دي أغبى حكايات ميراا حصري
المحتويات
مجلس الإدارة كانوا قاعدين في أماكنهم، والمحامين فاتحين ملفاتهم، وندى قاعدة في آخر الترابيزة ووشها شاحب.
أبويا وقف، وفتح الملف اللي قدامه، وطلع مجموعة مستندات.
قال بصوت حازم
أنا عارف إن فيه تحويلات مالية خرجت من حسابات الشركة، وعارف إن اسمي موجود في بعض الأوراق. لكن فيه حاجة محدش يعرفها... من ست شهور، اكتشفت إن فيه حد بيستخدم صلاحياته عشان يمرر عقود مش واضحة، وبدأت أجمع الأدلة من غير ما أواجهه.
رئيس مجلس الإدارة سأله
وليه ما بلغتْش المجلس وقتها؟
أبويا نزل عينه للحظة، وبعدين رد
لأني كنت محتاج أتأكد من كل حاجة قبل ما أظلم حد.
ندى رفعت راسها بسرعة وقالت
بابا، إنت بتتكلم عن مين؟!
بصلها، لكنه ما ردش.
بدل ما يجاوب، زق المستندات ناحية المحامي، وقال
راجعوا التوقيعات وتواريخ الموافقات. هتلاقوا إن فيه عقود اتقدمت باسمي، لكن بعض التحويلات تمت بعد انتهاء التفويض اللي كنت مديه للإدارة المالية.
المحامي بدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة، وبعد دقائق رفع عينه وقال
ده معناه إننا محتاجين نفحص صلاحيات التوقيع وسجل الموافقات الإلكتروني، قبل ما نقدر نحدد مين المسؤول.
أنا تدخلت وقلت
بالضبط. مش هنصدر أحكام مسبقة على أي حد. كل اللي يهمني إننا نعرف الحقيقة ونحمي الشركة من أي خسائر إضافية.
ندى كانت ساكتة، لكن إيديها كانت بتترعش وهي بتقلب في أوراقها.
بصيت لها وسألتها
ندى، إنتِ عندك أي مستندات تانية تخص شركة هورايزون؟
ردت بتوتر
كل العقود اللي عندي اتسلمت للإدارة المالية. أنا ما كنتش براجع كل تحويل بنفسي.
رئيس الفريق المالي قال
إحنا راجعنا جزءًا كبيرًا من السجلات، لكن فيه ملفات إلكترونية ناقصة من النظام القديم. وده اللي مأخرنا.
أبويا اتنهد وقال
أنا مستعد أقدم كل الإيميلات والمستندات اللي عندي، حتى لو ده معناه إن فيه قرارات أنا نفسي لازم أتحمل مسؤوليتها.
الكلام ده خلاني أبص له باهتمام. لأول مرة، ما حاولش يستخدم سلطته عشان يقفل الموضوع، ولا طلب مننا نعتبره شأنًا عائليًا.
بعد ساعتين من المراجعة، وصل خبير الحسابات الجنائي ومعاه تقرير أولي.
حطه على الترابيزة وقال
قدرنا نحدد إن جزءًا من التحويلات اتصرف في خدمات فعلية، لكن فيه مبلغ كبير لسه مفيش مستندات كافية تفسره. والأهم إننا اكتشفنا إن بعض الموافقات اتسجلت من حساب مستخدم إداري مشترك بين أكتر من موظف.
سألته
يعني لسه مش قادرين نحدد الشخص المسؤول؟
رد
مش بشكل قاطع. محتاجين نراجع سجلات الدخول الأصلية، ونتأكد مين كان عنده صلاحية الوصول وقت كل عملية.
ندى أخيرًا اتكلمت، لكن صوتها كان مختلف عن المعتاد.
أنا موافقة على مراجعة كل حاجة. ولو فيه خطأ حصل تحت مسؤوليتي، هتحمل مسؤوليتي عنه.
