أمي كانت بتموت حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

له
حتى لو موضوع الأرض اتحل، ده مش معناه إن اللي عملته فيا اتنسى. إنت ضربتني، ومنعتني من أمي، وحرمتني من إني أكون جنبها في وقت كانت محتاجاني فيه.
وشه اتغير، لكنه ما ردش.
كملت
أنا هسيب المحامي يخلص الإجراءات، وبعدها هقرر مستقبلي بعيد عن أي ضغط منك.
قمت من مكاني، وخرجت مع بابا.
ولأول مرة من سنين، حسيت إني مش مضطرة أبرر قراراتي لحد.
بعد مرور شهر، ظهرت نتيجة مراجعة الحسابات، واتضح إن فيه مبلغ مستحق لورثة أمي وفقًا للمستندات، وتم الاتفاق على تسويته من خلال الإجراءات القانونية.
لكن في نفس الأسبوع، وصلني خطاب من المحامي خلاني أرجع أقعد من الصدمة.
كان فيه مستند جديد ضمن ملف ممتلكات أمي، متعلق بالحساب اللي كانت سايباه باسمي.
المستند أكد إن أمي كانت فعلًا مخصصة لي مبلغًا ماليًا، وإن جزءًا منه كان محفوظًا في شهادة ادخار، بينما باقي التفاصيل محتاجة استكمال إجراءات حصر التركة.
لكن اللي لفت نظري أكتر كان خطاب صغير مرفق بالمستندات، مكتوب بخط أمي.
فتحته، وبدأت أقرأ
يا مريم، لو وصلتي للمرحلة دي، فده معناه إنك بدأتي تدوري على حقك بنفسك.
عايزاكي تعرفي إن أغلى حاجة أقدر أسيبهالك مش فلوس ولا بيت، لكن ثقتك في نفسك.
ما تخليش أي حد يقنعك إنك ضعيفة لمجرد إنك طيبة، ولا إن الصبر معناه إنك تتحملي الأذى طول عمرك.
اختاري الحياة اللي تستحقيها، وافتكري دايمًا إنك بنتي، وإنك أقوى مما تتخيلي.
ضممت الخطاب لصدري، وعيطت طويلًا.
لكن المرة دي، ما كانش عياط انكسار.
كان عياط وداع، واشتياق، وبداية جديدة في نفس الوقت.
وبينما كنت بجهز أوراقي علشان أبدأ حياتي من جديد، وصلني اتصال من أحمد، قال فيه جملة واحدة خلتني أعرف إن الحكاية لسه ما انتهتش
مريم، لازم تعرفي الحقيقة عن اللي حصل يوم وفاة أمك... لأن فيه حاجة حصلت قبل ما توصلي المستشفى، وأنا ما قلتهاش ليكي!
يتبع في الجزء السادس...
الجزء السادس الحقيقة اللي أحمد خبّاها يوم وفاة أمي!
فضلت ماسكة الموبايل، مش قادرة أستوعب كلام أحمد.
إيه اللي حصل يوم وفاة أمي يا أحمد؟ اتكلم!
سكت شوية، وبعدها قال
مش هقدر أشرحلك في التليفون. لازم نتقابل.
رديت بحزم
لو عندك حاجة مهمة، قولها للمحامي، وأنا هسمعها منه.
لكنه أصر
الموضوع يخص والدتك، وفيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تاخدي أي قرار نهائي.
قفلت المكالمة، واتصلت بالمحامي، وحكيت له كل اللي حصل.
نصحني إن أي مقابلة تكون في مكتبه، وإننا ما ناخدش كلام أحمد على إنه حقيقة مؤكدة غير لما نشوف دليل.
وبالفعل، اتحدد موعد للاجتماع.
دخل أحمد المكتب بعد يومين، وكان شكله مرهق، وملامحه مختلفة عن كل مرة شفته فيها.
قعد قدامي، وطلع من شنطته ظرف بني قديم.
حطه على المكتب وقال
يوم ما كنتِ في عربيتي، وإنتِ بتحاولي تروحي لأمك، المستشفى اتصلت بيا.
بصيت له بصدمة.
المستشفى اتصلت بيك إنت كمان؟!
هز راسه.
أيوه. كانوا بيتصلوا علشان يتأكدوا من بياناتك، لأن رقمك كان مشغول وقتها.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا.
وإنت عملت إيه؟!
نزل عينه للأرض وقال
ما رديتش عليهم في الأول. وبعدها لما اتصلوا تاني، عرفت إن حالة والدتك اتدهورت، وإنهم طلبوا إنك تيجي بسرعة.
إيدي بدأت تترعش.
يعني إنت كنت عارف إن أمي ممكن تموت، وبرضه فضلت تجبرني أطبخ للضيوف؟!
ما ردش.
والصمت بتاعه كان أقسى من أي اعتذار.
بعد لحظات، فتح الظرف وطلع منه ورقة مطبوعة.
قال
دي نسخة من سجل المكالمات اللي طلبتها من شركة الاتصالات عن طريق الإجراءات القانونية. كنت عايز أثبت لنفسي إني ما كنتش فاهم خطورة الموقف وقتها.
