا لها المهام الصعبة وهم مطمنين إنها مش هتعترض.
وبعدها جه وقت ما يطلب العشا.
ومن هنا بدأت المشكلة.
لما مريم عرضت إنها تساعده، حسام وقفها فورًا.
سيبيه لحد فاهم شغله كويس.
ردت مريم بثقة
بس أنا فاهمة هو بيقول إيه يا فندم.
بصلها حسام بحدة وقال
أنا قلت لأ!
كريم قرب منهم وهو بيضحك، وقال
ماتخلطيش بين إنك تعرفي كام كلمة وبين إنك تبقي قد المسؤولية.
الزبون قفل قائمة الطعام أخيرًا، وشال معطفه، وقال بالروسي
أنا مش هضيّع وقت أكتر من كده في المكان ده.
مريم بصت لحسام.
وبعدين بصت لكريم.
ولأول مرة من وقت طويل، قررت إن احتياجها للمرتب مش معناه إنها تسمح لحد يقلل منها أو يعاملها كأنها مش بتفهم حاجة.
حطت الصينية على أقرب ترابيزة.
ومشيت ناحية الزبون بخطوات ثابتة.
وقالت له بالروسي
حضرتك، لو سمحت استنى لحظة.
الراجل وقف مكانه.
وبعدين لف ناحيتها ببطء.
بصلها باستغراب واضح وسألها بالروسي
إنتِ بتتكلمي لغتي؟
ردت مريم
أيوه، اتفضل يا فندم. حضرتك محتاج إيه؟
ملامح الراجل اتغيّرت تمامًا، وكأنه فجأة افتكر حاجة مهمة كان بيدور عليها من سنين.
مريم سمعت طلبه، وفهمت منه نوع الحساسية اللي عنده، ووعدته إنها هتتكلم مع الشيف بنفسها علشان تتأكد إن الأكل مناسب لحالته.
كانت خلاص هتمشي، لكنه سألها سؤال غريب.
إنتِ اتعلمتي الروسي فين؟
ردت مريم ببساطة
أمي هي اللي علمتهولي.
سألها باهتمام أكبر
أمك روسية؟
أيوه.
سكت الراجل لحظات، وبعدين سألها
اسمها إيه؟
مريم اترددت شوية قبل ما تجاوب.
نادية أحمد.
الراجل فضّل باصص لها، وكأنه بيحاول يتأكد من حاجة في دماغه، وبعدين قال
قبل ما تتجوز... كان اسم عيلتها سوكولوفا؟
مريم حست إن صوت المطعم كله اختفى فجأة.
إيديها بردت، وقلبها بدأ يدق بسرعة.
سوكولوفا!
الاسم ده تقريبًا محدش يعرفه.
حتى مريم نفسها ماعرفتش الاسم ده غير من ورقة قديمة شافتها بالصدفة وسط حاجات أمها، ولما سألتها عنه، نادية اتوترت جدًا وطلبت منها ماتفتحش الموضوع ده تاني أبدًا.
مريم بصت للراجل بتركيز، وحاولت تخفي ارتباكها.
وسألته بصوت متوتر
حضرتك مين؟ وإنت تعرف أمي منين؟
الراجل أخد نفس طويل، وكأنه بيستعد يقول كلام غيّر حياته هو كمان.
وبعدين رد بهدوء
اسمي ميخائيل أورلوف... وأنا بقالي سنين طويلة بدوّر على نادية سوكولوفا.
مريم اتجمدت مكانها.
لكن قبل ما تقدر تسأله أي سؤال تاني، ميخائيل قال جملة خلت الدم ينشف في عروقها
في حاجة لازم تعرفيها عن أمك يا مريم... حاجة هي نفسها يمكن ماقدرتش تحكيهالك طول السنين اللي فاتت!
يا ترى إيه السر اللي مخبياه نادية عن بنتها؟ وإيه علاقة الراجل الروسي ده بماضيها؟ وليه فضّل يدور عليها كل السنين دي؟
الجزء التاني السر اللي أمي خبّته عني 30 سنة!
مريم فضلت واقفة قدام ميخائيل، مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
إنت بتقول إنك بقالك سنين بتدور على أمي؟ ليه؟ وإيه اللي يخليك تعرف اسم عيلتها القديم؟
ميخائيل بص حواليه، ولاحظ إن حسام مدير المطعم وكريم الجرسون بيتابعوهم باهتمام. سحب كرسي وقعد، وبعدين أشار لمريم إنها تقعد قدامه.
مش هينفع أحكيلك الحكاية كلها هنا، يا مريم. في حاجات لازم تعرفيها بعيد عن الناس دي.
مريم عقدت حواجبها.
أنا مش هتحرك من مكاني قبل ما أفهم. إنت تعرف أمي منين؟
ميخائيل سكت لحظات، وبعدين فتح المحفظة الجلد اللي كانت معاه، وطلع منها صورة قديمة أطرافها مصفرة من الزمن.