بصيت لها، وقلت
ده المطلوب من أي حد في منصبك.
انتهى الاجتماع بقرار تعليق صفقة الاستحواذ على ماديسون مؤقتًا، وتكليف فريق مستقل بمراجعة الحسابات، من غير اتخاذ أي إجراء نهائي ضد أي موظف قبل اكتمال التحقيق.
لكن قبل ما أخرج من القاعة، أبويا طلب يتكلم معايا لوحدنا.
دخلنا مكتبه القديم، وقفل الباب، وبعد لحظات قال
مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها عن سبب رفضي إني أشغلك في الشركة زمان.
بصيت له باستغراب.
إيه علاقة ده باللي بيحصل دلوقتي؟
فتح درج مكتبه، وطلع ظرفًا قديمًا عليه اسمي.
قبل ما تتخرجي، كنتِ مقدمة على وظيفة في قسم التخطيط المالي. أنا رفضت طلبك، لكن مش لأنك ما كنتيش شاطرة.
اتسعت عيني.
أمال ليه؟
أبويا سكت طويلًا، وبعدها قال
لأن تقرير التقييم اللي وصلني وقتها كان بيقول إنك أذكى من أختك في تحليل الأرقام، وإنك ممكن تنافسيها على منصب الإدارة في المستقبل... وأنا خفت إن ده يسبب مشاكل بينكم، فقررت أدي الفرصة لندى وأبعدك عن الشركة.
حسيت إن الكلام نزل عليّ زي الصاعقة.
يعني بدل ما يديني فرصة وأسيب شغلي هو اللي يحدد مستقبلي، قرر من البداية إنه يختار مكاني!
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
فتحت الظرف، ولقيت تقرير التقييم الأصلي، وتحته ورقة مكتوب فيها اسم الشخص اللي وقّع على التوصية بتعيين ندى بدلًا مني.
رفعت عيني لأبويا وسألته
مين اللي كتب التوصية دي؟
أبويا بص للورقة، ووشه اتغير.
وقال بصوت منخفض
الشخص ده هو نفسه اللي كان مسؤولًا عن مراجعة التحويلات المالية في الشركة... وهو لحد النهارده لسه شغال عندنا!
فضلت باصة للورقة اللي في إيدي، وبعدين سألت أبويا
مين الشخص ده يا بابا؟ وليه كنت مخبي عني الموضوع طول السنين دي؟
أبويا قعد على الكرسي، وشكله كان أكبر بعشر سنين في اللحظة دي.
اسمه شريف منصور. هو المدير المالي للشركة من أكتر من عشرين سنة، وكان أقرب شخص ليا في الشغل. أنا وثقت فيه ثقة عمياء، وكنت باعتمد على تقاريره في كل القرارات المالية.
بصيت له باستغراب وقلت
يعني شريف هو اللي كتب التوصية اللي خلتك ترفض تشغلني؟
هز راسه وقال
أيوه. وقتها قال لي إنك شاطرة، لكن وجودك جنب ندى ممكن يعمل منافسة بينكم ويأثر على استقرار الشركة. وأنا بدل ما أقيّمك بنفسي، سمعت كلامه.
حسيت بغضب كبير، لكن المرة دي ما كانش غضب من شريف لوحده.
قلت لأبويا
هو ممكن يكون ضللّك، لكن القرار في الآخر كان قرارك إنت. إنت ما سألتنيش حتى عن رأيي، ولا ادتني فرصة أثبت نفسي.
أبويا نزل راسه وقال
عندك حق.
لأول مرة، ما حاولش يدافع عن نفسه.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، خبط حد على الباب.
دخلت السكرتيرة وقالت
أستاذ علي، أستاذ شريف موجود بره، وبيقول إنه لازم يقابل حضرتك فورًا.
أبويا بص لي، وأنا فهمت إن الفرصة اللي مستنيينها وصلت لحد عندنا.
