حضر جنازتها حكايات_ميراا حصري
مستنينا هناك.
المحامي قدّم طلب مراجعة الملف الطبي، وبعد شوية خرج موظف من الإدارة ومعاه مجموعة مستندات.
راجعها الأستاذ محمود بعناية، وبعدين سأل الموظف
فين التقرير النهائي اللي اتكتب يوم وفاة المريضة ليلى أحمد؟
الموظف راجع الأوراق مرة تانية، وبدأ يقلب في الملفات الموجودة على مكتبه.
بعد دقائق، رفع راسه وقال
التقرير موجود إلكترونيًا، لكن النسخة الورقية اللي كانت ضمن الملف مش موجودة هنا.
أنا بصيت له بصدمة.
يعني إيه مش موجودة؟ ده ملف أختي!
الموظف حاول يهديني وقال
أنا مقدرش أقول إن فيه حاجة غلط. أحيانًا بعض الأوراق بتكون محفوظة في قسم تاني، ولازم نراجع الأرشيف.
الأستاذ محمود طلب تسجيل ملاحظة رسمية عن الورقة الناقصة، وبدأ يسأل عن سجل الإجراءات اللي اتعملت يوم وفاة ليلى.
وبينما الموظف بيبحث، دخلت ممرضة كبيرة في السن، وكانت بتراجع أسماء المرضى على جهاز الكمبيوتر.
لما سمعت اسم ليلى، رفعت عينيها فجأة.
حضرتك بتتكلم عن مدام ليلى اللي دخلت المستشفى وهي حامل في الشهر السابع؟
قربت منها بسرعة وقلت
أيوه، دي أختي. إنتِ كنتِ موجودة يومها؟
الممرضة هزت راسها وقالت
أيوه، أنا فاكرة الحالة دي. كانت تعبانة جدًا لما وصلت، لكن فيه حاجة حصلت وقتها وخلتني أطلب من المسؤول يراجع بياناتها.
الأستاذ محمود سألها باهتمام
إيه الحاجة دي؟
الممرضة بصت حواليها، وبعدها قالت
كان فيه اختلاف بين البيانات المكتوبة في ورقة التحويل، والبيانات اللي ظهرت في النظام الإلكتروني. أنا سجلت ملاحظة وقتها، لكن معرفش إيه اللي حصل بعدها.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قلت لها
طب ممكن نعرف الملاحظة دي كانت بتقول إيه؟
ردت
لازم نرجع لسجل التمريض الأصلي، لأنه بيكون فيه توقيتات الإجراءات والملاحظات اللي اتسجلت أثناء متابعة الحالة.
المحامي شكرها، وطلب من إدارة المستشفى مراجعة السجلات كاملة.
لكن قبل ما نتحرك، الممرضة بصتلي وقالت
فيه حاجة تانية افتكرتها. يوم ما أختك دخلت المستشفى، كانت معاها ورقة صغيرة، وكانت بتسأل إذا كان ينفع تتضاف لملفها الطبي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
ورقة إيه؟
قالت
مش فاكرة محتواها بالضبط، لكن فاكرة إنها طلبت مننا نحافظ عليها، لأنها كانت متعلقة بمتابعة حملها.
بصيت لنهى، وهي بصتلي بنفس الصدمة.
هل ممكن تكون دي الورقة اللي كانت ليلى عايزاني أحتفظ بيها؟
وقبل ما أسأل الممرضة سؤال تاني، الأستاذ محمود استأذنها ورجعنا لمكتب الإدارة.
هناك، لقينا موظف الأرشيف بيقول إنه عثر على سجل قديم محتاج مراجعة من المسؤول المختص.
فتح المحامي السجل، وبدأ يقارن التوقيتات المكتوبة فيه بالتقرير الإلكتروني.
وفجأة، وقف عند سطر معين.
قرأه مرتين، وبعدها قال بصوت منخفض
استنوا لحظة... التوقيت ده مش متوافق مع باقي الإجراءات!
أحمد قرب منه وسأله
تقصد إيه؟
المحامي أشار للسطر وقال
هنا مكتوب إن إجراءً طبيًا اتسجل في توقيت، بينما فيه ملاحظة تانية بتقول إن المريضة كانت بتتلقى الرعاية في توقيت مختلف. لازم المستشفى تراجع السجل وتوضح سبب الاختلاف.
أنا حسيت إن قلبي بيتقطع.
لكن المحامي قفل السجل وقال بحزم
مش هنستنتج أي حاجة قبل التحقيق الرسمي. كل اللي نقدر نقوله دلوقتي إن فيه أسئلة محتاجة إجابات واضحة.
خرجنا من المكتب، وأنا كنت بفكر في آخر كلام قالته ليلى قبل وفاتها.
وفجأة، تلفوني رن.
