مضيت على الطلاق حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

تتحسن.
سألته
وحقها رجع لها؟
هز راسه بأسف.
على حد علمي، لأ. وبعد ما سافرت، كل واحد انشغل بحياته، والموضوع اتنسي وسط الخلافات.
الأستاذ خالد تدخل وقال
علشان كده لازم نتواصل معاها، ونعرف موقفها، ونراجع المستندات قبل أي إجراء جديد.
في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في الشقة بس، ولا في الفلوس.
المشكلة كانت إن كل واحد في العيلة كان شايف الجزء اللي يخصه، وناسي إن وراه ناس تانية ليها حقوق ومشاعر.
بعد يومين، قدرنا نتواصل مع ليلى عن طريق رقم قديم كان موجود في أوراق والدها.
في البداية، كانت مترددة جدًا في الكلام.
لكن لما عرفت إننا لقينا المستندات القديمة، وافقت تعمل مكالمة فيديو معانا بحضور المحامي.
أول ما ظهرت على الشاشة، حسيت إني بشوف الحاج محمود في ملامحها.
كانت ست في أواخر الأربعينات، وملامحها فيها هدوء وحزن.
قالت بصوت منخفض
أنا مش عايزة مشاكل مع إخواتي، ولا عايزة أفتح خلافات قديمة. كل اللي كنت مستنياه إن محدش ينسى إني كنت جزء من العيلة دي، وإن ليا حق زيهم.
عماد رد عليها
محدش من حقه ينكر حقك يا ليلى. وإحنا هنراجع كل حاجة مع المحامي.
لكنها بصت له وقالت
أنا مش زعلانة عشان الفلوس بس. أنا زعلانة عشان بعد ما سافرت، محدش سألني إذا كنت محتاجة حاجة، ولا حتى حاول يعرف أنا عايشة إزاي.
سكتنا كلنا.
لأن كلامها كان حقيقي، ومحدش فينا قدر ينكره.
وبعدين ليلى بصت ناحيتي وقالت
منى، أنا عرفت اللي حصل بينك وبين حسن، وعرفت إنك كنتِ الوحيدة اللي فضلت جنب بابا في مرضه. أنا كنت بعيدة، لكن عمري ما نسيت إنك كنتِ بتعامليه كأنه أبوكي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لها
أبوكي كان راجل طيب، وكان يستحق إننا كلنا نقف جنبه. وأنا عملت اللي كنت أتمنى أي حد يعمله لو كنت مكانه.
ليلى ابتسمت بحزن وقالت
عشان كده أنا موافقة إننا نرجع نراجع الأوراق بهدوء، ونحافظ على حق كل واحد فينا.
بعد أسابيع من مراجعة المستندات، بدأت الصورة تتضح.
اتحدد حق ليلى المالي بناءً على الأوراق اللي قدمتها، واتفق أفراد العيلة على استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، من غير ما حد يتنازل عن حقه أو يضغط على حد تاني.
أما موضوع الشقة، فكان منفصلًا عن الخلاف ده؛ لأن ملكيتها كانت انتقلت ليّ بإجراءات قانونية مستقلة قبل سنوات.
حسن اضطر يواجه نتيجة قراراته، وبدأ يدور على سكن مناسب ليه ولأمه، بدل ما يفضل معتمد على فكرة إن البيت مضمون مهما حصل.
وفي يوم، اتصل بيا وقال
يا منى، أنا بدأت أراجع نفسي فعلًا. اكتشفت إن طول السنين اللي فاتت كنت فاكر إن كل حاجة من حقي لمجرد إني ابن البيت، وإنك لازم تستحملي أي حاجة عشان إنتِ مراتي.
سكت لحظة، وبعدين كمل
أنا مش بطلب منك ترجعي، ولا حتى تسامحيني دلوقتي. بس كنت عايز أقولك إني آسف.
المرة دي، ما حسيتش بالغضب اللي كنت بحسه زمان.
قلت له
يا حسن، أنا أتمنى لك الخير، لكن حياتي دلوقتي مختلفة. أنا سامحت عشان أرتاح، مش عشان أرجع لنفس المكان اللي اتوجعت فيه.
رد بهدوء
فاهم يا منى.
وقفلنا المكالمة.
بعد مرور ستة شهور، حياتي اتغيرت بشكل ماكنتش أتخيله.
بقيت أزور سارة باستمرار، وأقضي وقت مع حفيدي الصغير، وأتعلم حاجات كنت دايمًا بأجلها عشان مسؤولياتي.
أما ليلى، فرجعت تزور مصر، واتقابلنا في بيت سارة.
قعدنا ساعات نتكلم عن الحاج محمود، وعن ذكرياتنا معاه، وعن الحاجات اللي كنا نفسنا نقولهاله قبل ما يمشي.
وفي نهاية الزيارة، ليلى مسكت إيدي وقالت
تعرفي يا منى؟ بابا كان دايمًا يقول إن قيمة الإنسان مش في اللي يملكه، لكن في الأمان اللي بيسيبُه في قلوب الناس.