قلت له
خليه يدخل، بس محدش يتكلم عن أي استنتاجات قبل ما نسمع منه.
دخل شريف منصور، راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك شنطة جلد.
أول ما شافني، وقف لحظة، وبعدها ابتسم ابتسامة متكلفة.
أهلًا يا أستاذة مريم. سمعت إنك بقيتي صاحبة القرار في الشركة دلوقتي.
رديت بهدوء
أنا واحدة من المساهمين الرئيسيين، وجاية أتأكد إن الشركة بتدار بشكل سليم. وده يشمل مراجعة الحسابات القديمة.
قعد شريف، وحط شنطته جنبه، وقال
طبعًا، وأنا تحت أمركم. الحسابات كلها سليمة، وأي اختلافات بسيطة هتكون بسبب ضغط الشغل.
طلعت نسخة من التقرير المالي وحطيتها قدامه.
طيب، ممكن تشرح لنا سبب التحويلات اللي اتعملت لشركة هورايزون، مع إن العقود مش موضحة الخدمات المقابلة للمبالغ دي؟
بص للورق بسرعة، وبعدها رد
دي مصروفات استشارية، والتفاصيل موجودة في الأرشيف.
سألته
وفين الأرشيف؟ لأن فريق المراجعة ملقاش الملفات الإلكترونية المطلوبة.
اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه رجع ابتسم.
غالبًا حصل عطل في النظام القديم. هطلب من الفريق يدور عليها.
أبويا اتدخل وقال
شريف، أنا عايز إجابة واضحة. إزاي اتسجلت موافقات باسمي بعد انتهاء التفويض المالي؟
شريف عدّل قعدته وقال
يا أستاذ علي، حضرتك كنت بتوافق على عمليات كتير، وممكن تكون نسيت بعض التفاصيل.
أبويا ضرب بإيده على المكتب.
أنا ممكن أنسى تفاصيل صغيرة، لكن مش هنسى إني أوافق على ملايين الدولارات من غير ما أعرف سببها!
شريف سكت.
وأنا لاحظت إنه كل ما نتكلم عن العقود، يحاول يرجع الحوار لفكرة إن أبويا نسي أو إن النظام حصل فيه عطل.
قلت له
أستاذ شريف، إحنا مش بنوجه اتهام لحد. لكن بما إنك كنت المسؤول عن مراجعة التحويلات، لازم تقدم المستندات المطلوبة، وهنسيب للفريق المستقل تحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة.
قام شريف من مكانه وقال بنبرة متوترة
أنا مش هقبل إن حد يشكك في أمانتي بعد كل السنين دي!
رديت بهدوء
محدش بيشكك فيك لمجرد إننا بنراجع الحسابات. المراجعة إجراء طبيعي، وبتحمي كل شخص ملتزم بالقواعد.
خرج شريف من المكتب وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم.
أول ما الباب اتقفل، أبويا بص لي وقال
أنا عمري ما شفته متوتر بالشكل ده.
رديت
التوتر لوحده مش دليل على حاجة. لازم نعرف الحقيقة من المستندات.
وبالفعل، تواصلنا مع فريق المراجعة وطلبنا منه الاحتفاظ بنسخ من السجلات الأصلية، ومراجعة صلاحيات الدخول وتاريخ كل موافقة مالية.
وفي آخر اليوم، جالي اتصال من رئيس الفريق.
قال لي
أستاذة مريم، لقينا مستند مهم جدًا. فيه عقد قديم بين شركة هورايزون وشركة هارينجتون، لكن العقد اتعدل بعد توقيعه، والتعديل مش موجود في النسخة اللي كانت مع الإدارة.
سألته بسرعة
ومين اللي وافق على التعديل؟
رد
لسه بنراجع التوقيعات، لكن فيه حاجة تانية. النسخة الأصلية من العقد عليها توقيع ندى، بينما النسخة المعدلة عليها توقيع مختلف، ولازم خبير فني يفحصه.
