مضيت على الطلاق حكايات_ميراا حصري
بعد ما مضيت على الطلاق بعد 25 سنة جواز، حماتي ضحكت وقالت أخيرًا هنستقبل مرات ابن حقيقية! وجوزي السابق طردني من البيت وهو بيبتسم، لكن بعد أسبوع واحد، لما سمسار العقارات خبط على الباب، الكل اتصدم من اللي عرفه!
الجزء الأول
غيّر كالون الباب النهارده يا حسن! مش عايزة أشوف الست دي هنا تاني، خصوصًا لما عروستك الحقيقية تيجي البيت!
قالت حماتي الجملة دي أول ما رجعنا من المحكمة، بعد ما خلصت إجراءات طلاقي من حسن، جوزي اللي عشت معاه خمسة وعشرين سنة كاملة.
لكن اللي وجعني بجد ماكانش كلامها، إنما إني شفت حسن بيبتسم وهو بيهز راسه موافق على كلام أمه!
وقال بكل برود
عندك حق يا أمي. بكرة هييجوا ياخدوا مقاسات الأوض، نجلاء عايزة تغيّر الأرضيات والمطبخ، وحتى العفش. أخيرًا هنعيش بالطريقة اللي نستحقها!
وبعدها الاتنين انفجروا في الضحك، وكأنهم خلصوا من حمل تقيل كان على قلبهم طول السنين اللي فاتت.
وقفت جنب الباب، ماسكة شنطة سفر صغيرة في إيدي.
أنا اسمي منى عبدالسلام، عندي واحد وخمسين سنة، ولسه من شوية بقيت غريبة في البيت اللي قضيت نص عمري وأنا ببني فيه وأحافظ عليه.
الشقة كانت في منطقة راقية في القاهرة، فيها تلات أوض نوم، وصالة واسعة، ومطبخ قضيت فيه آلاف الساعات وأنا بجهّز الفطار والغدا والعشا، من غير ما أسمع حتى كلمة شكر واحدة.
بصتلي حماتي، الحاجة فاطمة، وقالت باحتقار
مستنية إيه لسه؟ إنتِ خلاص مبقتيش مرات ابني. لمي حاجتك واغوري من هنا!
أما حسن، فكان مشغول بموبايله، ولا حتى كلّف نفسه يبص في وشي.
وبعدين قال
وعلى فكرة، متفكريش ترجعي تطلبي فلوس مني. إحنا كفاية اللي عملناه معاكي طول السنين اللي فاتت، وكفاية إننا كنا بنصرف عليكي!
ما رديتش عليه.
كل اللي عملته إني بصيت حواليّا، وافتكرت يوم ما دخلت البيت ده لأول مرة وأنا عندي ستة وعشرين سنة، وبحلم أعيش حياة سعيدة مع الراجل اللي حبيته.
حسن وقتها وعدني إننا هنبني مستقبلنا سوا، وإنه عمره ما هيسمح لحد يزعلني.
لكن بعد الجواز، وبإصرار منه، سبت شغلي، ولقيت نفسي اتحولت لشيف في المطبخ، وممرضة وقت المرض، وخدامة بتنضف وتغسل، وكمان بقيت المسؤولة عن رعاية أمه.
الحاجة فاطمة مكانش بيعجبها أي حاجة أعملها.
لو القهوة سخنة زيادة، تتعصب وتزعق.
لو الأكل اتأخر خمس دقايق، تقول عليّا فاشلة ومش نافعة في أي حاجة.
ولو تعبت أو مرضت، كانت تقول إن ستات الأيام دي بيتحججوا بالمرض عشان يهربوا من مسؤولياتهم!
أما حسن، فكان دايمًا عنده نفس الرد
متكبريش الموضوع يا منى، إنتِ عارفة أمي وطبعها!
كنت بستحمل كل ده عشان بنتي الوحيدة، سارة.
كنت عايزاها تكبر وسط أسرة مستقرة، وبيت هادي، وأب وأم موجودين جنبها.
