اشتقت لها
ـ الدفتر ده كان مع أمك قبل ما تختفي من حياتي. كنت فاكر إنه مجرد دفتر مذكرات، لكن بصي على الصفحة دي.
كانت فيه تواريخ، وأسماء، وملاحظات مكتوبة بخط أمي.
وفي آخر الصفحة، لقيت اسم فيكتور هيل، وتحته تاريخ يرجع لليوم اللي اتولدت فيه.
وبجانب الاسم، كانت أمي كاتبة:
«الساعة 11:40 مساءً. فيكتور وصل للمستشفى قبل ما أدريان يعرف إن البنت اتولدت».
رفعت عيني لأدريان.
ـ يعني إيه؟! هو كان عارف إني اتولدت قبل أبويا؟!
أدريان وشه شحب.
ـ ده مستحيل... أنا مكنتش موجود في المستشفى وقتها.
ـ ليه؟
سكت فترة، وبعدها قال:
ـ لأن مريم طلبت مني أخرج أجيب لها حاجة من البيت. لما رجعت، لقيتها خرجت من المستشفى، ومحدش عرف يقولي راحت فين.
بصيت للدفتر تاني.
كان فيه سطر تاني مكتوب تحته:
«فيكتور قال إنه جاي يساعدني، لكني شفت في عينيه حاجة خلتني أعرف إن بنتي مش هتكون في أمان طول ما هو عارف إنها موجودة».
حسيت ببرودة في أطرافي.
ـ لوسيان، إنت شايف الكلام ده معناه إيه؟
لوسيان كان واقف عند الباب، وسمع كل كلمة.
قال بهدوء:
ـ معناه إن فيكتور كان عارف بوجودك من أول يوم، وإن أمك كانت بتحاول تحميكي منه. لكن لسه منعرفش هو كان عايز منك إيه.
أدريان قفل الدفتر فجأة.
ـ فيه حاجة تانية. لازم أقولها لكم.
بصينا له.
ـ بعد اختفائي، وصلني خبر إن فيكتور راح لأمك مرة تانية، وطلب منها توقّع على ورقة تتنازل فيها عن أي حقوق تخص بنتها في عيلتنا. هي رفضت، ومن بعدها اختفت كل المستندات اللي كانت تثبت حقوق أميليا.
سألته:
ـ يعني هو عايز الفلوس؟!
أدريان هز راسه.
ـ ممكن يكون ده جزء من السبب، لكن مش كل حاجة. فيكتور كان يقدر يستولى على الممتلكات من غير ما يلاحقك كل السنين دي. فيه سر تاني، وأنا شبه متأكد إن مريم كانت عارفة عنه.
الساعة ستة وخمسين دقيقة.
كنت واقفة قدام الشباك، ببص للسماء اللي بدأت تتحول للون البرتقالي.
نفس لون السما اللي رسمتها في لوحتي.
الغريب إني، رغم كل الخوف اللي جوايا، كنت عايزة أكمّل اللوحة أكتر من أي وقت فات.
يمكن لأنني بقيت حاسة إن كل يوم عندي مهم، وإن معرفتي بالحقيقة مش لازم تمنعني من إني أعيش اللحظات اللي لسه قدامي.
لوسيان قرب مني، ووقف على مسافة مناسبة.
ـ بتفكري في إيه؟
قلت له:
ـ بفكر إني قضيت شهور مستنية يوم أكون فيه كويسة عشان أعمل الحاجات اللي بحبها. ولما الدكتور قال لي إن فاضلي سبع أيام، حسيت إن الدنيا انتهت. دلوقتي أنا لسه خايفة، لكن بقيت عايزة أعرف الحقيقة، وأكمّل لوحتي، وأعيش كل يوم على قد ما أقدر.
بص للوحة وقال:
ـ وده حقك.
وبعدين أضاف:
ـ وبالنسبة لرسالة فيكتور، مش هطلب منك تنسيها. لكن لو قررتي تواجهيه، لازم يكون قرار مبني على إنك عارفة المخاطر، مش لأنك حاسة إن مفيش حاجة تخسريها.
الكلام ده لمس حاجة جوايا.
لأني كنت فعلًا بدأت أتعامل مع الأيام اللي فاضلالي كأنها مجرد عد تنازلي.
لكن الحقيقة إني لسه عندي حاجات أحبها، وأشخاص ممكن أعرفهم، وأسرار ممكن أفهمها.
ولسه عندي نفسي، اللي تعبت من الخوف.
