في عزومة حكايات ميراا حصري
المحتويات
البيت، فأنا قلتلك إني مش هدفع حاجة تاني.
ردت بعصبية إنتِ فهماني غلط يا كاساندرا! الموضوع أكبر من الفلوس.
سألتها أمال إيه الموضوع؟
سكتت شوية، وبعدها قالت لازم تيجي بنفسك وتشوفي الأوراق.
قفلت معاها، وفضلت أفكر.
كنت عارفة إن رجوعي للبيت مش هيكون سهل، لكن كان لازم أفهم إيه اللي بيحصل.
اتصلت بسمر، وحكيتلها عن المكالمة.
قالتلي لو هتروحي، روحي عشان تعرفي الحقيقة، مش عشان حد يضغط عليكي ترجعي تدفعي فلوس.
وبالفعل، قررت أروح بعد ما أخلص شغلي، وأخد بالي من كل كلمة هتتقال.
لما وصلت البيت، لقيت برنت قاعد في الصالة، ورجله ممدودة على الكنبة، بيتفرج على التلفزيون وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
أول ما شافني، ابتسم وقال أهو رجعتي تاني! كنت عارف إنك مش هتقدري تكملي لوحدك.
بصيتله وقلت أنا جاية أعرف الحقيقة، مش جاية أرجع.
اختفت ابتسامته.
دخلت أوضة السفرة، ولقيت بابا وماما قاعدين قدام مجموعة من الأوراق.
أمي أشارت للكرسي وقالت اقعدي يا حبيبتي.
قعدت من غير ما أتكلم.
بابا سحب ورقة من وسط الأوراق وحطها قدامي.
كانت ورقة تخص ملكية البيت.
بصيت عليها، وبعدها رفعت عيني وسألته إيه علاقة الورقة دي بيا؟
اتنهد وقال البيت ده كان باسم جدك، وبعد وفاته حصلت شوية إجراءات قانونية، والملكية انتقلت لينا.
سألته طيب، وإيه اللي كنتوا مخبيينه عني؟
أمي بصت لبابا، وكأنها مستنية منه يبدأ الكلام.
وأخيرًا، قال جدك كان سايب وصية.
اتجمدت مكاني.
جدي مات من سنين، وكنت فاكرة إن كل حاجة تخص تركته اتقسمت وانتهى الموضوع.
سألته وصية إيه؟
طلع بابا ملف قديم من درج المكتب، وفتح أول صفحة.
كان فيه اسم جدي، وتاريخ قديم، وتوقيعه في آخر الورقة.
بدأ يشرح إن جدي كان حريصًا على مستقبل أحفاده، وإنه خصص مبلغًا ماليًا ليا ولإخواتي، على أن يتم الاحتفاظ به وفقًا للشروط المكتوبة في الوصية.
بصيتله بعدم تصديق.
يعني كان ليا فلوس من جدي؟
أمي ردت بسرعة أيوه، بس الموضوع مش بالبساطة دي.
سألتها أمال إيه اللي حصل؟
بابا قال إن المبلغ كان موجودًا بالفعل، لكن إدارة التركة والإجراءات المرتبطة بيها استغرقت وقتًا طويلًا.
وبعدها أضاف جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي
إحنا استخدمنا جزءًا من المبلغ في مصاريف البيت.
فضلت ساكتة لثوانٍ.
ثم سألته قد إيه؟
محدش رد.
كررت السؤال أنا سألتك استخدمتوا قد إيه من الفلوس اللي جدي سايبها لينا؟
أمي بدأت تفرك إيديها بتوتر.
وقالت كنا بنحاول نحافظ على البيت، وباباك كان تعبان، ومكنش قدامنا حلول كتير.
بصيت لبابا وقلت وليه محدش قال لي؟
رد بصوت منخفض كنا خايفين تقلقي.
ضحكت بمرارة.
خايفين أقلق؟ أنا اللي كنت بدفع قسط البيت كل شهر، وبشتري الأكل، وبشيل كل المصاريف، وفي نفس الوقت فيه فلوس من جدي محدش قال لي عنها؟
بابا نزل عينيه للأرض.
لكن برنت تدخل فجأة وقال ما تكبريش الموضوع. الفلوس فضلت جوه العيلة، يعني محدش غريب أخدها.
لفيت ناحيته.
وإنت مالك بالموضوع أصلًا؟
رد بضيق أنا ابنهم زيك، وليا حق أعرف اللي بيحصل.
قلتله من حقك تعرف، لكن مش من حقك تقرر إني أدفع كل حاجة، وبعدها تتكلم كأن تعبي مالوش قيمة.
أمي رفعت صوتها كفاية يا ولاد! إحنا عيلة واحدة، ومش عايزين نخسر بعض بسبب الفلوس.
