سيبت ابني الصغير حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

سيبت ابني الصغير عند أخوه الكبير اللي عنده 17 سنة، عشان أقدر أشتغل ورديتين ورا بعض في المستشفى. وبعد ساعات، اتصل بيا ظابط شرطة وقال
يا مدام، لازم تيجي البيت فورًا. في حاجة لازم تعرفيها عن اللي ابنك الكبير عمله.
قلبي وقع في رجلي.
سألته بلهفة ولادي كويسين؟ حصلهم حاجة؟
رد الظابط هما بخير، بس الأفضل أشرحلك كل حاجة لما توصلي.
خرجت من المستشفى بسرعة، وأنا مرعوبة من اللي ممكن أكتشفه.
ولما وصلت قدام بيتي، لقيت ظابط شرطة واقف في الجنينة، وشايل ابني الصغير آدم بين إيديه.
آدم كان نايم بعمق.
لكن ابني الكبير، يوسف، مكنش موجود في أي مكان.
جريت ناحية الظابط وسألته بقلق ابني الكبير فين؟
بصلي بجدية وقال يا مدام راشيل، لازم نتكلم بخصوص يوسف.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لكن بعدها قال حاجة عمري ما توقعت أسمعها
بس أوعدك إن اللي حصل النهارده ملوش أي علاقة باللي إنتِ متخيلاه.
اسمي راشيل، عندي 41 سنة.
من سنتين، فقدت جوزي دانيال بشكل مفاجئ.
ومن وقتها، وأنا بربي ابنيَّ لوحدي.
يوسف عنده 17 سنة، وآدم عنده 3 سنين.
وبحكم شغلي ممرضة، ساعات بشتغل ورديات طويلة عشان أقدر أوفّر أقساط البيت، والأكل، ومصاريف الحضانة، وباقي احتياجاتنا.
الحياة مكنتش سهلة أبدًا.
لكن يوسف كان دايمًا بيساعدني.
كان بيروح يجيب آدم من الحضانة، ويحضرله أكله، ويقعد معاه لما أضطر أتأخر في الشغل.
وساعات كنت برجع البيت مهدودة من التعب، فألاقي ابني الكبير قاعد على ترابيزة المطبخ، بيحاول يخلص واجباته المدرسية، بينما آدم نايم جنبه.
كنت عارفة إن يوسف ضحّى بحاجات كتير، وإنه شال مسؤولية أكبر من سنه بكتير.
ومع ذلك، كنت دايمًا قلقة عليه.
من بعد وفاة أبوه، يوسف بقى هادي أكتر من اللازم.
بطل يلعب كورة، وبقى يحب يقعد لوحده، وساعات كان بيخرج يتمشى في وقت متأخر من الليل.
كمان حصلت له كام مشكلة بسيطة مع الشرطة في البلدة اللي عايشين فيها.
مرة، هو وأصحابه اتعرضوا للتحذير بعد ما نظموا سباق عجل خطر في الشارع.
ومرة تانية، خرج من المدرسة من غير إذن عشان يحضر بطولة كورة لأقرب صاحبه.
ولا موقف فيهم كان خطير.
لكن في بلدتنا الصغيرة، الناس مبتنساش.
ولما حد خرّب برج الميه القديم اللي جنب المدرسة الثانوية، الشرطة استجوبت يوسف لمجرد إن حد شافه ماشي قريب من المكان.
وبعد كده، اتعرف المراهقين الحقيقيين اللي عملوا المشكلة، وظهر إن يوسف ملوش أي علاقة بالموضوع.
ومع ذلك، خوفي عليه مكنش بيروح.
في إحدى الليالي، قعدت جنبه وقلتله
يا يوسف، أرجوك، خليك حريص على نفسك. أنا وأخوك الصغير بنحبك، ومش عايزين يحصل لك أي حاجة.
بص في عيني وقال
أوعدك يا ماما.
صدّقته.
لكن الخوف عليه مخرجش من قلبي تمامًا.
في صباح يوم الخميس، باست الولدين قبل ما أخرج للشغل.
آدم كان لسه لابس بيجامة الديناصورات بتاعته.
أما يوسف، فكان بيحضّر الفطار.