ابتسمت وقلت
وكان عنده حق.
في اللحظة دي، سارة قربت مننا، وحطت صورة جدها على الترابيزة.
وقالت
أنا نفسي أربي ابني على نفس المبدأ ده. عايزاه يعرف إن احترام الناس أهم من الفلوس، وإن محدش من حقه يهين حد لمجرد إنه أضعف منه أو محتاج له.
بصيت لبنتي، وحسيت إن الحاج محمود نجح في إنه يسيب وراه حاجة أكبر من الشقة والأرض والحسابات.
ساب لنا درس عمره ما هيتنسي.
إن الإنسان ممكن يخسر بيت، أو فلوس، أو حتى أقرب الناس ليه، لكنه يقدر يبدأ من جديد طول ما لسه محتفظ بكرامته وقدرته على اختيار حياته.
أما أنا، منى عبدالسلام، فبعد خمسة وعشرين سنة من التضحية والصبر، فهمت أخيرًا إن بداية الحياة مش مرتبطة بسن معين، وإن الست مش لازم تفضل في علاقة بتوجعها لمجرد إنها خايفة من الوحدة أو كلام الناس.
وأهم حاجة اتعلمتها، إن التسامح مش معناه إنك تسمح لحد يرجع يكسرك من جديد.
النهاية.
الجزء السابع بعد سنة كاملة... حسن رجع يطلب فرصة أخيرة!
عدّت سنة كاملة من يوم ما خرجت منى من بيت حسن، وهي شايلة شنطتها الصغيرة والظرف اللي غيّر حياتها.
سنة اتعلمت فيها تعيش لنفسها، من غير ما تستنى كلمة رضا من حد، ومن غير ما تخاف من بكرة.
شقتها الجديدة بقت مليانة حياة. زرعت ورد في البلكونة، وعلّقت صور بنتها سارة وحفيدها، وخصصت ركن صغير لصور الحاج محمود، الراجل الوحيد اللي حسّسها إن تعبها طول السنين ما راحش هدر.
لكن في صباح يوم هادي، جرس الباب رن.
فتحت منى، ولقت حسن واقف قدامها، وفي إيده علبة صغيرة.
كان شكله اتغير. شعره زاد فيه الشيب، ووشه بقى مرهق، لكن المرة دي ماكانش داخل بثقة الشخص اللي متخيل إن كل حاجة من حقه.
قال بهدوء
صباح الخير يا منى. ممكن آخد من وقتك عشر دقايق؟
منى بصت له باستغراب، وبعد لحظة سمحت له يدخل.
قعد حسن على طرف الكنبة، وبص حواليه.
شقتك جميلة.
ردت منى بهدوء
الحمد لله. أخيرًا بقيت عايشة في مكان بحس فيه بالراحة.
هز راسه، وكأنه فهم الرسالة اللي ورا كلامها.
وبعدين حط العلبة على الترابيزة وقال
دي حاجة كنت محتفظ بيها من أيام أبويا، وحسيت إن لازم أوصلهالك بنفسي.
فتحت منى العلبة، ولقت ساعة يد قديمة كانت ملك الحاج محمود، ومعاها ورقة صغيرة.
أول ما شافت الساعة، دموعها لمعت في عينيها.
دي كانت ساعته! كان بيلبسها كل يوم!
حسن قال بصوت مكسور
أيوه. لقيتها وسط حاجته القديمة، ومعاها الورقة دي.
فتحت منى الورقة، وقرأت بخط الحاج محمود
يا منى، لو الساعة دي وصلتلك يومًا، افتكري إن الوقت اللي بنضيعه في إرضاء الناس مش بيرجع. حافظي على نفسك، وعلى قلبك، وعلى الأيام اللي لسه قدامك.
منى مسحت دموعها، وبصت لحسن.
ليه جبتها لي دلوقتي؟
أخد نفس طويل وقال
لأن فيه حاجة لازم أعترف بيها. بعد الطلاق، كنت فاكر إن كل مشاكلي سببها إنك بعتي الشقة وإن نجلاء سابتني. لكن مع الوقت، اكتشفت إن المشكلة كانت في طريقتي أنا.
سكت شوية، وبعدين كمل
كنت متعود إنك موجودة في كل وقت، بتصلحي كل حاجة، وبتستحملي كل حاجة. لدرجة إني نسيت إن ليكي مشاعر، وإنك ممكن تتعبي وتزهقي وتمشي.
منى فضلت ساكتة.
لأول مرة، حسن كان بيتكلم من غير ما يلومها أو يطلب منها تبرر نفسها.
قال بعدها
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي. أنا عارف إن اللي اتكسر مش سهل يتصلح. بس كنت محتاج أقولك إني آسف، من غير ما أستنى منك مقابل.
