ليلة الفرح
عرف إننا جايين؟
الدكتور رد
مش عارف... لكن الشخص ده غالبًا هو نفسه اللي أخد مني النسخة الأصلية من الملف.
أدهم مسك كتفه وقال
إنت مش هتخبي عننا حاجة تاني. قولنا اسم الدكتور اللي استلم الملف!
سامح بص له طويلًا، وبعدها قال
الدكتور اللي استلم ملف أمك يا أدهم... هو الدكتور اللي أعلن وفاة والدك بعد الحادث!
أدهم رجع خطوة لورا.
إيه؟! أبويا مات في حادث عربية، والشرطة هي اللي أعلنت وفاته!
عارف. لكن الدكتور ده كان أول واحد وصل لمكان الحادث، رغم إنه ما كانش ضمن فريق الإسعاف، وبعدها اختفى من المستشفى فترة طويلة.
يارا سألت
واسمه إيه؟
الدكتور سامح بلع ريقه، وقال
الدكتور عادل منصور.
أدهم اتجمد مكانه.
لأنه كان يعرف الاسم ده كويس جدًا.
الدكتور عادل كان صديق عمه المقرب، وهو نفسه الطبيب اللي عالج أدهم وهو طفل بعد وفاة والده.
السر اللي كانت أم أدهم مخبياه
رجع أدهم ويارا للفيلا، وقرروا يواجهوا أمه باسم الدكتور عادل.
لكن أول ما دخلوا، لقوا باب أوضة أمه مفتوح، والنور شغال، والستارة بتتحرك من الهوا.
أدهم نادى
يا أمي!
مفيش رد.
دخل أوضتها، فلقى درج مكتبها مفتوح، والأوراق اللي كانت فيه اختفت.
وعلى السرير، كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
سامح اتكلم؟ لو اتكلم، يبقى لازم تعرفوا الحقيقة كاملة. ما تثقوش في عمك، حتى لو أقسم لكم إنه بيحميكم.
أدهم مسك الورقة بإيد مرتعشة.
أمي راحت فين؟!
يارا بدأت تدور في الأوضة، لحد ما لاحظت إن فيه صورة قديمة متعلقة على الحيطة اتحركت من مكانها.
شالت الصورة، ولقت وراها خزنة صغيرة.
أدهم جرّب كذا رقم، لكن الخزنة ما فتحتش.
يارا افتكرت حاجة.
جرّب تاريخ وفاة أمي.
أدهم دخل التاريخ.
الخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه ظرف كبير، وصورة لطفل صغير واقف جنب رجلين قدام عربية قديمة.
يارا قربت من الصورة، وبصت للطفل.
ده إنت يا أدهم؟
أدهم هز راسه.
أيوه... دي صورة من وأنا عندي عشر سنين.
يارا أشارت للرجل اللي واقف جنب الطفل.
وده أبوك.
وبعدين أشارت للرجل التاني.
لكن مين الراجل ده؟
أدهم قرّب الصورة من عينه.
وفي اللحظة اللي عرف فيها الشخص، حس إن الأرض بتتهز تحته.
الرجل التاني كان والد يارا!
وتحت الصورة كان فيه خطاب بخط والدة أدهم
يا أدهم، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت أحميك من الحقيقة. أبوك ويارا كان بينهم سر أكبر من خلافات الشغل، ووالد يارا ما كانش عدو أبوك زي ما اتقالك. الحقيقة إن أبوك طلب منه يساعده في كشف الشخص اللي كان بيسرق الشركة... وبعدها بيوم واحد، الاتنين اختفوا من حياتنا للأبد.
أدهم بص ليارا بذهول.
يعني أبوكي كان بيحاول ينقذ أبويا؟
يارا دموعها نزلت وهي بتقول
وأمي كانت عارفة... وسابتني أموت من غير ما أعرف الحقيقة!
لكن قبل ما يقدروا يكملوا قراءة الخطاب، سمعوا صوت مفتاح بيلف في باب الفيلا.
أدهم خبّى الصورة بسرعة، ووقف قدام الباب.
دخل عمه، وبمجرد ما شاف الظرف المفتوح في إيد أدهم، وقف مكانه.
وبصوت هادي بشكل مخيف، قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
أدهم قرب منه.