قلت لآدم اسمع كلام أخوك وخليك شاطر.
ضحك ببراءة.
ويوسف ابتسم وقال متقلقيش يا ماما، إحنا هنكون كويسين.
مكنش عندي أي سبب يخليني أشك فيه.
لكن في نص ورديتي، تليفوني رن.
رديت، فسمعت صوت راجل بيقول
مدام راشيل؟ معاكِ الظابط بيني رييس.
قلبي اتقبض.
قال أنا بتصل بخصوص ولادك.
سألته بسرعة حصل إيه؟
رد ولادك بخير، لكن ابنك الكبير اتعرض لموقف غير عادي النهارده الصبح.
مسكت التليفون بقوة وقلت موقف إيه؟ أرجوك فهمني!
لكنه قال من فضلك تعالي البيت. الأفضل أشرحلك الموضوع بنفسي.
وبعدها أنهى المكالمة.
طوال العشرين دقيقة اللي بعدها، دماغي موقفتش تفكير.
يا ترى يوسف عمل إيه؟
هل آدم اتخض؟
هل حد اتهم ابني بحاجة تاني؟
حاولت أركز في الطريق وأنا سايقة، لكن إيديا كانت بتترعش من الخوف.
ولما وصلت أخيرًا لشارعنا، شفت عربية شرطة واقفة قدام البيت.
الظابط بيني كان واقف في المدخل، وآدم نايم على كتفه.
ابني الصغير كان لابس جزمة مطر حمرا، واحدة في رجله اليمين والتانية مقلوبة، وماسك قطعة بسكويت أكل نصها.
جريت ناحيتهم وأنا بصرخ
يا ظابط! إيه اللي حصل؟
بصلي بهدوء وسألني
ده ابنك الصغير؟
رديت بسرعة أيوه، هو فين يوسف؟
قال جوه البيت.
سألته بلهفة هو كويس؟
رد أيوه يا مدام.
بصيتله باستغراب وقلت طيب إنت اتصلت بيا ليه؟
عدّل آدم برفق على كتفه، وقال
لأن ابنك الكبير عمل حاجة تستحق الإعجاب النهارده.
اتصدمت.
حاجة تستحق الإعجاب؟
هز راسه وقال تعالي ندخل، وهتفهمي كل حاجة.
دخلت وراه، ولما وصلت للمطبخ، لقيت يوسف واقف هناك، لابس الهودي الرمادي المعتاد بتاعه.
أول ما شافني، ملامحه اتغيرت.
وقال ماما؟
جريت ناحيته وسألته يوسف، إيه اللي حصل؟
بص للظابط، وبعدها نزل عينيه للأرض وقال
أنا معملتش أي حاجة غلط.
رد الظابط بهدوء أنا عارف يا يوسف.
بصيت للظابط وقلت طيب ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
راح بيني وحط آدم على الكنبة برفق، وغطاه ببطانية.
وبعدها بصلي مباشرة وقال
ابنك خرج يتمشى مع أخوه الصغير الصبح.
يوسف هز راسه وقال آدم كان عايز يروح يشوف كلب عيلة جاكسون.
سألته روفَس؟
قال أيوه يا ماما. وإحنا ماشيين قدام بيت الأستاذ هينسون، لاحظت إن في حاجة غريبة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الأستاذ والتر هينسون كان جارنا المسن.
عنده 78 سنة، وعايش لوحده، وكان كل ما يشوف آدم من ورا السور، يديه حتة حلوى صغيرة.
يوسف بلع ريقه وكمل
لقيت الأستاذ هينسون واقع على البُرندة قدام بيته، ومش بيرد عليا.
بصيت لابني بصدمة.
عملت إيه؟
قال قلت لآدم يفضل واقف جنب السور، وبعدها اتصلت بالإسعاف.
الظابط اتدخل وقال
موظف الطوارئ فضّل يوجّه يوسف في التليفون، لحد ما الإسعاف توصل.
يوسف بص لإيديه وقال بصوت واطي
الأستاذ هينسون مكنش بيتنفس بشكل طبيعي يا ماما، وموظف الطوارئ طلب مني أبدأ الإنعاش القلبي الرئوي.
حطيت إيدي على بقي من الصدمة.