في الساعة سبعة بالضبط، وصلتني رسالة جديدة من فيكتور.
«أنا مستنيكي يا أميليا. لو مجيتيش، هتفضلي طول عمرك بتدوري على إجابة السؤال اللي أمك ماتت وهي خايفة تقولهولك».
وبعدها بعت صورة لعلبة خشبية صغيرة.
عرفتها فورًا.
كانت العلبة اللي أمي احتفظت فيها بأهم حاجاتها، واللي اختفت من البيت بعد وفاتها.
فتحت الصورة وكبّرتها.
كان على الغطاء نقش صغير على شكل نجمة، وتحتها حرفان:
A.C.
نفس الحرفين اللي كانوا محفورين على السلسلة الفضية اللي أدريان اداهالي!
أدريان أول ما شاف الصورة، اتراجع خطوة.
ـ دي العلبة اللي مريم كانت محتفظة فيها بالوثيقة!
لوسيان بص له بسرعة.
ـ وثيقة إيه يا أدريان؟!
أدريان اتردد، وبعدها قال:
ـ الوثيقة اللي تثبت مين كان موجود في المستشفى ليلة ولادة أميليا، ومين أصدر الأمر بتغيير بياناتها.
حسيت إن قلبي هيخرج من صدري.
ـ يعني العلبة دي فيها اسم الشخص اللي غيّر شهادة ميلادي؟!
أدريان هز راسه.
ـ على الأغلب.
لوسيان مسك موبايله واتصل بأحد رجاله، وطلب منه يتأكد من مكان العلبة من غير ما حد يقرب من فيكتور.
لكن بعد أقل من دقيقة، وصله اتصال تاني.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع.
وبعدين قال:
ـ إنت متأكد؟
سكت شوية، وقفل المكالمة.
بص لنا، وقال:
ـ العلبة مش في البيت القديم.
أدريان سأله بقلق:
ـ أمال فين؟!
لوسيان رفع عينيه ناحيتي.
ـ في المستشفى... في نفس القسم اللي اتولدتي فيه.
اتجمدت مكاني.
المستشفى اللي اختفى منها الدكتور، واللي اتسرق منها ملفي الطبي، هي نفسها اللي فيها العلبة اللي أمي خبّت جواها الحقيقة.
لكن قبل ما نتحرك، رن موبايلي برقم مجهول.
رديت، وجالي صوت ست كبيرة في السن، بتتكلم بصعوبة:
ـ أميليا... أنا عرفت إنك بتدوري على الحقيقة.
سألتها بقلق:
ـ حضرتك مين؟
قالت:
ـ اسمي إيلين. كنت ممرضة في المستشفى ليلة ولادتك، وأنا آخر واحدة شافت أمك وهي خارجة من هناك.
حسيت إن نفسي وقف.
ـ إنتِ تعرفي أمي؟!
ـ أيوه يا بنتي. وكنت مستنياكي من سنين.
ـ ليه؟! وإيه اللي حصل ليلة ما اتولدت؟!
الست سكتت لحظة، وبعدها قالت:
ـ لأن أمك مكنتش لوحدها لما خرجت من المستشفى. كان معاها طفل تاني، طفل اتسجل باسم مختلف، واتنقل لأسرة تانية في نفس الليلة.
بصيت للوسيان وأدريان، والاتنين كانوا مركزين معايا.
همست:
ـ طفل تاني؟! يعني كان عندي أخ أو أخت؟!
إيلين ردت بصوت مرتعش:
ـ مش هقدر أشرحلك كل حاجة على التليفون. لكن لازم تعرفي إن الطفل ده كبر، وبقى شخص إنتِ تعرفيه كويس جدًا.
اتجمدت مكاني.
شخص أعرفه؟!
مين ممكن يكون؟!
وقبل ما أسألها، قالت آخر جملة:
ـ أميليا، لو عايزة تعرفي مين الشخص ده، بصّي في شهادة ميلادك الأصلية... مش النسخة اللي معاكي دلوقتي.
وبعدين قفلت الخط.
لوسيان بص لي، وأدريان كان وشه شاحب بشكل مخيف.
سألتهم بصوت مبحوح:
ـ إنتوا عارفين حاجة عن الطفل ده؟!
لوسيان مردش.
أما أدريان، فنزل عينيه للأرض، وبعد لحظة قال:
ـ أميليا... فيه احتمال إنك مش البنت الوحيدة اللي مريم خلفتها في الليلة دي.
وقبل ما أستوعب كلامه، فتح لوسيان الملف القديم مرة تانية، وطلع منه صورة صغيرة كانت مدسوسة بين الأوراق.