قفلت المكالمة وأنا بفكر.
هل ندى كانت عارفة أكتر مما قالت؟ وهل شريف حاول يخفي مستندات عنها، ولا هي نفسها وافقت على التعديلات؟
تاني يوم الصبح، طلبت من المحامي يحدد اجتماعًا جديدًا، بحضور ندى وشريف وفريق المراجعة.
دخلت ندى القاعة، وحطت ملفًا صغيرًا قدامي.
قالت بصوت هادي
مريم، أنا فكرت طول الليل، وفيه حاجة لازم أقولها قبل ما يبدأ الاجتماع.
بصيت لها وقلت
اتفضلي.
فتحت الملف، وطلعت منه صورة لإيميل قديم، وبعدين قالت
من حوالي ست شهور، شريف طلب مني أوافق على تعديل عقد هورايزون، وقال لي إن التعديل مجرد تغيير في بنود الدفع. أنا وافقت، لكني ما شفتش النسخة النهائية بعد التعديل.
سألتها
وليه ما قلتيش الكلام ده من البداية؟
عينيها اتمَلَت بالدموع.
لأني خفت. أنا كنت مسؤولة عن العمليات، ولو اعترفت إني وافقت على تعديل من غير ما أراجع كل تفاصيله، كنت عارفة إن منصبي ممكن يضيع.
بصيت لها بجدية وقلت
الاعتراف بالخطأ أحسن من إخفائه، لكن لازم نتحقق من كل كلمة قلتيها.
هزت راسها، وبعدها مدت إيدها بالإيميل.
لكن وأنا بقرأ الرسالة، لفت نظري سطر في آخرها، مكتوب فيه إن النسخة النهائية من العقد اتبعتت لشخص تالت خارج الشركة، بغرض الحصول على موافقة إضافية.
رفعت عيني وسألت ندى
مين الشخص ده؟
ندى مسحت دموعها، وقالت
ده مش موظف عندنا، ولا ليه أي منصب في الشركة... ده محامي العيلة، وهو الشخص اللي كان بيتولى كل العقود الخاصة بأبويا من سنين!
بصيت لأبويا، ولأول مرة شفته عاجز عن الكلام.
لأن اسم المحامي ده كان موجودًا بالفعل في ملف التحويلات المالية، لكن محدش فينا كان فاهم ليه.
والسؤال اللي بقى لازم نجاوب عليه هل كان المحامي مجرد مستشار بيؤدي شغله، ولا فيه مستندات تانية هتكشف دورًا مختلفًا تمامًا؟
بصيت لأبويا وقلت له
بابا، إنت تعرف إن محامي العيلة كان طرف في تعديل العقد؟
أبويا فضل ساكت ثواني، وبعدها رد
اسمه حسام الدمنهوري. هو محامينا من أكتر من خمسة وعشرين سنة، وكان بيتولى العقود الكبيرة وكل المسائل القانونية الخاصة بالعيلة والشركة. بس مستحيل أصدق إنه ممكن يشارك في حاجة تضرنا.
ندى اتدخلت وقالت
أنا كمان كنت واثقة فيه. لما شريف بعت لي التعديل، قال لي إن حسام راجعه قانونيًا، وإن مفيش أي مشكلة في البنود الجديدة.
بصيت لها وقلت
وده بالضبط سبب إننا لازم نراجع كل حاجة. الثقة مش بديل عن المستندات.
طلبت من المحامي اللي بيمثل مجموعة نورثبريدج إنه يتواصل مع فريق المراجعة، ويتأكد من الاحتفاظ بكل النسخ الأصلية من العقود والمراسلات، وإن محدش يوجّه اتهام لأي شخص قبل ما تظهر الأدلة.
وبعد أقل من ساعة، وصلنا رد من فريق الحسابات.
كان فيه مستند جديد بيكشف إن شركة
متابعة القراءة