إنت كنت تعرف إن أبو يارا بريء؟
عمه ما ردش.
أدهم صرخ
رد عليا! إنت كنت تعرف مين اللي تسبب في موت أبويا؟!
عمه بص ليارا، وبعدها رجع بص لأدهم وقال
أيوه، كنت عارف... لكن اللي إنتوا لسه ما تعرفهوش إن أبوك ما كانش الضحية الوحيدة في اللي حصل!
وبعدها حط على الترابيزة ملفًا أسود، وفتحه على أول صفحة.
كان فيها اسم يارا كاملًا، وتاريخ ميلادها، وتحت الاسم مكتوب بخط أحمر
الهدف التالي.
يتبع...
الفصل السابع يارا هي الهدف التالي!
يارا فضلت باصة للملف الأسود، مش قادرة تستوعب اللي مكتوب فيه.
يعني إيه الهدف التالي؟! أنا عملت إيه لكل ده؟!
عم أدهم قفل الملف بسرعة وقال
إنتِ ما عملتيش حاجة يا يارا، لكن أبوكي قبل ما يموت خبّى حاجة مهمة جدًا، والحاجة دي لو ظهرت، ناس كتير هتدخل السجن.
أدهم وقف قدامه بغضب
وإنت عارف مكانها، صح؟
عمه سكت.
أدهم خبط بإيده على الترابيزة.
أنا بسألك! إنت كنت عارف إن أبويا وأبو يارا كانوا بيحاولوا يكشفوا سرقة الشركة، وعارف إن أبو يارا بريء، وسايبني أظلم يارا كل السنين دي؟!
عمه رد ببرود
أنا كنت بحاول أحميك من الحقيقة.
يارا ضحكت ضحكة حزينة وقالت
هو كل واحد بيأذينا بيقول إنه بيحمينا! أمي سكتت عشان تحميني، وإنت كذبت عشان تحمي أدهم، وفي الآخر أنا خسرت أمي، وأدهم خسر أبوه، والحقيقة لسه مدفونة!
الكلام خلّى عم أدهم يبعد عينيه عنها.
لكن أدهم ما سابوش يغيّر الموضوع.
إيه الحاجة اللي أبو يارا خبّاها؟
عمه أخد نفسًا طويلًا، وبعدها قال
دفتر الحسابات الأصلي. الدفتر اللي فيه أسماء كل الناس اللي شاركت في سرقة الشركة، والمبالغ اللي اتسرقت، والتحويلات اللي اتعملت لحسابات خارج مصر.
محمود، اللي كان لسه موجود في الفيلا، اتكلم فجأة
الدفتر ده مستحيل يكون موجود! أنا دورت عليه سنين!
عمه بص له بحدة.
لأنك كنت بتدور في المكان الغلط.
وبعدين بص ليارا وقال
أبوكي سلّم الدفتر لأمك قبل ما يموت، وهي خبّته في مكان محدش يقدر يوصل له غيرك.
يارا اتراجعت خطوة.
أمي ما قالتليش أي حاجة عن دفتر!
عمه رد
لأنها كانت عارفة إنك لو عرفتي مكانه، هتبقي في خطر.
أدهم سأله
طب وإنت عرفت منين إنها سلّمته ليارا؟
عمه ما ردش، لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
يارا لاحظت ده، وقالت
إنت مش عارف مكان الدفتر، صح؟ إنت جاي هنا عشان تخوفنا ونقولك هو فين!
لأول مرة، عم أدهم فقد هدوءه.
إنتِ فاكرة نفسك ذكية أوي؟!
أدهم وقف بينه وبين يارا.
اتكلم معاها باحترام!
عمه بص له باحتقار وقال
إنت اتغيرت يا أدهم. زمان كنت بتسمع كلامي من غير ما تسأل، لكن البنت دي قلبت حياتك كلها!
أدهم رد بثبات
لأ. هي ما قلبتش حياتي. هي بس خلتني أشوف الحقيقة اللي إنت كنت مخبيها عني.
المفتاح اللي سابته الأم
بعد ما عم أدهم مشي، يارا رجعت تفتش في الظرف اللي لقوه في الخزنة.