يوسف! إنت عملت إنعاش قلبي رئوي؟
هز راسه.
الظابط كمل
فضل يحاول ينقذه لمدة ست دقايق تقريبًا، لحد ما المسعفين وصلوا.
حسيت بالدموع بتتجمع في عيني.
بحكم شغلي كممرضة، كنت عارفة قد إيه الدقايق دي ممكن تكون صعبة، وقد إيه الموقف محتاج شجاعة وتركيز.
ابني اللي عنده 17 سنة، وقف جنب راجل مسن في لحظة كان فيها محتاج المساعدة أكتر من أي وقت.
وعمل كل اللي يقدر عليه عشان ينقذه.
وفجأة، يوسف قال بصوت مكسور حاجة وجعت قلبي
أنا بس مكنتش عايزه يحس إنه لوحده يا ماما.
في اللحظة دي، فهمت قصده.
افتكرت أبوه.
وافتكرت الطريق اللي دانيال تعب فيه فجأة، وكانت دي آخر لحظاته في الحياة.
وفهمت إن يوسف كان شايل جواه خوف كبير من سنتين، خوف محدش قدر يشوفه أو يفهمه بالكامل.
كان خايف إن حد يحتاج مساعدة، وميلقاش جنبه حد ينقذه.
وعشان كده، لما شاف إنسان تاني في خطر، رفض يمشي ويسيبُه.
بصيت للظابط وسألته والدموع في عيني
الأستاذ هينسون بخير؟
ابتسم بيني وقال
هو لسه عايش يا راشيل. المسعفين نقلوه لمستشفى سانت أغنيس. واستجابة ابنك السريعة ممكن تكون فرقت معاه بشكل كبير.
في اللحظة دي، مقدرتش أتمالك نفسي وبدأت أعيط.
يوسف قرب مني وقال ماما، أرجوكي متعيطيش.
لكن دموعي موقفتش.
لشهور طويلة، كنت خايفة إن ابني يضيع من إيدي.
كنت فاكرة إن سكوته معناه إنه بيخبي عني حاجة.
وإن خروجه في الليل معناه إنه بيمشي في طريق غلط.
وإن استقلاله عني معناه إنه بيبعد عني.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
ابني كان واقف قدامي، بعدما حاول ينقذ حياة إنسان في لحظة صعبة.
حضنته بقوة وقلتله
أنا فخورة بيك أوي يا حبيبي.
حضني يوسف هو كمان، وبعد لحظات، الظابط بيني تنحنح وقال
راشيل، في حاجة تانية لازم تعرفيها.
بعدت عن يوسف وبصيتله.
الظابط بص لابني، وبعدها رجع بصلي وقال
السبب اللي خلّى ابنك يعرف يتصرف بالشكل ده مش مجرد صدفة.
عقدت حاجبي باستغراب.
تقصد إيه؟
ابتسم ابتسامة هادية وقال
اسألي يوسف كان بيروح فين كل يوم ثلاثاء بالليل.
بصيت لابني.
وشه احمر، وبدأ يتوتر.
قال ماما، أنا كنت ناوي أقولك.
سألته باستغراب تقولّي إيه؟
سكت شوية، وبعدها أخيرًا اتكلم
أنا كنت باخد دروس في الإنعاش القلبي الرئوي.
بصيتله بصدمة.
إيه؟ دروس إنعاش؟
هز راسه وقال من الخريف اللي فات.
سألته بس ليه مخبتش عليا؟
عينيه بدأت تتملي بالدموع.
وبصوت واطي قال
عشان بابا يا ماما.
ساد الصمت في المكان.
يوسف نزل عينيه للأرض، وبعدها كمل
كنت كل شوية أفكر، لو كان في حد وقف يساعد بابا وقتها، يا ترى كان ممكن يحصل إيه؟
بلع ريقه بصعوبة، وقال
أنا عارف إن الدكاترة قالوا إن اللي حصل كان أسرع من إن حد يلحقه، بس كنت عايز أتعلم أعمل إيه لو شفت حد تاني محتاج مساعدة.
مكنتش قادرة أنطق بكلمة.
كل يوم ثلاثاء كنت بقضيه وأنا قلقة عليه.
