ست كبيرة حكايات ميراا حصري
وقفت أساعد ست كبيرة كانت بتموت على الرصيف، وخسرت شغلي عشان اتأخرت عن ميعادي، لكن لما رجعت آخد حاجتي من مكتبي، حياتي كلها كانت على وشك إنها تتغير!
إنت بتقول إيه؟! يعني إيه كنت بتساعد حد؟!
صوت مديري قطع سكون المكتب بعنف، لدرجة إن حتى المتدربين اللي واقفين جنب ماكينة التصوير سكتوا تمامًا.
كنت لسه واقف قدامه، شنطة اللابتوب معلقة على كتف واحد، والكرافتة بتاعتي مائلة شوية، وصدري بيطلع وينزل من كتر الجري اللي جريته من موقف العربيات لحد المكتب.
أوضة الاجتماعات اللي وراه كانت فاضية.
العملاء مشيوا.
وعلى الترابيزة كان فيه العرض التقديمي اللي سهرت نص الليل وأنا بظبطه، ولسه ظاهر على الشاشة الكبيرة، كأنه بيسخر مني بطريقة قاسية.
قلت وأنا بحاول أظبط نفسي وألقط أنفاسي
حصلت حالة طارئة يا أستاذ جافين... أقصد يا أستاذ شريف. ست كبيرة وقعت على جنب الطريق، وكانت ماسكة صدرها ووقعت على الأرض. مقدرتش أسيبها وأمشي!
بصلي شريف كأني بتكلم بلغة مش فاهمها.
فكّه اتشد من الغضب، وخد خطوتين ناحيتي ببطء، وبعدها وطّى صوته، وده خلّى الموقف أسوأ بكتير.
سألني ببرود
الست دي كانت مراتك؟
لأ.
أمك؟
لأ.
ضحك ضحكة قصيرة مليانة غضب، وبص لباقي الموظفين كأنه عايزهم كلهم يسمعوا اللي هيقوله.
وبعدين قال
يعني خليني أفهم منك... إنت فوّت اجتماع الساعة تمانية ونص الصبح مع أكبر عميل محتمل لينا، عشان ست غريبة في الشارع شكلها تعبان؟!
رديت عليه وأنا بحاول أتمالك أعصابي
هي مكانتش تعبانة وبس يا فندم، دي وقعت بين إيديا!
رفع إيده في الهوا بعصبية وقال
وبسبب اللي عملته ده، ضيعنا الصفقة!
حسيت إن ريقي نشف فجأة.
بصيت ناحية أوضة الاجتماعات، وكأني مستني ألاقي العملاء لسه قاعدين جوا، بيشربوا القهوة ومستنيين مني أشرح لهم اللي حصل.
لكن مكنش فيه حد.
كل اللي باقي كان ريحة القهوة اللي اتحرقت في المكتب، وريحة حبر الطابعات، والإحساس إن أكبر فرصة جت لوكالتنا الصغيرة من شهور ضاعت في لحظة واحدة.
قلت بصوت مكسور
يا أستاذ شريف، أنا آسف... والله آسف جدًا. بس كنت المفروض أعمل إيه؟ أعدي بالعربية من جنبها وأسيبها مرمية على الأرض؟!
رد من غير ما يفكر ثانية
أيوه! كان المفروض تكمل طريقك!
المكتب كله سكت أكتر.
وللحظة، افتكرت إني سمعت كلامه غلط.
لكنه قرب مني وقال
أيوه يا كريستوفر... كان المفروض تكمل سواقتك! إنت عندك مسؤولية هنا، وفيه فريق كامل معتمد عليك، وعملاء مستنيينك. إحنا مش جمعية خيرية يا كريستوفر، إحنا شركة وليها شغل ومواعيد!
حسيت إن وداني بتزن.
أنا اشتغلت في الشركة دي تقريبًا أربع سنين.
أربع سنين كنت برد فيها على مكالمات في نص الليل، وبفوّت وجبات الغدا، وبشتغل في الويك إند، وبحاول أنقذ حملات إعلانية كانت بتفشل، وأهدي العملاء الغضبانين، وأدرّب الموظفين الجداد، وأحقق نتائج محدش كان متوقع إني أقدر أوصل لها.
كنت أول واحد يدخل المكتب، وآخر واحد يخرج منه، لدرجة إن حتى عمال النظافة كانوا عارفين أسماء بناتي.
وفي الآخر، لقيت نفسي واقف قدام مديري وهو بيقولي إن كان المفروض أسيب ست غريبة مرمية على الرصيف، عشان اجتماع أهم من حياة بني آدم!
بصيت له وقلت، وصوتي بدأ يرتعش
يا أستاذ شريف، أنا اديت المكان ده كل حاجة عندي... عمري وصحتي ووقتي. عمري ما قصرت في شغلي، ولا سيبت الفريق في مشكلة.