كان فيه خطاب تاني، لكن الورقة كانت متنية بعناية، ومكتوب عليها
لبنتي يارا، لو وصلتي للحقيقة، يبقى لازم تفتكري اليوم اللي أبوكي أخدك فيه تزوري جدتك للمرة الأخيرة.
يارا شهقت.
أنا فاكرة اليوم ده!
أدهم بص لها.
كان فيه إيه؟
كنت صغيرة، عندي حوالي سبع سنين. بابا خدني بيت جدتي، وقبل ما نمشي، اداني علبة خشب صغيرة وقاللي أحافظ عليها. لكن بعد وفاته، أمي خبتها عني وقالتلي إنها ضاعت.
يارا فضلت تحاول تفتكر تفاصيل اليوم ده.
وبعدين قالت فجأة
العلبة كانت عليها رسمة شجرة كبيرة، وتحتها رقم سبعة!
محمود قام من مكانه.
شجرة ورقم سبعة؟!
يارا بصت له باستغراب.
أيوه، ليه؟
محمود قال بسرعة
جدتك كان عندها بيت قديم فيه حديقة، وكان فيه سبع شجرات متزرعين في صف واحد. أبوكي كان بيحتفظ بمفتاح مخزن صغير تحت الشجرة الأخيرة.
أدهم مسك مفاتيح عربيته.
يبقى هنروح هناك.
لكن قبل ما يتحركوا، موبايل يارا رن.
رقم مجهول.
ردت، وسمعت صوت راجل بيقول
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي، روحي البيت القديم لوحدك.
يارا سألت
إنت مين؟
الراجل رد
أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن أبوكي ما ماتش زي ما إنتِ فاكرة.
وبعدين قفل الخط.
يارا فضلت واقفة مكانها، والموبايل في إيدها.
أدهم سألها
مين ده؟ قالك إيه؟
حكت له كل اللي سمعته.
أدهم رفض فورًا
مش هتروحي أي مكان لوحدك.
يارا ردت
أنا مش هروح عشان أصدقه. أنا هروح عشان أعرف مين اللي بيحاول يخليني أخاف.
البيت القديم
بعد أقل من ساعة، وصل أدهم ويارا ومحمود للبيت القديم.
المكان كان مهجور، والحديقة مليانة حشائش، لكن الأشجار السبعة لسه موجودة.
يارا مشت لحد الشجرة الأخيرة، وبدأت تدور حوالين جذعها.
بعد شوية، لقت قطعة حديد صغيرة مدفونة تحت التراب.
أدهم ساعدها يرفع الغطاء، فظهر باب مخزن ضيق.
نزلوا درجات قليلة، وفتحوا الباب بالمفتاح اللي لقوه في الصندوق.
جوا المخزن كان فيه دولاب حديد قديم، وفوقه صندوق خشبي صغير عليه رسمة شجرة.
يارا قربت منه، وفتحته.
جواه كان فيه شريط تسجيل، ومجموعة صور، وخطاب مكتوب بخط أبوها.
فتحت الخطاب، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش
يارا بنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أرجعلك. عايزك تعرفي إني عمري ما كنت ضد أبو أدهم، بالعكس، حاولت أحميه من الناس اللي كانوا بيستغلوا ثقته.
لكن فيه حقيقة أخطر من سرقة الشركة.
الشخص اللي كان بيسرق الفلوس اكتشف إننا عرفنا سره، وقرر يتخلص من كل واحد فينا.
لو حصل لي حاجة، ما تصدقيش أي تقرير يقول إني متُّ بسبب حادث عادي.
والأهم من ده كله، ما تثقيش في الشخص اللي هيقولك إنه كان آخر واحد شافني قبل موتي.
يارا وقفت عن القراءة.
أدهم سألها
مكتوب اسم الشخص؟
يارا قلبت الورقة، لكنها ما لقتش أي اسم.
في اللحظة دي، محمود أخد شريط التسجيل وقال
لازم نسمع ده.
أدهم طلع جهاز تسجيل صغير كان موجود في درج المخزن، وحط الشريط جواه.
طلع صوت تشويش، وبعده صوت والد يارا
أنا عارف إنك سامعني، وعارف إنك فاكر إنك تقدر تخوفني. لكن المستندات وصلت بالفعل للشخص اللي هيكشف كل حاجة.