بصيتلها بهدوء وقلت أنا كمان مش عايزة أخسر عيلتي، بس مش معنى كده إني أقبل إني أكون الشخص الوحيد اللي بيتحمل المسؤولية.
بعدها طلبت أشوف نسخة كاملة من الوصية، وكل الأوراق الخاصة بالمبلغ اللي اتصرف.
بابا اتردد في البداية، لكن لما أصريت، وافق إنه يجهزلي صورًا من المستندات.
وقبل ما أمشي، سألته سؤالًا أخيرًا
هو أنا ليّا حق في البيت نفسه؟ ولا كل اللي جدي سايبهولي كان مبلغ مالي؟
بصلي طويلًا، وبعدها قال
دي نقطة لازم تتأكدي منها من المحامي، لأن الوصية فيها تفاصيل محتاجة مراجعة.
خرجت من البيت وأنا حاسة إن عندي أسئلة أكتر من الإجابات.
لكن المرة دي، مكنتش هسمح للخوف أو الإحراج يمنعني من معرفة حقي.
رجعت لشقة سمر، وحطيت الأوراق اللي معايا على الترابيزة.
وفي صباح اليوم التالي، حجزت موعدًا مع محامٍ متخصص في قضايا الميراث.
كنت فاكرة إن أكبر مشكلة هواجهها هي معرفة مصير الفلوس اللي جدي سابهالي.
لكن لما المحامي قرأ أول صفحتين من الوصية، وقف عند فقرة معينة، ورجع قرأها مرة تانية.
وبعدها رفع عينيه ليا وسألني
كاساندرا، إنتِ متأكدة إن والدك ووالدتك ما ورّوكيش الجزء ده من الوصية قبل كده؟
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
قلت متأكدة. دي أول مرة أشوف الورق ده.
المحامي أشار إلى سطر في منتصف الصفحة وقال
لأن الجزء ده ممكن يغيّر فهمك لكل اللي حصل في البيت، ولازم نراجع المستندات كاملة قبل ما نحدد حقوقك بالضبط.
بصيت للسطر، وبدأت أقرأه ببطء.
وفجأة، افتكرت جملة كانت أمي قالتها على سفرة عيد الشكر
إحنا مش بنطردك يا حبيبتي، إحنا بس شايفين إنك ارتحتي زيادة عن اللزوم وإنتِ عايشة هنا.
لأول مرة، بدأت أشك إنهم مكانوش عايزيني أمشي لمجرد إني كبرت.
كان فيه سبب تاني.
سبب مرتبط بالبيت، وبالوصية، وبحقي اللي محدش فكر إنه من حقي أعرفه.
لكن هل كان البيت فعلًا من حقي، ولا كانت فيه شروط تانية جدي كاتبها في الوصية؟
يتبع
الجزء الرابع الحقيقة اللي محدش كان عايزني أعرفها
المحامي فضّل يراجع الوصية صفحة ورا صفحة، وأنا قاعدة قدامه مش قادرة أبعد عيني عن الورق.
بعد حوالي عشر دقايق، رفع راسه وقال
يا أستاذة كاساندرا، لازم نفرّق بين حاجتين الفلوس اللي جدك خصصها ليكي، وملكية البيت نفسه. كل واحدة فيهم ليها شروط مختلفة في المستندات اللي قدامنا.
سألته بقلق يعني ممكن يكون ليا حق في البيت؟
رد بحذر ممكن، لكن مش هنقدر نجزم قبل ما نراجع أصل الوصية ومستندات الملكية والتصرفات اللي حصلت بعد وفاة جدك.
طلبت منه يكمل مراجعة الأوراق.
وبعد شوية، لقى مستندًا قديمًا متعلقًا بالمبلغ المالي اللي جدي كان سايبه لينا، وفيه تفاصيل عن نصيبي أنا وإخواتي.
لكن المفاجأة كانت في كشف الحساب المرفق بالملف.
المبلغ اللي كان مخصصًا ليا اتصرف منه جزء كبير، ومفيش مستندات كافية في الملف توضح بالتحديد كل المبالغ راحت فين.
حسيت بغصة في حلقي.
أنا مش كنت بطالب بفلوس زيادة، ولا كنت بحاول آخد حاجة مش من حقي.
كل اللي كنت عايزاه أعرفه هو ليه محدش قال لي الحقيقة؟
المحامي قال أول خطوة هنعملها إننا نطلب المستندات الرسمية، ونعرف مين كان مسؤول عن إدارة المبلغ، وإيه أوجه الصرف المسجلة. بعد كده نقدر نحدد إذا كان فيه أي حق مالي متبقّي ليكي.