لكنه حتى مرفش له جفن.
رد ببرود شديد
مش فارق معايا. لم حاجتك يا كريستوفر، إنت مرفود!
فضلت واقف مكاني.
عقلي كان رافض يستوعب اللي سمعته.
فيه ناس بصت بعيد، وناس تانية بصتلي بنظرات فيها شفقة.
واحدة من مسؤولات الحسابات اتحركت في كرسيها، وفضلت تبص في الكيبورد بتاعها كأن الحروف اللي عليه بقت أهم حاجة في الدنيا.
محدش اتكلم.
ولا حد دافع عني.
شريف أشار ناحية الممر وقال بلهجة حاسمة
الموضوع انتهى!
يا ريتني أقدر أقول إني خرجت من المكتب رافع راسي، وإنني قلت له كلام قوي عن الإنسانية والوفاء، وإنه هييجي يوم ويندم فيه على اللي عمله معايا.
لكن الحقيقة كانت أصعب وأوجع من كده بكتير.
وشي ولع من الإحراج، وحلقي اتخنق، ودموعي بدأت تتجمع في عيني من غير ما أقدر أسيطر عليها.
لفيت وشي بسرعة عشان محدش يشوفني، لدرجة إني كنت هوقع شنطة اللابتوب من إيدي.
سمعت صوت كرسي بيتزحزح ورايا، وبعدها رجع الصمت تاني.
مسمعتش غير صوت خطواتي التقيلة وأنا ماشي في الممر، وبخرج من المكتب اللي حطيت فيه جزء كبير من عمري، لحد ما وصلت لباب الشركة وخرجت في ضوء الشمس الصبح الساطع.
في اللحظة دي، حسيت إني مش مجرد موظف اتطرد من شغله...
حسيت إني واحد بيتطرد من حياته كلها!
أول ما ركبت عربيتي، قفلت الأبواب بالمفتاح.
مسكت عجلة القيادة بإيديا، وضغطت عليها بكل قوتي، وبعدها صرخت من أعماق قلبي.
مكنتش بقول أي كلام مفهوم، كان مجرد صوت مليان قهر وانكسار.
كنت حاسس إن كل حاجة بنيتها في السنين اللي فاتت انهارت في لحظة واحدة.
شغلي راح.
مستقبلي بقى مجهول.
ومكنتش عارف هصرف على بناتي إزاي، ولا هقدر أبدأ من جديد منين.
فضلت قاعد في العربية، بحاول أستوعب اللي حصل، ومكنتش أعرف إن الست الكبيرة اللي وقفت أساعدها على الرصيف...
كانت في اللحظة دي بتدور عليّا، وإنها جاية بنفسها عشان تقابلني، وإن المقابلة دي هتغيّر حياتي كلها بطريقة عمري ما تخيلتها!
عارف إنكم متشوقين تعرفوا إيه اللي هيحصل بعد كده، فاستنوا التكملة في التعليقات، ومتنسوش تتابعوا القصة للنهاية!
الجزء التاني الست اللي أنقذتها كانت سرّ كل اللي هيحصل!
كنت لسه قاعد في عربيتي، ودموعي بتنزل غصب عني، لما تليفوني رن.
بصيت على الشاشة، لقيت رقم غريب.
في الأول كنت هقفل المكالمة، لكن معرفش ليه رديت.
جالي صوت راجل هادي من الناحية التانية
أستاذ كريستوفر؟
قلت بتعب أيوه، مين معايا؟
أنا المستشار القانوني للأستاذة فاطمة هانم. هي طلبت مني أوصلك بأي طريقة، وقالتلي إنك الشخص اللي أنقذ حياتها الصبح.
مسحت دموعي بسرعة واعتدلت في قعدتي.
فاطمة هانم مين؟ أنا معرفش حد بالاسم ده!
رد الراجل الست الكبيرة اللي وقعت على الطريق الصبح. هي دلوقتي في المستشفى، وحالتها استقرت الحمد لله. ولما فاقت، أول حاجة سألت عنها كانت إنت.
قلبي دق بسرعة.
هي كويسة؟ طيب الحمد لله... أنا كنت خايف يحصل لها حاجة.
هي عايزة تشوفك النهارده، وبتقول إن عندها كلام مهم جدًا لازم تقولهولك بنفسها.
بصيت للساعة، وضحكت بسخرية من نفسي.
من كام ساعة كنت داخل الشركة وأنا فاكر إن مستقبلي بيتفتح قدامي، ودلوقتي بقيت عاطل ومش عارف هعمل إيه بكرة.
قلت له حضرتك، أنا مبسوط إنها بخير، بس أنا مش محتاج أي مقابل. أنا عملت اللي أي إنسان مكانّي كان المفروض يعمله.