لكن الحقيقة اللي فهمتها متأخر، إن البيت ده عمره ما كان هادي بالنسبة لي، وإن أنا الوحيدة اللي كنت بحاول أحافظ على أسرة أصحابها نفسهم مش مقدّرين وجودي.
الشخص الوحيد اللي عاملني بحنية واحترام كان حمايا، الحاج محمود.
من سبع سنين، لما جاله جلطة أثرت على حركته، مراته وابنه بدأوا يبعدوا عنه، وكل واحد فيهم كان بيتهرب من مسؤولية رعايته.
لكن أنا اللي فضلت جنبه.
كنت بسهر الليالي أغيّر له الملايات، وأديله علاجه في مواعيده، وأساعده في أكله وشربه، وأفضل قاعدة معاه لما كان بيحس بالوحدة والخوف.
وبعد سنتين، الحاج محمود توفّى.
لكن قبل وفاته بتلات شهور، طلب مني طلب عمري ما نسيته.
كنت قاعدة جنبه في أوضته، لما مسك إيدي وقال بصوت ضعيف
يا منى، عايزك تكلمي المحامي بتاعي. فيه حاجة لازم أخلّصها قبل ما أمشي من الدنيا.
بصيتله باستغراب وسألته
خير يا حاج؟ فيه إيه؟
بصلي بنظرة غريبة، وقال
فيه حق لازم يرجع لصاحبه، وأمانة لازم أوصّلهالك بنفسي.
في اليوم ده، حصلت حاجة حسن وأمه عمرهم ما تخيلوا إنها ممكن تحصل.
لكن أنا احتفظت بالسر لنفسي خمس سنين كاملة.
استنيت لحد ما سارة خلصت دراستها، واشتغلت، واتجوزت راجل محترم بيحبها ويقدّرها.
وبعد ما اطمنت إن بنتي بقت قادرة تعيش حياتها، قررت أخيرًا أبدأ أفكر في نفسي.
لكن في الوقت ده، حسن ظهر في حياتي من جديد بشكل مختلف تمامًا.
كان معاه واحدة أصغر منه بسنين كتير، اسمها نجلاء، وقرر إنه عايز يطلقني عشان يتجوزها.
والأغرب إنه اتعامل معايا كأني أنا اللي المفروض أعتذر له، وكأني ضيّعت عمره، مش هو اللي ضيّع عمري!
والنهارده، وأنا واقفة عند الباب، شوفته وهو بيغيّر الرقم السري لقفل الباب الإلكتروني، عشان يضمن إني مش هقدر أدخل الشقة تاني.
مدّيت إيدي بهدوء جوه شنطتي، ولمست ظرف ورق سميك كنت محتفظة بيه من أيام قليلة.
الظرف كان جواه مستند رسمي، عليه توقيع اتكتب من سبع أيام بس.
بصلي حسن وقال باستهزاء
مع السلامة يا منى. البيت ده مبقاش ليكي أي علاقة بيه!
لأول مرة من سنين طويلة، ابتسمت من قلبي.
ابتسامة خلتني أحس إني أخيرًا قدرت أتنفس بعد ما كنت عايشة طول الوقت تحت ضغط وخوف وإهانة.
لأن حسن وأمه كانوا فاكرين إنهم انتصروا عليّا، وإنهم قدروا يرموني بره البيت من غير حتى ما يدوّني جنيه واحد.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن فيه سر كبير على وشك إنه يقلب حياتهم كلها.
الشقة اللي كانوا بيجهزوها عشان يعيش فيها حسن مع مراته الجديدة، كان خلاص فيه مشتري ليها!
والأخطر من كده، إن عملية البيع نفسها تمت بموافقة الشخص اللي عنده الحق القانوني في اتخاذ القرار.
والشخص ده ماكانش حسن، ولا أمه!
بعد أسبوع واحد بس من يوم طلاقي، خبط سمسار عقارات على باب الشقة.
وأول ما حسن فتح الباب وسمع منه اسم صاحب الشقة الحقيقي، وشه اتغيّر، وأمه وقفت مكانها مش قادرة تنطق بحرف!