المحامي أخد الورقة، وبدأ يراجعها، لكنه وضح إن سجل المكالمات وحده ما يثبتش محتوى المكالمة، وإن أي تفاصيل إضافية لازم تتأكد من المستشفى نفسها.
بصيت لأحمد وقلت
إنت مش محتاج تثبت إنك كنت عارف يا أحمد. أنا فاكرة كل كلمة قلتها لي، وفاكرة إزاي منعتني أروح لأمي.
سكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي
أنا غلطت.
كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بغلطه من غير ما يلومني أو يلوم الظروف.
لكن الاعتراف جه متأخر جدًا.
قلت له
أنا مش محتاجة منك تبريرات. أنا محتاجة أعرف إنت جاي تقول الكلام ده ليه دلوقتي؟
اتنهد، وبص للظرف تاني.
لأن فيه حاجة تانية. أمك كانت بعتتلي جواب قبل وفاتها بفترة، وطلبت مني أساعدك لو احتجتي أي حاجة. وأنا احتفظت بيه وما قلتلكيش.
قلبي اتقبض.
أمي بعتتلك جواب؟!
طلع ورقة مطوية من الظرف، وناولها للمحامي.
كانت فعلًا رسالة مكتوبة بخط أمي، لكن محتواها كان مختلفًا عن كل اللي توقعت أشوفه.
أمي ما كانتش بتطلب منه فلوس، ولا كانت بتتكلم عن الأرض.
كانت بتطلب منه طلبًا واحدًا
لو بتحب مريم فعلًا، ما تخليش خوفها على بيتها يمنعها من إنها تحافظ على كرامتها.
فضلت أبص للكلمات وأنا مش قادرة أمنع دموعي.
أمي كانت شايفة حاجات أنا ما كنتش شايفاها، وكانت بتحاول توصل لأحمد رسالة يمكن تغير تصرفاته.
لكن هو اختار يحتفظ بالرسالة لنفسه.
سألته
ليه ما قلتليش على الخطاب ده من وقتها؟
رد بصوت مكسور
كنت فاكر إنك هتعتبريه تدخل منها في حياتنا، وإنك هتسيبيني. كنت خايف أخسرك.
ضحكت بمرارة.
وإنت فاكر إن إخفاء الحقيقة هيخليني أفضل معاك؟ إنت خسرتني لما اخترت مصلحتك على حساب أمي وكرامتي.
ما حاولش يرد.
قام من مكانه، وقال إنه مستعد يتحمل نتيجة أفعاله، وإنه مش هيضغط عليّا علشان أرجع.
لكن قبل ما يخرج، التفت وقال
فيه حاجة واحدة عايزك تعرفيها. أمك كانت بتتمنى تشوفك سعيدة، وأنا عارف إني ما كنتش السبب في سعادتك.
خرج أحمد، وسابني مع الرسالة.
بعد الاجتماع، رجعت بيت بابا، وقعدت أقرا كلام أمي للمرة العاشرة.
وبدأت أفكر في ابني، وفي البيت اللي عايزة أوفره له، وفي الحياة اللي نفسي أعيشها من غير خوف أو تهديد.
قررت أبدأ إجراءات الانفصال بشكل قانوني، وأرتب أموري المالية، وأجهز البيت اللي أمي كانت حريصة إنه يكون أمان ليا.
ما كانش القرار سهل، لكن لأول مرة ما كنتش باخده علشان أرضي حد.
كنت باخده علشان أحمي نفسي وابني.
وبعد شهور، خلصت الإجراءات الأساسية، واستقريت في بيت صغير وهادئ، وبدأت أرتب حياتي من جديد.
كنت برجع من الشغل، أذاكر مع ابني، وأحكيله حواديت قبل النوم، وأحاول أعوضه عن الأيام الصعبة اللي عدينا بيها.
وفي ليلة، وأنا برتب حاجات أمي القديمة، لقيت صورة لينا وإحنا قاعدين في جنينة بيتنا زمان.
على ظهر الصورة كانت كاتبة
يا مريم، البيت الحقيقي مش أربع حيطان. البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدري تكوني فيه نفسك من غير ما تخافي.
حضنت الصورة لصدري، وابتسمت وسط دموعي.
أمي ما قدرتش تفضل معايا، لكنها سابتلي درس هيفضل معايا طول العمر.
إن الحب مش معناه إننا نتحمل الأذى، وإن الحفاظ على كرامتنا مش أنانية، وإن البداية الجديدة ممكن تيجي بعد أصعب نهاية.
أما أحمد، ففضل يحاول يصلح بعض أخطائه، لكني فهمت إن الاعتذار مش بيمسح اللي حصل، وإن من حقي أختار إذا كنت عايزة أفتح له باب حياتي من جديد أو لأ.
وفي النهاية، اخترت أدي نفسي وابني فرصة نعيش في سلام.
لأن أمي كانت محقة من البداية...
الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير في حياته، لكن ما ينفعش يخسر نفسه علشان يرضي الآخرين.
تمت.

تم نسخ الرابط