بعدها ظهر صوت رجل تاني
إنت عملت أكبر غلطة في حياتك.
صوت والد يارا رد
الغلط الحقيقي إني وثقت فيك من البداية.
وفجأة، اتسمع صوت خبطة قوية، وبعدها انتهى التسجيل.
يارا كانت بتعيط في صمت.
أدهم قرب من الجهاز، وراجع الشريط من أوله.
وبعدين وقف فجأة.
استنوا... الصوت التاني ده أنا سمعته قبل كده!
محمود سأله
فين؟
أدهم رد وهو باصص قدامه بذهول
في تسجيل المكالمة اللي كانت بين أبويا والشخص اللي هدده قبل الحادث!
يارا بصت له.
يعني الشخص اللي هدد أبويا هو نفسه اللي هدد والدك؟
أدهم هز راسه ببطء.
أيوه... وده معناه إن الحادثين مرتبطين ببعض.
وفجأة، سمعوا صوت عربية بتقف بره البيت.
محمود بص من الشباك الصغير، وشاف راجل نازل من العربية، وفي إيده ظرف.
الراجل دخل الحديقة، ووقف قدام باب المخزن.
وبصوت عالي قال
يارا! أنا عارف إنك جوه. أنا جاي أقولك الحقيقة عن أبوكي.
أدهم قرب من الباب، لكنه اتجمد لما الراجل كمل كلامه
أبوكي ما ماتش في الحادث اللي قالولك عليه... أبوكي كان عايش بعد الحادث، واللي حصل له بعد كده كان بأوامر من عم أدهم!
يارا شهقت، ومحمود وقع منه جهاز التسجيل.
وأدهم فتح الباب بسرعة، وصرخ
إنت كداب! عمي مستحيل يعمل كده!
الراجل مد إيده بالظرف وقال
لو مش مصدقني، افتح الظرف وشوف بنفسك.
أدهم أخد الظرف، وفتحه.
جواه كانت صورة قديمة لرجل ممدد على سرير مستشفى، وورقة عليها ختم رسمي.
يارا قربت من الصورة، وبمجرد ما شافت وجه الرجل، صرخت
ده أبويا! أنا متأكدة إنه أبويا!
لكن الصدمة الحقيقية كانت في التاريخ المكتوب على الورقة...
التاريخ كان بعد يومين كاملين من التاريخ الرسمي لوفاة والدها!
يعني أبوها كان لسه عايش بعد اليوم اللي قالولها إنه مات فيه.
والسؤال اللي محدش قدر يجاوب عليه
مين اللي أخفى الحقيقة عن يارا كل السنين دي؟ وليه عم أدهم كان مصرّ إن والدها هو السبب في موت أبوه؟
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي اتدفنت عشرين سنة!
يارا فضلت ماسكة الصورة، وإيديها بتترعش.
أنا عايزة أعرف أبويا راح فين بعد الصورة دي! مين الراجل اللي قدامي ده؟!
الراجل الغريب دخل المخزن، وقعد على كرسي قديم، وقال
اسمي فؤاد، وكنت شغال ممرض في المستشفى اللي اتنقل لها أبوكي بعد الحادث. أبوكي ما ماتش وقتها، لكنه كان في حالة حرجة، وفاقد الوعي. وبعد يومين، جه راجل ومعاه أوراق نقل، وقال إن المريض لازم يتنقل لمستشفى تانية.
يارا سألته بلهفة
ومين الراجل ده؟
فؤاد بص لأدهم، وبعدها قال
عمك.
أدهم رجع لورا كأنه اتضرب على وشه.
مستحيل! عمي قال إن أبو يارا مات في نفس يوم الحادث!
فؤاد طلع ورقة تانية من الظرف.
دي نسخة من سجل النقل. عمك وقّع بنفسه، وبعدها اتشالت كل الأوراق المتعلقة بالمريض من المستشفى.
محمود أخد الورقة، وراجع التوقيع، وبعد لحظات قال
التوقيع ده حقيقي. أنا شفت توقيعه مئات المرات في الشركة.
يارا بدأت تعيط.
طب أبويا مات إزاي؟!
فؤاد نزل عينيه وقال
أنا ما أعرفش إيه اللي حصل له بعد ما خرج من المستشفى. كل اللي أعرفه إني حاولت أسأل عن مكانه، لكن اتعرضت للتهديد، واضطريت أسيب شغلي وأسافر.