مد إيده بالصورة ناحيتها.
بصي كويس يا مريم.
مريم أخدت الصورة بإيد بتترعش.
كانت الصورة لست شابة واقفة قدام مبنى قديم، لابسة فستان أبيض بسيط، وشعرها البني نازل على كتفها. ملامحها كانت أصغر بكتير، لكن مريم عرفتها من أول نظرة.
دي أمها نادية!
وعلى يمينها كان واقف شاب روسي، ملامحه قريبة جدًا من ميخائيل، لكن أصغر منه بعشرات السنين.
قلبت الصورة، لقت جملة مكتوبة بالروسي بخط إيد أمها
إلى أخي العزيز، مهما فرقتنا المسافات، هتفضل عيلتنا هي المكان اللي بننتمي له.
مريم رفعت عينيها بسرعة.
أخوها؟! إنت أخو أمي؟!
ميخائيل هز راسه ببطء.
أيوه. أنا أخو نادية الكبير.
مريم رجعت تبص للصورة، وبعدين همست
بس أمي عمرها ما قالتلي إن ليها أخ. طول عمري فاكرة إنها ملهاش حد في الدنيا غيري!
ميخائيل نزل عينيه للحظة.
لأنها كانت فاكرة إن الرجوع للماضي هيعرّض حياتها وحياتك للخطر.
مريم حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
خطر إيه؟! أمي عملت إيه علشان تخاف بالشكل ده؟
قبل ما ميخائيل يرد، حسام ظهر جنب الترابيزة، ووشه متغير من الغضب.
مريم! إنتِ نسيتي نفسك؟ إنتِ سايبة شغلك وواقفة تحكي مع الزبون؟!
مريم بصت له، ولأول مرة ماحستش بالخوف المعتاد من صوته.
أنا خلصت طلبه يا فندم، وكل حاجة بقت واضحة للشيف.
حسام بص لميخائيل بابتسامة متوترة.
بنعتذر لحضرتك عن تصرف الموظفة. واضح إنها مش فاهمة حدود شغلها.
لكن ميخائيل رفع عينيه له وقال بالإنجليزي، بنبرة هادية وحاسمة
الموظفة الوحيدة اللي فهمت طلبي هنا هي مريم. ولو كنت بتقيّم موظفينك بالطريقة دي، فدي مشكلة تخص إدارتك مش تخصها.
وش حسام احمر، وكريم اللي كان واقف بعيد اتظاهر إنه مش سامع.
ميخائيل كمل
وبالمناسبة، أنا مش محتاج حد يعتذر لي بدل ما يسمعني. أنا طلبت وجبة مناسبة لحالتي الصحية، وهي الوحيدة اللي اهتمت تفهمني.
حسام اضطر يعتذر، وبعدها مشي وهو بيبص لمريم بنظرات غاضبة.
ميخائيل رجع لها وقال
دلوقتي نقدر نتكلم بهدوء.
مريم حطت الصورة على الترابيزة، لكن إيديها فضلت فوقها كأنها خايفة تختفي.
أنا لازم أكلم أمي حالًا.
طلعت موبايلها واتصلت بنادية.
ردت أمها بعد رنتين.
أيوه يا حبيبتي، خلصتي شغل؟
مريم بلعت ريقها، وبصت لميخائيل قبل ما تسأل
ماما، إنتِ تعرفي واحد اسمه ميخائيل أورلوف؟
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان أطول من أي إجابة.
مريم... إنتِ عرفتي الاسم ده منين؟
صوت نادية كان مرتعش بشكل عمر مريم ما سمعته قبل كده.
هو قاعد قدامي يا ماما. ووراني صورة ليكي وإنتِ صغيرة، وقال إنه أخوكي.
سمعت مريم صوت حاجة وقعت على الأرض عند أمها.
وبعدين جه صوت نادية، واطي ومليان خوف
اسمعيني كويس يا بنتي. ماتروحيش معاه في أي مكان، وماتصدقيش كل حاجة يقولها. أنا جاية لك حالًا!
بس يا ماما، هو...
نادية قاطعتها
مريم، أرجوكي! المرة دي اسمعي كلامي من غير أسئلة!
والخط اتقفل.
مريم فضلت باصة للموبايل بذهول.
ميخائيل كان متابع رد فعلها، ولما شاف خوفها، قال بهدوء
أنا كنت متوقع إنها هتخاف لما تعرف إني وصلت لك.
مريم رفعت رأسها.
وصلت لي؟ يعني إنت كنت بتدور عليّا أنا كمان؟
ميخائيل ماجاوبش فورًا. مد إيده للمحفظة مرة تانية، وطلع ورقة قديمة مطوية بعناية.
قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن في مستندات تخص عيلتنا، وفيها اسمك واسم أمك. أنا حاولت أوصل لكم سنين، لكن كل عنوان كنت بروحه كان بيطلع قديم.