كان رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول
حضرتك مريم، أخت المرحومة ليلى؟
قلت بقلق
أيوه، مين معايا؟
رد عليّ
أنا مسؤول حفظ المستندات في مكتب التوثيق. فيه ملف باسم أختك وصلنا من فترة، وكان فيه طلب مراجعة اتقدم قبل وفاتها. وإحنا محتاجين نتأكد من هوية أحد الأطراف قبل ما نكمل الإجراءات.
سألته بسرعة
ملف إيه؟ وإيه علاقته بأختي؟
قال
الملف خاص بعقد البيت، لكن فيه مستند مرفق لازم المحامي يشوفه بنفسه.
قفلت المكالمة وبصيت للأستاذ محمود.
لما حكيت له اللي حصل، طلب مني الرقم، واتصل بالموظف من تليفونه علشان يتأكد من التفاصيل.
وبعد دقائق، بص لنا وقال
لازم نروح مكتب التوثيق، لأن ممكن يكون عندهم أصل المستند اللي كنا بندور عليه.
بصيت لأحمد، فلقيته واقف ساكت، ووشه مليان قلق.
وفي اللحظة دي، أدركت إننا قربنا من معرفة الحقيقة، لكن لسه فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي
إيه الورقة اللي كانت ليلى بتحاول تسلّمها للمستشفى، وليه طلبت قبل وفاتها إن محدش يضيّعها؟
والأغرب من كده، إن المستند اللي كان مستنينا في مكتب التوثيق، كان ممكن يغيّر كل حاجة عرفناها عن البيت ومستقبل ابن ليلى!
الجزء الرابع المستند اللي قلب القضية كلها!
خرجنا من المستشفى وإحنا كلنا في حالة من التوتر. كنت ماشية جنب نهى، والأستاذ محمود قدامنا، وأحمد ماشي ورانا من غير ما يتكلم.
كل اللي كان شاغل بالي هو أختي ليلى، والسر اللي حاولت توصله لينا قبل ما تموت.
بعد حوالي نص ساعة، وصلنا مكتب التوثيق.
الأستاذ محمود قدّم بطاقته، وشرح للموظف سبب الزيارة، وبعد مراجعة البيانات، دخلنا غرفة صغيرة فيها مكتب خشب قديم وخزائن مليانة ملفات.
الموظف فتح درجًا، وطلع ملفًا بني اللون، وقال
ده الملف اللي اتسجل باسم المرحومة ليلى أحمد. كان فيه طلب مراجعة بخصوص عقد ملكية بيتها، ومعاه مستند إضافي اتطلب الاحتفاظ بيه لحين استكمال الإجراءات.
المحامي فتح الملف وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.
وفجأة، وقف عند مستند عليه ختم رسمي.
قال بتركيز
دي مش مجرد ورقة خاصة بالبيت. ده طلب لتعديل بيانات الملكية، ولازم نعرف مين قدّمه وعلى أي أساس.
أحمد قرب من المكتب وبص للورقة، وبعدها قال
أنا عارف المستند ده، لكن مكنتش أعرف إنه اتسجل بالشكل ده!
أنا بصيت له بغضب وقلت
يعني إنت عارف الورقة، وسايبنا من امبارح ندور على الحقيقة؟!
أحمد هز راسه بسرعة.
اسمعيني يا مريم، أنا عارف إن ليلى كانت عايزة تراجع أوراق البيت، لكن أنا ماكنتش أعرف إن فيه مشكلة في التسجيل نفسه. كنت فاكر إن الموضوع مجرد تأخير في الإجراءات.
المحامي رفع عينيه وقال
طيب، هنراجع الطلب الأصلي وسجل تقديمه، وساعتها هنقدر نحدد مين المسؤول عن كل خطوة.
طلب من الموظف نسخة رسمية من المستندات المتاحة، وبعد شوية، ظهرت معلومة جديدة.
الطلب كان مقدمًا عن طريق مكتب خدمات قانونية، ومرفقًا به توكيل بيُفترض إنه صادر من ليلى.
نهى شهقت وقالت
توكيل؟! ليلى عمرها ما قالت لنا إنها عملت توكيل لحد!
الأستاذ محمود راجع البيانات، وبعدها قال
لازم نتأكد من صحة التوكيل، لأن مجرد وجوده في الملف مش دليل إنه صحيح أو غير صحيح.
ثم التفت إلى أحمد وسأله
هل تعرف المكتب ده؟
أحمد بص للاسم المكتوب على الورقة، وسكت للحظات.
وبعدين قال
أيوه، ده مكتب كان بيتابع إجراءات البيت من فترة. أنا اللي رشحته لليلى علشان نخلص الأوراق بسرعة.
حسيت إن الصورة بدأت تتضح، لكن لسه فيه أجزاء ناقصة.
قلت له
طب ليه ليلى كانت قلقة؟ وليه راحت للمحامي قبل وفاتها؟
أحمد رد بصوت حزين
لأنها اكتشفت إن فيه اختلافات في الأوراق، وكانت عايزة تتأكد إن كل حاجة سليمة قبل ما تولد. وأنا وعدتها إني هساعدها.