منى بصت له طويلًا، وبعدين قالت
يا حسن، أنا استنيت منك الكلام ده سنين. كنت كل مرة أقول يمكن يفهم، يمكن يحس بيا، يمكن يفتكر إني إنسانة مش مجرد حد موجود عشان يخدمه.
نزل حسن عينيه.
كملت منى
بس لما الكلام جه، كنت أنا اتغيرت. مبقتش محتاجة اعتذارك عشان أعرف إن ليا قيمة.
حسن هز راسه، ودمعة نزلت من عينه.
عندك حق.
وقبل ما يمشي، وقف عند الباب وقال
فيه حاجة أخيرة. أمي عايزة تشوفك.
منى اتفاجئت.
الحاجة فاطمة؟ عايزة تشوفني ليه؟
رد حسن
صحتها بقت أضعف، وهي ندمانة على حاجات كتير قالتها وعملتها معاكي. مش هضغط عليكي، لكن لو وافقتي، أعتقد إنها محتاجة تقولك الكلام ده بنفسها.
منى ما ردتش فورًا.
كانت فاكرة كل كلمة جارحة سمعتها من حماتها، وكل مرة حسّستها إنها غريبة في بيتها.
لكنها افتكرت كمان وصية الحاج محمود، وإنها مش عايزة تفضل أسيرة للغضب طول عمرها.
قالت أخيرًا
هفكر يا حسن. ولو قابلتها، هيكون عشان أقفل الصفحة دي بسلام، مش عشان أرجع أعيشها من جديد.
حسن شكرها ومشي.
بعد أسبوع، قررت منى تزور الحاجة فاطمة.
لما دخلت البيت اللي عاشت فيه خمسة وعشرين سنة، حست بغرابة شديدة. الأوضة اللي كانت بتقضي فيها ساعات طويلة وهي بتخدم الكل، بقت مختلفة، والبيت اللي كان زمان مليان أوامر وانتقادات، بقى هادي بشكل مؤلم.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك.
أول ما شافت منى، عينيها دمعت.
قالت بصوت ضعيف
جيتي يا منى؟
قربت منها منى وقعدت قدامها.
الحاجة فاطمة فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أنا ظلمتك يا بنتي. كنت فاكرة إنك طول ما إنتِ ساكتة، يبقى إنتِ راضية. وكنت فاكرة إنك هتفضلي تستحملي مهما عملت فيكي.
منى سمعتها من غير مقاطعة.
كملت الحاجة فاطمة
لما خرجتي من البيت، كنت فاكرة إني انتصرت. لكن بعد ما مشيتي، اكتشفت إنك كنتِ اللي شايلة البيت كله. حتى الحاجات الصغيرة اللي عمري ما فكرت فيها، محدش عرف يعملها زيك.
وبعدين مسكت إيد منى وقالت
مش هطلب منك ترجعي، ولا هقولك انسي اللي حصل. أنا بس عايزاكي تسامحيني قبل ما أمشي من الدنيا.
منى عينيها دمعت، لكنها ردت بهدوء
أنا سامحتك يا حاجة فاطمة، عشان نفسي أعيش مرتاحة. لكن السماح مش معناه إن اللي حصل كان عادي، ولا إننا هنرجع زي زمان.
الحاجة فاطمة هزت راسها، وكأنها كانت متوقعة الرد ده.
أنا فاهمة يا بنتي.
قعدت منى معاها شوية، وبعدها استأذنت ومشيت.
وهي نازلة السلم، حسّت إنها أخيرًا سابت وراها حملًا تقيلًا.
مش لأنها نسيت الماضي، لكن لأنها مبقتش محتاجة تعيش جواه.
بعد شهرين، وصل لمنى جواب من المحامي الأستاذ خالد.
كان فيه نسخة من مستند قديم للحاج محمود، ومعاه رسالة قصيرة كتبها قبل وفاته.
وفي آخر الرسالة، كانت فيه جملة ماكنتش منى توقعت تقراها أبدًا
يا منى، لو وصلتي لليوم اللي بقيتي فيه قادرة تعيشي لنفسك، يبقى أنا مطمئن عليكي. لكن فيه أمنية أخيرة ليا نفسي تشوفي العيلة متجمعة يومًا، مش على الميراث ولا الفلوس، لكن على المحبة والاحترام.
منى فضلت تقرا الجملة أكتر من مرة.
وبعدين اتصلت بسارة، وقالت لها
يا بنتي، إيه رأيك نعمل عزومة صغيرة، ونجمع فيها عماد وليلى وحسن؟ مش عشان نرجع زي الأول، لكن عشان نفتكر جدك ونحاول نبدأ صفحة جديدة.
سارة وافقت، واتفقوا على يوم يجتمعوا فيه كلهم.
لكن منى ماكانتش تعرف إن اليوم ده هيشهد مفاجأة جديدة، وإن واحد من الحاضرين هيكشف سرًا قديمًا عن الحاج محمود، سرًا ممكن يغيّر نظرة العيلة كلها للماضي.
يتبع في الجزء الثامن...

تم نسخ الرابط