كانت صورة لطفلين حديثي الولادة، ملفوفين في بطانيتين مختلفتين.
وعلى ضهر الصورة، كانت فيه جملة بخط أمي:
«واحد فيهم هيتربى بعيد عني، والتاني هيفضل معايا... لكن الاتنين لازم يعرفوا الحقيقة قبل فوات الأوان».
بصيت للصورة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
لأن الطفل التاني اللي أمي كانت بتتكلم عنه...
كان لابس سوار مستشفى مكتوب عليه اسم عيلة أعرفها كويس جدًا.
عيلة الشخص اللي كنت فاكرة إنه أقرب إنسان ليا في الدنيا.
يتبع...
### النهاية: السر اللي غيّر حياة أميليا ولوسيان للأبد! 😱💔
فضلت باصة للصورة، ومش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
سوار المستشفى اللي في إيد الطفل التاني كان مكتوب عليه اسم عيلة كارتر، نفس اسم عيلتي!
بصيت لأدريان وقلت بصوت مرتعش:
ـ مين الطفل ده؟! أرجوك، أنا مش قادرة أستحمل أسرار أكتر من كده!
أدريان قعد قدامي، وعينيه مليانة ندم.
ـ أميليا، إنتِ مكنتيش الطفلة الوحيدة اللي أمك ولدتها في الليلة دي. إنتِ عندك أخت توأم، اتفصلت عنك بعد الولادة، واتنقلت لأسرة تانية بمساعدة فيكتور هيل.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
ـ أختي التوأم؟! يعني عندي أخت عايشة طول السنين دي وأنا معرفش عنها حاجة؟!
لوسيان مسك الصورة، وفضل يتأملها، وبعدين قال:
ـ لازم نعرف مين هي، قبل ما فيكتور يسبقنا للحقيقة.
في اللحظة دي، افتكرت حاجة خلت قلبي يدق بسرعة.
كان عندي صديقة قديمة اسمها صوفيا، عشنا سوا فترة في دار رعاية بعد وفاة أمي، قبل ما كل واحدة فينا تبدأ حياتها لوحدها. كنا شبه بعض بشكل غريب، لدرجة إن الناس كانت ساعات تفتكرنا أخوات.
لكن من سنين، صوفيا سافرت، وانقطعت أخبارها عني.
طلعت موبايلي، وفتحت صورة قديمة لينا، ووريتها للوسيان.
أول ما شافها، وشه اتغير.
ـ إنتِ تعرفي البنت دي؟!
ـ أيوه. دي صوفيا. كانت أقرب واحدة ليا في فترة صعبة من حياتي.
لوسيان بص لأدريان، وبعدها رجع بص لي.
ـ أميليا، إحنا لازم نتأكد من حاجة قبل ما نفترض أي شيء.
بعد ساعات من البحث، قدر رجال لوسيان يوصلوا لصوفيا.
كانت عايشة في مدينة تانية، واشتغلت مدرسة، واتجوزت، وعندها بنت صغيرة.
ولما اتصلت بيها، أول ما سمعت صوتي، عيطت.
ـ أميليا! أنا بقالي سنين نفسي أكلمك!
سألتها بلهفة:
ـ صوفيا، محتاجة أسألك سؤال مهم جدًا. إنتِ تعرفي أي حاجة عن أهلك الحقيقيين؟
سكتت شوية، وبعدين قالت:
ـ أيوه. من كام شهر، اكتشفت إن أوراق تبنّي فيها أخطاء، وإن فيه ممرضة قديمة كانت بتحاول توصل لي من سنين. قالت لي إن عندها معلومة عن أمي الحقيقية.
قلبي بدأ يدق بعنف.
ـ اسم الممرضة إيلين؟
صوفيا شهقت.
ـ إنتِ عرفتي منين؟!
في اللحظة دي، فهمت إن الحقيقة بدأت تتجمع قدامي.
طلبت منها تيجي نيويورك، ووعدتها إني هحكيلها كل حاجة أول ما توصل.
وبعد يومين، دخلت صوفيا الأوضة اللي كنت قاعدة فيها مع لوسيان وأدريان.
أول ما شافتني، جريت ناحيتي، لكن قبل ما توصل لي، وقفت فجأة.
بصت لوشي، وبعدين لصورة أمي اللي كانت على الترابيزة.
ـ أميليا... دي الست اللي شفتها في حلمي كتير، مع إني عمري ما قابلتها!