أدهم مسك كتف فؤاد وقال
وإنت ساكت كل السنين دي ليه؟
فؤاد رد بحزن
كنت جبان، وخايف على عيلتي. لكن لما عرفت إن أم يارا ماتت، وإن فيه ناس بدأت تدور على الحقيقة من جديد، قررت أتكلم قبل ما أموت وأنا شايل السر ده.
المواجهة الأخيرة
أدهم ما استناش لحظة. رجع الفيلا، وطلب من عمه يقابله في المكتب.
أول ما دخل، حط قدامه صورة يارا وورقة نقل والدها.
عايز تفسير لكل ده!
عمه بص للأوراق، ولأول مرة أدهم شاف الخوف الحقيقي في عينيه.
إنت جبت الكلام ده منين؟
مش مهم جبتُه منين. المهم إنك كنت عارف إن أبو يارا كان عايش بعد الحادث، وإنك أخفيت الحقيقة عننا كلنا!
عمه حاول يبرر
أنا كنت بحاول أحمي العيلة!
أدهم صرخ
تحمينا من إيه؟ من الحقيقة؟ ولا من الجريمة اللي إنت شاركت فيها؟!
عمه سكت طويلًا، وبعدها قعد على الكرسي وقال
أبوك اكتشف إني كنت باخد فلوس من الشركة، ووالد يارا ساعده يجمع الأدلة. يوم الحادث، أبوك واجهني وقال إنه هيسلّم المستندات للشرطة. خرج بالعربية وهو متعصب، وبعدها حصل الحادث.
أدهم سأله
وإنت عملت إيه؟
عمه رد بصوت منخفض
لما عرفت إن أبوك مات، خفت إن التحقيقات تكشف سرقة الشركة. ولما اكتشفت إن والد يارا لسه عايش في المستشفى، نقلته لمكان تاني عشان أمنعه من الكلام.
أدهم بص له بصدمة.
يعني إنت كنت السبب في اختفائه؟!
عمه هز راسه.
أيوه. لكن أنا ما أمرتش بقتله، والله ما كنت عايزه يموت.
طب مات إزاي؟
عمه حط وشه بين إيديه.
بعد نقله بأيام، عرفت إنه مات. حاولت أخفي كل حاجة، وخلّيت الناس تصدق إنه مات يوم الحادث. كنت فاكر إن السر هيموت معاه.
أدهم وقف، ودموعه نزلت من عينيه.
إنت ما دمرتش حياة يارا بس... إنت دمرت حياتي أنا كمان. خليتني أكره أبوها، وأظلم بنت ملهاش أي ذنب، وخلّيت أمي تعيش عمرها كله في خوف!
عمه حاول يقرب منه، لكن أدهم رجع خطوة لورا.
ما تقربش مني.
وبعدها فتح باب المكتب.
كان محمود واقف بره، ومعاه محامٍ اتصل بيه أدهم قبل ما يواجه
عمه.
أدهم قال للمحامي
كل المستندات والتسجيلات معانا. سلّمها للنيابة، وأنا مستعد أشهد بكل اللي عرفته.
عم أدهم ما حاولش يهرب. قعد مكانه، ووشه بين إيديه، لأول مرة عاجز عن تبرير اللي عمله.
وبعد تحقيقات طويلة، اتكشف التلاعب في حسابات الشركة، وتزوير بعض الأوراق، وإخفاء الأدلة المتعلقة بوفاة والد يارا. واتحاكم عم أدهم بتهم التلاعب المالي وإخفاء الأدلة، بينما استمرت التحقيقات في ملابسات الوفاتين.
أما سرقة الشركة، فثبتت المستندات تورط عمه فيها، وبرأت التحقيقات والد يارا من الاتهامات اللي اتلصقت بيه.
لكن يارا فضلت حزينة، لأن الحقيقة مهما كانت مهمة، ما كانتش هترجّع أبوها ولا أمها.
اعتذار ما يمسحش الوجع
بعد شهور، أدهم راح ليارا، وكانت قاعدة في بيت أمها القديم، بتراجع صور العيلة.
حط قدامها ملفًا.