مريم أخدت الورقة.
كان مكتوب فيها اسم نادية سوكولوفا، وتاريخ ميلادها، واسم رجل روسي مريم عمرها ما سمعت عنه قبل كده.
ألكسندر سوكولوف.
وتحت الاسم مكتوب بخط واضح
الوصية العائلية المستفيدة التالية نادية سوكولوفا.
مريم رفعت عينيها بصدمة.
وصية؟! وصية إيه دي؟
ميخائيل شبك إيديه فوق الترابيزة وقال
جدك كان رجل أعمال كبير في روسيا. قبل وفاته، ساب ممتلكات وأموال للعيلة، لكن كان فيه شرط مهم في الوصية. ولما نادية سافرت لمصر، حصل خلاف كبير بين أفراد العيلة، وكل واحد بدأ يفسر قرارها بطريقته.
مريم قلبت الورقة، وكأنها بتدور على تفسير يريحها.
يعني إنت جيت مصر علشان الفلوس؟
ميخائيل هز راسه بالنفي.
لو كانت الفلوس هي هدفي، كنت اكتفيت بالمحامين. أنا جيت علشان أوصل لأختي، وأفهم ليه اختفت من حياتنا كل السنين دي. وبعد ما عرفت إن عندها بنت، كان لازم أقابلك.
مريم كانت لسه بتحاول تجمع الخيوط، لما موبايلها اهتز برسالة من أمها
أنا في الطريق. ماتمضيش على أي ورقة، وماتديش أي حد بياناتك.
مريم ورّت الرسالة لميخائيل.
ولأول مرة، ظهر على وشه حزن واضح.
أنا فاهم خوفها. لكن فيه حاجة هي مش عارفاها، أو يمكن عارفاها وبتحاول تنساها.
إيه هي؟
ميخائيل مال بجسمه ناحية مريم وخفّض صوته.
جدك ما سابش فلوس وبس. هو ساب جواب شخصي لنادية، وطلب إن محدش يفتحه غيرها. والجواب ده اختفى بعد وفاته.
مريم سألته بسرعة
وإنت تعرف مكانه؟
ميخائيل هز راسه.
لأ. لكن عندي سبب أعتقد إنه موجود في مصر، وإن أمك احتفظت بيه طول السنين دي.
مريم افتكرت الصندوق الخشبي الصغير اللي كانت أمها بتحطه فوق الدولاب، واللي عمرها ما سمحت لها تفتحه.
هل ممكن يكون الجواب جواه؟
قبل ما تقدر تسأله، باب المطعم اتفتح بعنف.
نادية دخلت وهي بتنهج، وفضلت تبص بين الترابيزات لحد ما عينيها وقعت على مريم.
وبعدين شافت ميخائيل.
وقفت مكانها.
وشها شحب، ودموعها لمعت في عينيها.
ميخائيل...
قام ميخائيل من مكانه ببطء.
أهلًا يا نادية.
نادية قربت منه، لكن بدل ما تسلم عليه، بصت له بغضب وحزن وقالت
إنت وعدتني إنك مش هتدور عليّا تاني!
ميخائيل رد بصوت مكسور
وأنا احترمت وعدي سنين طويلة. لكن بعد ما عرفت الحقيقة، ماقدرتش أفضل ساكت.
مريم بصت لأمها بصدمة.
حقيقة إيه يا ماما؟! هو إنتِ فعلًا أخته؟ وليه مخبية عني كل ده؟
نادية مسحت دموعها بسرعة، وبعدين مسكت إيد بنتها.
أيوه، هو أخويا. وأنا آسفة إني مخبية عنك جزء كبير من حياتي.
مريم سحبت إيدها برفق.
أنا مش زعلانة إن ليكي أخ يا ماما. أنا زعلانة إنك خليتيني طول عمري أفتكر إن مفيش حد لينا غير بعض!
نادية نزلت عينيها، وماقدرتش ترد.
ميخائيل فتح فمه علشان يتكلم، لكن نادية رفعَت إيدها تمنعه.
قبل ما تقول أي حاجة، لازم تعرف إن البنت ملهاش ذنب في الخلافات اللي حصلت بيننا. أنا مش هسمح إن ماضي العيلة يوجعها زي ما وجعني.
وبعدين التفتت لمريم وقالت
هنروح البيت، وهناك هحكيلك كل حاجة. بس لازم توعديني إنك هتسمعيني للآخر.
مريم وافقت، رغم إن عقلها كان مليان أسئلة أكتر من أي وقت فات.
بعد ساعة، كانت مريم قاعدة في الصالة الصغيرة في شقة شبرا، وأمها قدامها، وميخائيل قاعد على الكرسي المقابل.
نادية دخلت أوضتها ورجعت بالصندوق الخشبي القديم اللي مريم افتكرته.
حطته على الترابيزة، وطلعت من جيبها مفتاح