مديت لها الصورة بإيد بتترعش.
ـ دي أمي يا صوفيا.
خدتها، وفضلت تبص لها وهي بتعيط.
وبعد ما هدينا، طلب لوسيان من إيلين تحضر، عشان تحكي لنا اللي حصل ليلة ولادتنا.
إيلين وصلت، وكانت ست كبيرة في السن، لكن ذاكرتها كانت لسه محتفظة بتفاصيل الليلة دي.
قالت:
ـ مريم ولدت بنتين توأم. أدريان كان عارف بولادة أميليا، لكن فيكتور اكتشف إن فيه طفلة تانية، وقرر يستخدم الموضوع عشان يضغط على مريم وأدريان. مريم رفضت تسلمه أي أوراق تخص عيلتها، فحاول يغيّر سجلات الطفلتين، وخلى كل واحدة فيهم تروح لأسرة مختلفة.
صوفيا مسكت إيدي بقوة.
ـ يعني أنا أختك فعلًا؟!
إيلين هزت راسها.
ـ كل السجلات اللي احتفظت بيها بتشير لكده، لكن عشان تتأكدوا بشكل قاطع، لازم تعملوا تحليل حمض نووي.
وبالفعل، عملنا التحليل.
وعدّت أيام كانت أطول من أي وقت في حياتي.
كنت بخاف من النتيجة، وبخاف أكتر إنها تطلع صحيحة، لأن ده معناه إن كل حاجة عرفتها عن حياتي هتتغير.
لحد ما وصل التقرير.
لوسيان كان واقف جنبي وأنا بفتح الظرف.
قرأت النتيجة مرة، واتنين، وتلاتة.
تطابق جيني يؤكد إن أميليا وصوفيا أختان توأم.
انهرت في العياط.
صوفيا حضنتني وهي بتعيط هي كمان، وفضلنا وقت طويل مش قادرين نتكلم.
بعد كل السنين اللي عشناها بعيد عن بعض، رجعنا لقينا بعض في وقت كنت فاكرة إن حياتي خلاص بتخلص.
لكن كان لسه فيه سؤال مهم.
ليه فيكتور عمل كل ده؟
لوسيان قدر يوصل لمكان فيكتور، وواجهه بالمستندات القديمة.
فيكتور حاول في البداية ينكر كل حاجة، لكن لما شاف شهادة الميلاد الأصلية والرسائل اللي سابتها مريم، عرف إن الحقيقة خلاص ظهرت.
لوسيان قال له بغضب:
ـ ضيعت عشرين سنة من عمري وأنا فاكر إن أخويا مات! وخليت بنت أخويا تعيش عمرها كله وهي مش عارفة إن ليها أخت توأم! كل ده عشان إيه؟!
فيكتور نزل عينيه، وبعد صمت طويل قال:
ـ كنت فاكر إني بحمي نفسي. كنت خايف أدريان يرجع ويكشف اللي عملته، وخايف إن البنتين يبقوا سبب في ضياع كل اللي بنيته.
أدريان رد عليه:
ـ مريم كانت واثقة فيك، وإنت استغليت ثقتها. بدل ما تحمي الأطفال، سرقت منهم أبسط حق ليهم، إنهم يعرفوا عيلتهم.
فيكتور حاول يبرر تصرفاته، لكن المستندات وشهادات الشهود كانت كافية لكشف التلاعب اللي حصل في سجلات المستشفى، والاعتداء على حقوق العيلة، وإخفاء معلومات مهمة عن هوية الطفلتين.
اتفتح تحقيق رسمي، واتحولت الأدلة للجهات المختصة، وبعد شهور من الإجراءات، اتحكم على فيكتور بالسجن بسبب الجرائم اللي ثبتت عليه.
أما لوسيان، فبدأ يراجع كل الملفات القديمة المرتبطة باختفاء أخوه، واكتشف إن جزء كبير من المعلومات اللي وصلته زمان كان مزورًا.
وللمرة الأولى من عشرين سنة، قدر يرجع يقعد مع أدريان من غير ما يكون بينهم سر جديد.
لكن أنا كان لسه عندي معركة تانية.
معركتي مع المرض.
بعد مراجعة ملفي الطبي، اكتشف الاستشاري إن فيه تناقضات مهمة في التقارير القديمة، وإن التقدير الأول لمدة بقائي كان محتاج مراجعة دقيقة.
عملت فحوصات جديدة، وخضعت لعلاج تحت إشراف فريق متخصص.