لأن الحقيقة اللي ظهرت في اللحظة دي كانت أكبر بكتير من كل اللي اتخيلوه.
يا ترى مين صاحب الشقة الحقيقي؟ وإيه السر اللي الحاج محمود سابه ليا قبل وفاته؟ وليه حسن وأمه اتصدموا أول ما السمسار كشف لهم الحقيقة؟
يتبع...
الجزء الثاني الصدمة اللي قلبت حياة حسن وأمه!
حسن فتح باب الشقة وهو متعصب، وقال للراجل اللي واقف قدامه
أيوه، حضرتك مين؟ وعايز إيه؟
ابتسم الراجل باحترام وقال
حضرتك الأستاذ حسن عبدالسلام؟
أيوه، أنا. خير؟
طلع الراجل ملف من الشنطة اللي في إيده، وقال بهدوء
أنا أستاذ شريف، سمسار عقارات، وجاي بخصوص الشقة دي. عندي ميعاد مع المالك الجديد عشان نستلم المفاتيح ونخلّص إجراءات التسليم.
حسن ضحك باستهزاء، وقال
المالك الجديد إيه؟! إنت أكيد غلطان في العنوان يا أستاذ. الشقة دي شقتي، وأنا عايش فيها من أكتر من خمسة وعشرين سنة!
في اللحظة دي، ظهرت الحاجة فاطمة من وراه، وهي بتعدل طرحتها، وقالت بعصبية
في إيه يا حسن؟ مين الراجل ده؟
رد السمسار بكل هدوء
أنا جاي أبلّغكم إن الشقة اتباعت، وإن المفروض تسلّموها للمالك الجديد في الموعد المتفق عليه.
الحاجة فاطمة فتحت عينيها على آخرهم، وبعدين انفجرت في الضحك.
اتباعت إيه يا ابني؟! إنت بتتكلم عن شقة مين؟ دي شقة ابني، وإحنا قاعدين فيها من سنين!
السمسار فتح الملف وطلع صورة من عقد الملكية، وقال
أنا متفهم إن الموضوع ممكن يكون صادم بالنسبة لكم، لكن الأوراق الرسمية بتقول إن ملكية الشقة انتقلت للسيدة منى عبدالسلام من سنين، وهي صاحبة الحق في التصرف فيها.
حسن خطف الورق من إيده، وبدأ يقرا بسرعة، وكل ما كان بيقرا سطر، وشه كان بيصفر أكتر.
إيه الكلام ده؟! مستحيل! الشقة دي كانت باسم أبويا!
السمسار رد عليه
أيوه، كانت باسم المرحوم الحاج محمود، لكن قبل وفاته، تم اتخاذ إجراءات قانونية لنقل الملكية، والأوراق كلها سليمة ومسجلة.
الحاجة فاطمة حطت إيدها على صدرها، وقالت بصوت مرتعش
محمود عمل كده إمتى؟! وإزاي؟! ده عمره ما قالنا حاجة!
السمسار بص في الورق تاني، وبعدين قال الجملة اللي خلت حسن يحس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه
على حسب المستندات، الأستاذة منى بقت المالكة الوحيدة للشقة من فترة طويلة، والبيع الأخير تم بتوقيعها هي شخصيًا.
حسن رفع راسه فجأة، وصرخ
منى؟! إنت بتقول منى؟!
وفي اللحظة دي، سمعوا صوتي من وراهم.
أيوه يا حسن، منى!
التلاتة لفّوا ناحيتي، ولقوني واقفة قدام باب الشقة، لابسة لبسي العادي، وماسكة نفس الظرف اللي خرجت بيه يوم الطلاق.
حسن قرب مني بخطوات سريعة، وقال بغضب
إنتِ عملتي إيه؟! وإزاي بعتي شقتي من ورايا؟!
بصيت له بهدوء وقلت
شقتك؟! إنت متأكد إنها شقتك يا حسن؟
أيوه شقتي! أنا عايش فيها من خمسة وعشرين سنة!
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
إنك تعيش في مكان خمسة وعشرين سنة، مش معناه إنه ملكك.