كل مرة كان بيرجع فيها متأخر، كنت بفكر إنه بيخبي عني حاجة.
لكن الحقيقة إن ابني كان بيتعلم في هدوء إزاي يساعد الناس وينقذ حياتهم.
والسر اللي كان مخبيه عني مكنش حاجة تخوفني أبدًا.
كان حاجة تخليني أرفع راسي بيه فخرًا.
لكن في اللحظة دي، الظابط بيني مد إيده في جيبه وقال
في سبب تاني كمان خلاني أصر إني أقابلك بنفسي.
بصيتله بقلق.
ملامحه بقت أكثر جدية، وقال
الموضوع متعلق باللي حصل لما وصلنا بيت الأستاذ هينسون.
قلبي رجع يدق بسرعة.
سألته إيه اللي حصل؟
بص ليوسف، وبعدها رجع بصلي وقال
ابنك قال جملة وهو واقف معانا وإحنا بنحاول نساعد والتر. جملة أنا شايف إن كل أم وأب لازم يسمعوها.
يوسف نزل راسه وقال بتوسل
يا ظابط، أرجوك...
لكن بيني ابتسم وقال
لأ يا ابني، أمك لازم تعرف.
وبينما بدأ الظابط يحكيلي الكلام اللي يوسف قاله، أدركت إني على وشك اكتشاف قد إيه ابني كان شايل جواه وجع وذكريات عن أبوه، من غير ما حد فينا يحس.
لكن إيه الجملة اللي قالها يوسف، وخلّت ظابط الشرطة يصر إنه لازم يحكيها لأمه بنفسه؟
يتبع في أول تعليق... 
الظابط بيني بصلي وقال بصوت هادي
لما وصلنا بيت الأستاذ والتر، كان ابنك قاعد على الأرض جنب المسعفين، ومش راضي يسيب المكان لحد ما يطمن إن الراجل بدأ يتنفس بشكل أفضل.
سكت لحظة، وبعدها كمل
ولما واحد من المسعفين سأله إزاي عرف يتصرف بالشكل ده، يوسف رد عليه وقال أنا مش عايز طفل تاني يكبر وهو فاكر إنه كان ممكن ينقذ أبوه ومقدرش.
حسيت إن قلبي اتعصر جوا صدري.
بصيت ليوسف، لقيته بيحاول يمنع دموعه من النزول.
قربت منه وسألته بصوت مرتعش
يا حبيبي، إنت كنت بتفكر في الكلام ده طول السنتين اللي فاتوا؟
هز راسه ببطء.
أيوه يا ماما.
ليه مخبي عني كل الوجع ده؟ ليه محسستنيش إنك محتاج تتكلم؟
مسح دموعه بطرف كمه وقال
عشان كنت بشوفك بترجعي من الشغل تعبانة، وكنت بتتعبي عشان توفري لينا كل حاجة. مكنتش عايز أزود همومك.
الكلام ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني لما بشيل عنه المسؤوليات، لكنه كان بيحاول يحميني من حزنه هو كمان.
قعدت على الكرسي، وشديته ناحيتي، وقلتله
يا يوسف، إنت ابني، مش مطلوب منك تبقى قوي طول الوقت. من حقك تزعل، ومن حقك تعيط، ومن حقك تحتاجني. أنا أمك، ومهما كنت تعبانة، عمري ما هعتبر مشاعرك عبء عليا.
انهار يوسف في البكاء.
ولأول مرة من يوم وفاة أبوه، شفته بيعيط من قلبه من غير ما يحاول يخبي دموعه عني.
فضلت جنبه، ماسكة إيده، لحد ما بدأ يهدأ.
أما الظابط بيني، فوقف بعيد شوية، وادانا فرصة نتكلم براحتنا.
بعد دقائق، قال
راشيل، أنا قابلت شباب كتير في سن يوسف، لكن قليل منهم عنده الإحساس بالمسؤولية اللي ابنك أظهره النهارده.
بص ليوسف وأضاف
إنت تصرفت بشجاعة، والأهم إنك عرفت تطلب المساعدة بسرعة، واتبعت تعليمات موظف الطوارئ. ده تصرف سليم في موقف صعب.
يوسف شكره بصوت واطي.