خرجت من عنده وأنا مقررة إني مش هتنازل عن حقي في المعرفة.
وفي نفس اليوم، اتصلت بنور.
أول ما ردت، سألتها إنتِ تعرفي أي حاجة عن الفلوس اللي جدي سايبها لينا؟
سكتت شوية، وبعدها قالت أنا سمعت ماما بتقول لبرنت إن الفلوس اللي فضلت لازم تتقسم بطريقة معينة، وإنهم مش عايزينك تسألي عن الحسابات القديمة.
سألتها برنت كان عارف كل ده؟
قالت أيوه، بس مش عارفة هو يعرف التفاصيل كلها ولا لأ.
قفلت المكالمة وأنا بفكر.
كل مرة كنت أكتشف معلومة جديدة، كنت بفهم إن اللي حصل أكبر من مجرد خلاف عائلي على مصاريف البيت.
لكن اللي وجعني فعلًا إنهم كانوا شايفين تعبي قدامهم كل يوم، ومع ذلك اختاروا يسيبوني أعيش من غير ما أعرف الصورة كاملة.
بعد يومين، وصلني اتصال من بابا.
قال بصوت متعب كاساندرا، لازم نتكلم.
رديت أنا سمعتك قبل كده يا بابا، والمرة دي عايزة أشوف المستندات كاملة.
قال إنتِ بقيتي بتتعاملِي معانا كأننا أعداء.
اتنهدت وقلت أنا مش بتعامل معاكم كأعداء. أنا بس مش هفضل أدفع فلوس من غير ما أفهم مصيرها، ولا هتنازل عن حقي عشان محدش يزعل.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال تعالي البيت يوم الجمعة. هنقعد كلنا، وهنوضح كل حاجة.
وافقت، بشرط إن الكلام يكون بهدوء، وإن أي مستندات تخص الفلوس أو البيت تكون موجودة.
يوم الجمعة، رجعت البيت.
لقيت أمي قاعدة في الصالة، وبرنت جنبها، وقدامهم ملف كبير.
أول ما دخلت، أمي قامت وقالت إحنا عمرنا ما قصدنا نأذيكي يا بنتي.
بصيتلها وقلت أنا مش جاية أسمع إحنا قصدنا إيه. أنا جاية أعرف إيه اللي حصل.
بابا فتح الملف وبدأ يطلع الأوراق.
اعترف إن جزءًا من المبلغ اللي كان جدي مخصصه ليا اتصرف على مصاريف عائلية، وإنهم كانوا بيعتبروا إن ده حقهم في التصرف طالما الفلوس موجودة تحت إدارتهم.
لكنهم ماقدموش تفسيرًا كاملًا لكل المبالغ.
قلت بهدوء حتى لو كنتوا شايفين إنكم بتساعدوا البيت، كان من حقي أعرف. خصوصًا إني أنا كمان كنت بدفع من مرتبي.
برنت اتدخل وقال إنتِ عايزة تحاسبينا على كل جنيه؟ إحنا عيلة واحدة!
بصيتله وقلت العيلة الواحدة بتشارك في المسؤولية، مش شخص واحد يدفع والباقي يقرر عنه.
المرة دي، محدش قدر يرد.
بعدها أمي قالت طيب، قولي لنا إنتِ عايزة إيه عشان الموضوع ده ينتهي؟
كنت مجهزة إجابتي من قبل ما أجي.
قلت أولًا، مش هدفع أي مصاريف تخص البيت من دلوقتي. ثانيًا، عايزة نسخة من كل المستندات وكشف واضح بالمبالغ اللي اتصرفت. وثالثًا، أي حق يثبت إنه من حقي، هسيب المحامي يتابع إجراءاته.
بابا بصلي بوجع وقال يعني مش هترجعي تعيشي معانا؟
بصيت حواليّا على البيت اللي عشت فيه سنين، وعلى الترابيزة اللي كنت بشتري أكلها، وعلى الأوضة اللي اتاخدت مني في أقل من يوم.
وبعدين قلت أنا ممكن أفضل أحبكم وأساعدكم وقت ما أقدر، لكن مش هرجع لنفس الحياة القديمة.
شلت شنطتي واستعديت أمشي.
لكن قبل ما أوصل للباب، نور جريت ناحيتي ومدت إيدها بورقة صغيرة.
همست دي ورقة لقيتها وسط الأوراق القديمة. مش عارفة إذا كانت مهمة ولا لأ، بس حسيت إنك لازم تشوفيها.
أخدتها منها وحطيتها في شنطتي من غير ما أفتحها قدامهم.
ولما وصلت شقة سمر، طلعتها وبدأت أقرأ.
كانت ورقة حسابات قديمة، عليها تاريخ يرجع لأكتر من أربع سنين.