دي نسخة من كل المستندات اللي برّأت أبوكي. وكمان تقرير التحقيقات اللي أثبت إن اتهامات السرقة اللي اتقالت عنه كانت كذب.
يارا أخدت الملف، وبصت له.
شكرًا إنك رجّعت لأبويا اسمه.
أدهم نزل عينيه.
أنا اللي ظلمتك يا يارا. صدقت كلام عمي، وحكمت عليكي من غير ما أسمعك، ولما طلبتي مني الفلوس عشان تنقذي أمك، اتهمتك بالطمع بدل ما أسألك إنتِ محتاجاها ليه.
يارا سكتت، ودموعها لمعت في عينيها.
أدهم كمل
عارف إن اعتذاري مش هيعوّضك عن أمك، ولا هيمسح الأيام اللي خليتك تعيشيها لوحدك. ومش هطلب منك تسامحيني لمجرد إني اعترفت بغلطتي.
يارا بصت له وقالت
أنا مش هكدب عليك وأقولك إني نسيت. أنا لسه فاكرة كل كلمة قلتها لي، وكل لحظة كنت محتاجة فيها حد يصدقني وما لقيتش. بس الحقيقة علمتني إن الانتقام عمره ما بيصلّح اللي اتكسر.
أدهم هز راسه.
عندك حق.
وبعدها قام يستعد يمشي، لكن يارا نادته
أدهم.
وقف وبص لها.
قالت بهدوء
لو هنبدأ من جديد، مش هنبدأ كأن مفيش حاجة حصلت. هنبدأ من الحقيقة، ومن غير أسرار، ومن غير ما حد فينا يحكم على التاني قبل ما يسمعه.
أدهم رد
موافق. وهثبتلك بأفعالي، مش بكلامي، إني اتغيرت.
يارا ما وعدتوش إنها نسيت، ولا قالت إنها سامحته في اللحظة دي. لكنها وافقت تدي نفسها فرصة تشوف إذا كان التغيير حقيقيًا.
ومع مرور الوقت، بدأ أدهم يصلّح أخطاءه، ويحترم حدودها وقراراتها، واتفقوا إن أي مشكلة بينهم لازم تتحل بالكلام والصدق، مش بالشك والعقاب.
أما محمود وفؤاد، فشهدوا بالحقيقة، وساعدت شهادتهم في استكمال التحقيقات وكشف شبكة التلاعب اللي كانت مستخبية وراء اسم الشركة لسنين.
بعد سنة كاملة
في يوم هادي، راحت يارا تزور قبر أمها، وحطت وردة بيضا جنب اسمها.
قالت بصوت واطي
يا أمي، أنا عرفت الحقيقة. أبويا ما كانش مجرم زي ما الناس قالت، وإنتِ ما كنتيش بتخبي عني عشان تأذيني. أنا عارفة إنك كنتِ خايفة عليّا، بس كنت أتمنى لو كنتِ قدرتي تحكيلي كل حاجة.
وقفت شوية، وبعدها مسحت دموعها.
أدهم كان واقف بعيد، مستنيها من غير ما يستعجلها.
لما خلصت، قرب منها وقال
جاهزة نمشي؟
بصت له وقالت
أيوه.
خرجوا من المقابر، وكل واحد فيهم عارف إن الماضي مش هيتغير، وإن اللي راح مش هيرجع.
لكن يارا اتعلمت إنها مش مضطرة تعيش أسيرة لأخطاء غيرها، وأدهم اتعلم إن الثقة ما تتبنيش على كلام الناس، وإن الحب من غير احترام وعدل ممكن يتحول لوجع كبير.
أما آخر ورقة لقتها يارا في صندوق أمها، فكان مكتوب فيها
يا بنتي، لو الحقيقة ظهرت يومًا، ما تخليش الكراهية تسرق منك بقية عمرك. خدي حقك، لكن ما تتحوليش لنسخة من الناس اللي ظلموكي.
يارا احتفظت بالورقة، وقررت إنها تكمل حياتها من غير ما تنسى، لكن كمان من غير ما تسمح للماضي يتحكم في مستقبلها.
وهنا انتهت الحكاية... مش لأن كل الوجع اختفى، لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت، وكل واحد بدأ يتحمل نتيجة اختياراته.