الحاجة فاطمة اندفعت ناحيتي وهي بتزعق
يا شيخة! بعد كل اللي عملناه معاكي، تيجي في الآخر تسرقي بيت ابني؟! ده إحنا اللي أكلناكي وشربناكي!
بصيت لها، ولأول مرة ما خفتش من صوتها، ولا حسيت إني مضطرة أبرر نفسي.
قلت لها
إنتِ فاكرة إنك لما كنتِ بتذليني كل يوم، وتخليني أخدمك وأنا تعبانة، وتقولّي إني مليش قيمة من غير ابنك، إن ده كان معناه إني ضعيفة؟!
سكتُّ لحظة، وبعدين كملت
أنا سكتّ عشان كنت بحترم جوزي، وعشان بنتي، وعشان وعد قطعته لراجل مات وهو واثق فيّا.
حسن بصلي بقلق، وسألني
وعد إيه؟! وإنتِ بتتكلمي عن مين؟!
فتحت الظرف وطلعت منه صورة من مستند رسمي، ومدّيتهاله.
افتكر أبوك يا حسن؟ افتكر آخر سنتين في حياته، لما كنت بتتحجج بالشغل عشان متقعدش معاه، وأمك كانت بتقول إن رعايته مسؤولية تقيلة عليها؟
حسن سكت، وبدأ يبص في الورق اللي في إيده.
كملت وأنا بحاول أسيطر على دموعي
أبوك هو اللي طلب مني أجيب المحامي. هو اللي قرر ينقل ملكية الشقة ليا، بعد ما شاف إني الوحيدة اللي فضلت جنبه وقت مرضه، وإنكم كنتوا بتتعاملوا معاه كأنه عبء عليكم.
الحاجة فاطمة صرخت
كدابة! محمود عمره ما يعمل كده في ابنه!
هزيت راسي وقلت
هو ماحرمش ابنه من حقه، ولا أخد منه حاجة كانت ملكه. الشقة كانت ملكه هو، ومن حقه القانوني إنه يتصرف فيها، وده اللي حصل فعلًا.
وبعدين بصيت لحسن مباشرة وقلت
أبوك ساب لك فرصة تكون ابنه بجد، لكنه اختار يضمن مستقبلي أنا، لأنه كان عارف إني قضيت عمري كله بخدمتك وخدمة أمك من غير ما يكون ليا أي أمان.
حسن كان واقف مش قادر يتكلم.
وبعد لحظات، سألني بصوت منخفض
طب ليه بعتي الشقة دلوقتي؟! بعد كل السنين دي؟!
بصيت له وقلت
لأنك إنت بنفسك قلتلي إن البيت مبقاش ليا علاقة بيه. ولأنك نسيت إن اللي قضت خمسة وعشرين سنة بتحافظ على البيت ده، من حقها تفكر في مستقبلها هي كمان.
سكتُّ شوية، وبعدين أضفت
أنا مش محتاجة أثبتلك إني أستحق الاحترام. أنا أخيرًا قررت أعيش من غير إهانة.
لكن قبل ما أمشي، السمسار طلب مني أستنى لحظة، وقال
مدام منى، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها قبل ما نكمّل إجراءات التسليم.
بصيت له باستغراب.
فتح ملفه مرة تانية، وطلع مستند مختلف، وقال
المشتري طلب يقابل حضرتك بنفسه، وأكد إنه مش هيستلم الشقة قبل ما يسلّمك جواب شخصي.
مدّ إيده وناولني ظرف صغير، مكتوب عليه اسمي بخط إيد واضح.
أول ما شفت الخط، قلبي بدأ يدق بسرعة.
لأني كنت عارفة الخط ده كويس جدًا.
كان خط الحاج محمود... حمايا اللي مات من سبع سنين!
بصيت للظرف وأنا مش مصدقة عيني، وحسن وأمه واقفين جنبي، وكل واحد فيهم بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل.
فتحت الظرف بإيد بتترعش، وبدأت أقرا أول سطر.
وفجأة،