وقبل ما الظابط يمشي، اداني رقم البلاغ، وشرحلي إن المستشفى هتقدر تطمني على حالة والتر من خلال الإجراءات المعتادة.
بعدها خرج، وسابني أنا ويوسف وآدم اللي كان لسه نايم على الكنبة.
قربت من آدم، عدلت البطانية عليه، وبصيت لابني الكبير.
فجأة، لاحظت حاجة مكنتش واخدة بالي منها قبل كده.
يوسف كان بيبص لأخوه الصغير بنفس النظرة اللي كان أبوه بيبصله بيها.
نظرة مليانة حنان ومسؤولية.
لكن في اللحظة دي، فهمت إن الحنان مش معناه إن طفل يشيل مسؤولية أكبر من سنه، حتى لو كان بيعمل ده بحب.
قلتله
يوسف، أنا مقدرة كل اللي بتعمله عشان أخوك، بس من النهارده لازم نلاقي طريقة تخليك تعيش سنك كمان. مش عايزاك تحس إنك لازم تقوم بدور أبوك.
بصلي وقال
أنا مش بحاول آخد مكان بابا يا ماما.
رديت بسرعة
عارفة يا حبيبي، وأنا مش قصدي كده. بس عايزاك تعرف إنك مش مسؤول عن إنقاذ كل الناس، ومش مطلوب منك تصلح اللي حصل زمان. إنت عملت اللي تقدر عليه النهارده، وده كفاية.
هز راسه، وبعدها حضنني مرة تانية.
في الليلة دي، بدل ما أرجع أراجع حسابات البيت ومصاريف الشهر زي كل يوم، طلبت أكل جاهز، وقعدنا إحنا التلاتة على السفرة.
آدم كان بيحكي بطريقته الطفولية عن الكلب روفَس، ويوسف كان بيضحك على تعليقاته.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن البيت رجع فيه صوت وضحك.
تاني يوم، اتصلت بالمستشفى عشان أطمئن على والتر.
عرفت إنه استقر تحت رعاية الأطباء، وإن أسرته وصلت له.
بعدها بيومين، زوجته السابقة وابنته جم يزورونا، ومعاهم كارت شكر صغير ليوسف.
ابنتُه كانت بتعيط وهي بتقول
لو يوسف مكنش وقف يساعده، مكنش عارفين كان ممكن يحصل إيه. إحنا ممتنين له جدًا.
يوسف اتكسف، وقال إنه عمل اللي أي شخص المفروض يعمله.
لكن بالنسبة ليا، كان الموقف أكبر من مجرد إنقاذ جار مسن.
كان بداية فهم جديد لابني.
ومن اليوم ده، بدأت أخصص وقت كل أسبوع أقعد فيه معاه، من غير تليفون ولا شغل ولا كلام عن المصاريف.
كنت بسأله عن يومه، وعن أصحابه، وعن الحاجات اللي بتفرحه والحاجات اللي بتوجعه.
وفي البداية، كان بيرد بكلمتين أو تلاتة.
لكن مع الوقت، بدأ يحكي أكتر.
حكى لي عن خوفه يوم وفاة أبوه، وعن شعوره بالعجز، وعن الليالي اللي كان بيصحى فيها من النوم وهو فاكر تفاصيل اليوم ده.
سمعته من غير ما أقاطعه، ومن غير ما أحاول أقنعه إن المفروض يكون نسي.
لأن بعض الأحزان مش بتختفي لمجرد إن الوقت عدى، لكنها بتبقى أخف لما نلاقي حد يسمعنا.
وبعد أسابيع، قرر يوسف يكمل تدريب الإسعافات الأولية، وقال إنه عايز يتعلم مهارات تساعده يتصرف بشكل صحيح في الطوارئ.
شجعته، لكن اتفقنا إن دراسته وراحته وحياته الشخصية يفضلوا أولوية، وإن رعاية آدم مسؤولية عائلية نتقاسمها، مش واجب يقع كله على كتفه.
أما أنا، فتعلمت درسًا عمري ما هنساه.
كنت طول الوقت خايفة من حاجة ابني ممكن يعملها وتغير حياتنا للأسوأ.