رد عليّا بهدوء وأنا مقدّر كلامك، لكن الموضوع مش مجرد مكافأة. أرجوك تعالى، وهي هتشرح لك كل حاجة.
بعد ما قفلنا، بعتلي عنوان المستشفى.
فضلت متردد شوية، لكن في الآخر شغلت العربية واتحركت.
بعد حوالي نص ساعة، وصلت المستشفى.
لقيت راجل في أواخر الأربعينات مستنيني عند المدخل، لابس بدلة شيك، وأول ما شافني قرب مني ومد إيده.
أستاذ كريستوفر؟ أنا المستشار حسام.
سلمت عليه، فبصلي باهتمام وقال
قبل ما ندخل، لازم تعرف إن الست اللي ساعدتها مش شخصية عادية.
استغربت كلامه.
تقصد إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
هتفهم بنفسك.
دخلنا المصعد، وطلعنا للدور الرابع، وبعدها مشينا في ممر طويل لحد ما وقفنا قدام جناح خاص.
حسام خبط على الباب، وسمعنا صوت ست من جوه بتقول
اتفضلوا.
دخلت وراه.
كانت فاطمة هانم قاعدة على السرير، ووشها لسه شاحب، لكن عينيها كانت مليانة قوة وذكاء.
أول ما شافتني، ابتسمت وقالت
أخيرًا جيت يا ابني!
قربت منها واطمنت على حالتها.
ألف سلامة على حضرتك. أنا فرحت جدًا لما عرفت إنك بقيتي أحسن.
مسكت إيدي وقالت
إنت عارف إنك أنقذت حياتي؟
هزيت راسي بتواضع.
الحمد لله إن ربنا كتب لحضرتك النجاة. أنا معملتش غير الواجب.
بصت لحسام، وبعدها رجعت بصتلي.
يا كريستوفر، حسام حكالي اللي حصل معاك في شغلك الصبح.
اتوترت شوية.
الموضوع انتهى يا فندم. أنا مش عايز أتكلم فيه.
لكنها هزت راسها باعتراض.
لأ، لازم نتكلم فيه. لأن اللي حصل معاك بسبب إنك اخترت تنقذ إنسانة بدل ما تسيبها تموت، ده شيء أنا مش هقدر أعديه كأنه محصلش.
حاولت أوضح لها
والله يا فندم، أنا مش مستني من حد حاجة. حتى لو كنت أعرف إن ده هيخليني أخسر شغلي، كنت هقف أساعدك برضه.
ساعتها عينيها لمعت، وقالت جملة خلتني أبص لها باستغراب شديد
وعلشان كده بالذات، أنا عايزاك تشتغل معايا.
افتكرت إني سمعت غلط.
أشتغل مع حضرتك؟!
ابتسمت وقالت
أيوه. أنا عندي مجموعة شركات، وفيه مشروع كبير جدًا بجهز له من شهور، وكنت بدور على شخص أقدر أثق فيه، شخص يكون عنده ضمير قبل ما يكون عنده خبرة.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
ومن حوالي أسبوعين، كنت براجع تقارير عن وكالة إعلانات صغيرة داخلة في منافسة على عقد كبير عندنا.
حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية في الكلام.
سألتها تقصدي شركة شريف؟
هزت راسها.
أيوه، نفس الشركة اللي إنت كنت شغال فيها.
اتسعت عينيّ من المفاجأة.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
فاطمة هانم طلبت من حسام يفتح ملف كان موجود على الترابيزة جنب السرير.
فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق، وبعدها حطها قدامي.
بصيت لأول ورقة، ولقيت اسمي مكتوب في أعلاها.
كريستوفر محمود المرشح لإدارة المشروع الجديد.
رفعت عينيّ ليها وأنا مش فاهم.
فقالت بهدوء
يا كريستوفر، أنا مش هعيّنك شفقة عليك، ولا علشان إنت ساعدتني. أنا هديك فرصة لأنك أثبت في أصعب لحظة إن عندك مبدأ، وده شيء مش سهل تلاقيه.
وبعدين مدت إيدها ناحية الورق وقالت
لكن قبل ما أقولك تفاصيل الوظيفة، لازم تعرف إن فيه شرط واحد...
قلبي اتقبض.
شرط إيه يا فندم؟
بصتلي نظرة جادة جدًا، وقالت
المشروع ده هيدخلك في مواجهة مباشرة مع شركتك القديمة، وممكن تكتشف إن سبب طردك النهارده أكبر بكتير من مجرد تأخرك عن اجتماع!
حسيت ببرودة بتسري في جسمي.
حضرتك تقصدي إيه؟!
حسام فتح الملف على صفحة تانية، وبدأ يشرحلي تفاصيل الصفقة اللي كانت شركتي بتحاول