المحامي قاطعه
وده بالضبط اللي لازم نتحقق منه. هنطلب مراجعة التوكيل من الجهة المختصة، وهنعرف إذا كانت ليلى وقّعت عليه فعلًا، وإمتى اتعمل.
بعد ما خلصنا الإجراءات، رجعنا البيت.
كنت مرهقة جدًا، لكن قبل ما أنام، افتكرت إن ليلى كانت بتحتفظ بصندوق صغير في دولابها، فيه أوراقها المهمة وحاجات تخص حملها.
تاني يوم، طلبت من نهى تساعدني أفتش فيه.
فتحنا الصندوق، ولقينا صورًا للطفل اللي كانت ليلى بتتابع نموه في السونار، وإيصالات شراء حاجات المولود، ودفتر صغير كانت بتكتب فيه مواعيد زياراتها للطبيب.
قلبت صفحات الدفتر، لحد ما لقيت ورقة مطوية في آخره.
كان مكتوب عليها بخط ليلى
مريم، لو احتجتي تعرفي إيه اللي حصل في موضوع البيت، دوري على الملف الأزرق اللي في الدرج السفلي. أنا احتفظت فيه بنسخ من كل حاجة، علشان لو حصل أي اختلاف نقدر نرجع للأصل.
بصيت لنهى وقلت
لازم نلاقي الملف ده!
فتحنا الدرج السفلي، وبعد ما شلنا شوية ملابس قديمة، لقينا ملفًا أزرق مربوطًا بشريط أبيض.
فتحته بإيدين بتترعش.
كان جواه صور من عقد البيت، وإيصالات تحويلات مالية، ومراسلات مطبوعة بينها وبين مكتب الخدمات القانونية.
لكن وسط الأوراق، لقيت خطابًا قصيرًا من المكتب، بيطلب من ليلى الحضور بنفسها لتأكيد بيانات التوكيل قبل استكمال أي تعديل.
والخطاب كان تاريخه قبل وفاتها بيوم واحد فقط!
نهى بصتلي وقالت
يعني ليلى كانت لسه بتحاول تحل المشكلة بنفسها لآخر لحظة!
هزيت راسي، ودموعي نزلت.
لكن وأنا بقلب باقي الأوراق، لقيت إيصالًا عليه رقم معاملة، وتاريخ مختلف عن التاريخ الموجود في النسخة اللي شفناها في مكتب التوثيق.
صورت كل المستندات، واتصلت بالأستاذ محمود فورًا.
لما جه وشاف الملف، قال
دي أدلة مهمة، ولازم نضمها لطلب المراجعة الرسمي. لكن الأهم دلوقتي إننا نعرف هل التوكيل صحيح، وهل حصل خطأ إداري أو مخالفة في الإجراءات.
سألته وأنا قلبي مقبوض
والأوراق دي ممكن تثبت حق ابن أختي؟
رد بثقة
لو ثبتت صحة عقد ليلى، واتضح إن فيه محاولة لتغيير الملكية من غير سند قانوني صحيح، فالمستندات دي ممكن تساعدنا نحافظ على حق الطفل.
كنت لسه هرد عليه، لما تليفونه رن.
سمعناه بيتكلم مع جهة رسمية، وبعدها سكت شوية، وبدأ يدوّن ملاحظات.
ولما قفل، بص لنا وقال
وصلني رد مبدئي بخصوص التوكيل. فيه اختلاف في بيانات المعاملة، والجهة المختصة طلبت مراجعة أصل السجل قبل إصدار أي قرار.
أحمد حط إيده على راسه وقال
يا رب الموضوع ده يخلص، علشان نعرف نرتاح.
لكن الأستاذ محمود رد عليه
الراحة الحقيقية هتيجي لما كل حاجة تتراجع، وحق الطفل يتأمّن بشكل قانوني.
وفي نفس اليوم، وصلنا اتصال من المستشفى.
كانوا راجعوا جزءًا من السجل الطبي، وطلبوا حضور المحامي لاستلام نسخة من المستندات المسموح بتسليمها قانونيًا.
لما رحنا، سلّمونا نسخة من سجل المتابعة، ومعاها تقرير يوضح إن فيه بيانات محتاجة استكمالًا ومراجعة من الطبيب المسؤول.
المحامي أكد إن ده مش دليل على سبب الوفاة، لكنه يستلزم الحصول على الملف الكامل ومراجعته من خلال الجهات الطبية المختصة.
كنت واقفة جنبه، وبحاول أتمسك بالأمل.
وفجأة، موظف المستشفى قال
فيه ملاحظة إضافية اتسجلت في ملف المريضة قبل الوفاة، لكن محتاجة موافقة الإدارة الطبية علشان نقدر نطلع نسخة منها.
سألته بلهفة
ملاحظة إيه؟
رد
مش هقدر