وفي آخر الصفحة، كان فيه مبلغ كبير متسجل، وقدامه ملاحظة بخط إيد أمي.
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
لأن المبلغ المكتوب ماكانش متطابقًا مع اللي بابا قال إنه اتصرف.
وفي أسفل الورقة، كان فيه اسم شخص من خارج العيلة، وتوقيع بجانبه.
ساعتها عرفت إن المحامي لازم يشوف الورقة دي فورًا.
لأنها ممكن تكون المفتاح اللي يوضح مصير الفلوس.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني طول الليل كان
مين الشخص اللي اسمه مكتوب في الحسابات، وليه أمي كانت مخبية الورقة دي بالذات؟
يتبع...
الجزء الخامس الاسم اللي غيّر كل حاجة
فضلت طول الليل باصة للورقة اللي نور ادتهالي، وكل شوية أرجع أقرأ الأرقام المكتوبة فيها.
كان فيه مبلغ كبير خرج من الحساب، وقدامه اسم شخص غريب عن العيلة، وتوقيع مش عارفة صاحبه.
تاني يوم الصبح، أخدت الورقة وروحت للمحامي.
أول ما شافها، طلب مني أحكيله بالظبط لقيتها فين، وهل حد من أهلي يعرف إنها معايا.
حكيتله كل حاجة، وبعدها قلتله
أنا مش عايزة أظلم حد، بس مش عايزة حقي يضيع.
هز راسه وقال
وده حقك. هنراجع الورقة مع باقي المستندات، ونتأكد من طبيعة المبلغ والتوقيع قبل ما نستنتج أي حاجة.
بعد كام يوم، قدر المحامي يحدد هوية الشخص المكتوب اسمه في الورقة.
كان محاسبًا قديمًا اتعامل مع جدي قبل وفاته، وكان مسؤولًا عن تسجيل بعض المعاملات المالية المتعلقة بالتركة.
اتواصلنا معاه من خلال الإجراءات القانونية المناسبة، وبعد مراجعة المستندات اللي كانت عنده، ظهرت تفاصيل ماكنتش موجودة في الأوراق اللي بابا ورهالي.
المبلغ اللي كنت فاكرة إنه اتصرف بالكامل، كان جزء منه لسه محتاج تسوية ومراجعة.
والأهم إن فيه مستندات بتوضح إن المبلغ المخصص ليا ماكانش من حق أي حد يتصرف فيه من غير مراعاة الشروط المحددة في الوصية.
المحامي طلب نسخة رسمية من المستندات، وقال إننا لازم نحدد قيمة المبلغ المتبقي بدقة، ونراجع أي مبالغ اتصرفت من غير سند واضح.
لأول مرة من أيام، حسيت إن فيه أمل إني أوصل للحقيقة كاملة.
لكن المفاجأة الأكبر ماجتش من المحامي.
جات من أمي.
في مساء يوم الخميس، اتصلت بيا وطلبت تقابلني لوحدنا.
وافقت، واتقابلنا في كافيه هادي بعيد عن البيت.
كانت باينة عليها علامات التعب، وأول ما قعدت قدامي، فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة، بس لازم أحكيلك حاجة أنا خبيتها عنك سنين.
بصيتلها وقلت
أنا مستعدة أسمعك، بس المرة دي عايزة الحقيقة كاملة.
مسحت دموعها وبدأت تتكلم.
قالت إن جدي قبل وفاته كان دايمًا قلقان على مستقبلي، خصوصًا إني كنت أكتر واحدة بتتحمل المسؤولية في العيلة، وإنه كان خايف أفضّل أضحّي بحياتي عشان أساعد غيري.
عشان كده، حاول يضمن إن يكون ليا نصيب مالي يساعدني أبدأ حياتي بشكل مستقل.
لكن بعد وفاته، ومع إصابة بابا وتراكم مصاريف البيت، أمي وبابا بدأوا يعتمدوا على المبلغ ده في تغطية بعض الاحتياجات.
ومع مرور الوقت، بدل ما يعترفوا إنهم محتاجين يعيدوا ترتيب أمورهم، فضلوا يأجلوا الكلام معايا.
قالت أمي بصوت مكسور
كل مرة كنا بنقول هنرجع الفلوس، وكل مرة كانت بتظهر مصاريف جديدة. ولما إنتِ بدأتي تدفعي قسط البيت، حسينا إن الأمور بقت أسهل، وفضلنا ساكتين.
سألتها
ولما قررتوا تطلبوا مني أمشي، كنتوا ناويين تقولولي الحقيقة إمتى؟
نزلت عينيها للأرض.
مكنش عندي إجابة يا بنتي.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي اعتراف
متابعة القراءة