النتيجة مكنتش معجزة، ومحدش وعدني إني هخف في أيام قليلة، لكن اتضح إن حالتي محتاجة خطة علاج مختلفة، وإن الحكم الأول اللي اتقال لي ماكانش دقيق بالشكل اللي اتقدّم لي بيه.
لما الدكتور شرح لي إن لسه فيه خيارات علاجية تستحق التجربة، عيطت من الفرحة.
مش لأن كل مشاكلي انتهت، لكن لأن الأمل رجع لي من جديد.
في يوم خروجي من المستشفى، لوسيان جه يزورني، ومعاه علبة كبيرة.
فتحها وحطها قدامي.
كانت مليانة فرش رسم جديدة وألوان احترافية، ومعاها تذكرة سفر لمكان كنت بحلم أزوره من سنين.
بصيت له وقلت:
ـ إنت لسه فاكر إني كنت عايزة أكمّل لوحتي؟
ابتسم وقال:
ـ فاكر كل كلمة قلتيها في رسالتك الأولى.
وبعدين أضاف:
ـ بس السفر والفرش دول مش هدية عشان أقولك إنك مدينة لي بحاجة. دول مجرد بداية لحاجات إنتِ تستحقي تعمليها لنفسك.
ابتسمت وسط دموعي.
ـ شكرًا يا لوسيان.
رد بهدوء:
ـ أنا اللي لازم أشكرك. رسالتك فكرتني إن الواحد مهما كان عنده نفوذ أو فلوس، ممكن ينسى أهم حاجة في الدنيا... إنه يفضل إنسان.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتنا تبقى مبنية على الصراحة والاحترام، بعيد عن الخوف من اسمه أو نفوذه. لوسيان فضل يساعدني في رحلة علاجي، وأنا فضلت أتعرف عليه وعلى عيلته، خطوة بخطوة، من غير وعود مستحيلة ولا أسرار متعمدة.
أما أدريان، فبدأ يحاول يعوضني عن السنين اللي ضاعت، وصوفيا بقت أقرب إنسانة ليا، مش بس لأنها أختي التوأم، لكن لأنها كانت الشخص اللي رجع لي جزء من عيلتي كنت فاكرة إني فقدته للأبد.
بعد سنة كاملة...
كنت واقفة قدام لوحتي، اللي أخيرًا خلصتها.
السما كانت برتقالية وحمراء، والبحر تحتها مليان درجات الأزرق، وفي آخر الأفق كانت الشمس بتغيب بهدوء.
كتبت تحت اللوحة:
«مش كل نهاية هي آخر الحكاية... ساعات بتكون بداية لحياة عمرنا ما تخيلناها».
صوفيا كانت واقفة جنبي، وأدريان ولوسيان بيتفرجوا على اللوحة من بعيد.
بصيت للشمس وهي بتختفي، وافتكرت الرسالة اللي بعتها في ليلة كنت فاكرة إنها بداية آخر سبع أيام في حياتي.
رسالة كتبتها لشخص غريب، من غير ما أتخيل إنه هيفتح قدامي أبواب كنت فاكرة إنها اتقفلت للأبد.
أنا لسه عندي أيام صعبة، ولسه عندي رحلة علاج لازم أكملها، لكن مبقتش عايشة كل يوم وأنا مستنية نهايته.
بقيت برسم، وبسافر لما أقدر، وبقضي وقت مع أختي، وببني علاقة حقيقية مع أبويا اللي رجع لحياتي بعد غياب طويل.
واتعلمت إن الحب مش دايمًا بييجي في صورة شخص بينقذك من كل مشاكلك، وإن العيلة مش مجرد أسماء في الأوراق، وإن الأمل مش وعد إن كل حاجة هتبقى مثالية.
الأمل هو إنك تلاقي سبب تحاول عشانه، حتى وإنت خايف.
أما لوسيان، فاحتفظ برسالتي الأولى في درج مكتبه، مش عشان يفتكر إنه أنقذني، لكن عشان يفتكر إن رسالة واحدة من إنسانة وحيدة قدرت تغيّر نظرته للحياة.
وفي آخر يوم من السنة، بعت لي رسالة قصيرة:
«فاكرة أول سؤال سألتهولك؟ إيه أكتر حاجة نفسك تعمليها قبل ما الأيام تخلص؟»
ابتسمت، وبصيت للوحة، ورديت:
«أعيش يا لوسيان... نفسي أعيش، مش بس أستنى الأيام تعدّي».
وجالي رده:
«يبقى نبدأ من النهارده».
تمت ❤️