لكن اللي غيّر حياتنا فعلًا، كان اكتشافي للحاجة اللي كان بيحاول يعملها عشان يخلي العالم مكانًا أفضل.
وفي مساء هادي، بعد ما آدم نام، لقيت يوسف واقف قدام صورة أبوه.
قربت منه وسألته
بتفكر في بابا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
أيوه يا ماما. بس المرة دي مش زعلان.
سألته أمال بتفكر في إيه؟
بص للصورة وقال
بفكر إنه لو كان هنا، كان هيفرح إني ساعدت الراجل ده.
وقتها، دموعي نزلت من غير ما أحس.
لأنني أدركت أن يوسف لم يكن يحاول أن ينسى أباه، بل كان يبحث عن طريقة يعيش بها مع فقدانه.
وضعت يدي على كتفه وقلت
أنا متأكدة إنه كان هيفخر بيك يا حبيبي.
وبعدها دخلنا نطمن على آدم، وقفلت باب الأوضة بهدوء.
لأول مرة من سنتين، حسيت إن ذكرى دانيال مبقتش مجرد لحظة مؤلمة بنحاول نهرب منها.
بقت كمان سبب يخلينا نتمسك بالحياة، ونساعد بعض، ونفتكر إن الحب مش معناه إننا نقدر نمنع كل حاجة وحشة تحصل.
أحيانًا، كل اللي نقدر نعمله هو إننا نكون موجودين جنب بعض وقت الألم، ونساعد لما نقدر، ونسمح لنفسنا نطلب المساعدة لما نحتاجها.
وده كان بالضبط اللي يوسف بدأ يتعلمه.
وأنا كمان، كنت لسه بتعلمه معاه.
الظابط بيني بصلي وقال بصوت هادي
لما وصلنا بيت الأستاذ والتر، كان ابنك قاعد على الأرض جنب المسعفين، ومش راضي يسيب المكان لحد ما يطمن إن الراجل بدأ يتنفس بشكل أفضل.
سكت لحظة، وبعدها كمل
ولما واحد من المسعفين سأله إزاي عرف يتصرف بالشكل ده، يوسف رد عليه وقال أنا مش عايز طفل تاني يكبر وهو فاكر إنه كان ممكن ينقذ أبوه ومقدرش.
حسيت إن قلبي اتعصر جوا صدري.
بصيت ليوسف، لقيته بيحاول يمنع دموعه من النزول.
قربت منه وسألته بصوت مرتعش
يا حبيبي، إنت كنت بتفكر في الكلام ده طول السنتين اللي فاتوا؟
هز راسه ببطء.
أيوه يا ماما.
ليه مخبي عني كل الوجع ده؟ ليه محسستنيش إنك محتاج تتكلم؟
مسح دموعه بطرف كمه وقال
عشان كنت بشوفك بترجعي من الشغل تعبانة، وكنت بتتعبي عشان توفري لينا كل حاجة. مكنتش عايز أزود همومك.
الكلام ده وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني لما بشيل عنه المسؤوليات، لكنه كان بيحاول يحميني من حزنه هو كمان.
قعدت على الكرسي، وشديته ناحيتي، وقلتله
يا يوسف، إنت ابني، مش مطلوب منك تبقى قوي طول الوقت. من حقك تزعل، ومن حقك تعيط، ومن حقك تحتاجني. أنا أمك، ومهما كنت تعبانة، عمري ما هعتبر مشاعرك عبء عليا.
انهار يوسف في البكاء.
ولأول مرة من يوم وفاة أبوه، شفته بيعيط من قلبه من غير ما يحاول يخبي دموعه عني.
فضلت جنبه، ماسكة إيده، لحد ما بدأ يهدأ.
أما الظابط بيني، فوقف بعيد شوية، وادانا فرصة نتكلم براحتنا.
بعد دقائق، قال
راشيل، أنا قابلت شباب كتير في سن يوسف، لكن قليل منهم عنده الإحساس بالمسؤولية اللي ابنك أظهره النهارده.
بص ليوسف وأضاف
إنت تصرفت بشجاعة، والأهم إنك عرفت تطلب المساعدة بسرعة، واتبعت تعليمات موظف الطوارئ. ده تصرف سليم في موقف صعب.
يوسف

تم نسخ الرابط