اشتقت لها

لمحة نيوز

 

هز راسه ببطء.

ـ أدريان كان أخويا الأكبر.

حسّيت إن الدنيا بتلف بيا.

أخو لوسيان؟!

الراجل اللي في الصورة مع أمي؟!

ـ طيب والطفل اللي واقف بينهم ده مين؟!

لوسيان رجع بص للصورة، وعينيه بقت مليانة حزن قديم.

ـ الطفل ده أنا.

فضلت باصة له، مش قادرة أربط بين الراجل اللي قدامي والطفل اللي في الصورة.

ـ بس إنت قلت إنك عندك أربعين سنة، والصورة دي قديمة جدًا!

ـ الصورة اتصورت قبل ما حياتنا تتغير بوقت طويل.

قعد تاني، وشبك إيديه قدامه.

ـ أمك كانت تعرف عيلتي من قبل ما إنتِ تتولدي بسنين. وفي ليلة واحدة، حصلت حاجة خلت كل واحد فينا يمشي في طريق مختلف. أخويا اختفى من حياتنا، وأمك سابت المدينة، وأنا فضلت سنين بحاول أفهم إيه اللي حصل بالضبط.

ـ وأبويا؟! كان يعرفكم؟!

لوسيان سكت.

وسكوته خوّفني أكتر من أي إجابة.

ـ لوسيان، أنا محتاجة أعرف الحقيقة. حتى لو كانت هتوجعني.

رفع عينيه ليا وقال:

ـ هتعرفيها. بس فيه سؤال لازم أسألهولك الأول.

ـ إيه هو؟

طلع من الملف ورقة قديمة، وحطها قدامي.

كانت شهادة ميلادي.

لكن فيه حاجة غريبة جدًا فيها.

اسم أمي كان موجود، إنما خانة اسم الأب كانت فاضية.

بصيت له وأنا مش فاهمة.

ـ دي مش شهادة ميلادي الأصلية. أنا عندي شهادة مكتوب فيها اسم أبويا!

لوسيان هز راسه.

ـ عارف. وده بالضبط اللي محتاجين نفهمه.

وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينسحب من وشي:

ـ أميليا، اسم أبوكي اللي اتكتب في الشهادة اللي معاكي مش موجود في أي سجل موثوق قدرنا نوصله. والأخطر من كده، إن فيه حد قدّم طلب رسمي بعد ولادتك بفترة قصيرة عشان يغيّر بياناتك.

حطيت إيدي على بقي.

ـ مين عمل كده؟!

لوسيان بص ناحية الباب، وكأنه بيتأكد إن محدش واقف بره، وبعدين رجع بص لي.

ـ لسه مش عارفين مين. لكن فيه اسم واحد ظهر في الأوراق القديمة أكتر من مرة، وكل مرة كان بيظهر فيها، كانت بتحصل حاجة تخلي الحقيقة تختفي.

قرب الملف مني.

وفي أول صفحة، كان فيه اسم مكتوب بخط واضح.

فيكتور هيل.

أول ما قريت الاسم، حسّيت بصدمة غريبة.

لأني شفت الاسم ده قبل كده.

مش في ورق أمي.

ولا في شهادة ميلادي.

لكن على بطاقة قديمة كانت محفوظة في محفظة أبويا، وكنت فاكرة طول عمري إنها مجرد بطاقة شغل عادية.

رفعت عيني للوسيان وقلت بصوت مرتعش:

ـ أنا أعرف الاسم ده...

لوسيان اتعدل في قعدته.

ـ تعرفيه منين؟!

بلعت ريقي، وقلت:

ـ لأن أبويا كان محتفظ بصورة للراجل ده في محفظته، وكان كاتب على ضهرها جملة واحدة...

ـ إيه هي؟!

بصيت للصورة القديمة اللي قدامي، وبعدين قلت:

ـ «لو حصل لي حاجة، ممنوع أميليا تعرف إن فيكتور هيل هو اللي أنقذ حياتها.»

لوسيان وقف فجأة.

ولأول مرة من ساعة ما دخل شقتي، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

مش خوف على نفسه.

خوف من إن سر قديم جدًا يكون على وشك إنه يدمّر كل اللي فاضل.

وقال بصوت خافت:

ـ يا إلهي... يبقى هو لسه عايش.

وبعدين بص لي وقال:

ـ أميليا، لازم نعرف مكان فيكتور هيل قبل ما يعرف إننا بدأنا نفتش في الماضي.

لكن اللي محدش فينا كان يعرفه، إن فيكتور هيل نفسه كان في اللحظة دي واقف قدام شاشة كمبيوتر، بيبص على صورة لوسيان وهو خارج من العمارة اللي ساكنة فيها أميليا... وعلى وشه ابتسامة باردة.

وقال للشخص اللي واقف جنبه:

ـ بعد كل السنين دي، لوسيان أخيرًا وصل للبنت.

وبعدين قفل الشاشة وأضاف:

ـ يبقى لازم نتحرك قبل ما تعرف هي مين أبوها الحقيقي.
لوسيان كان لسه واقف في نص الصالة، ماسك الصورة القديمة، وعينيه متثبتة على وش أمه اللي كانت واقفة جنب أخوه أدريان.

أما أنا، فكنت حاسة إن حياتي كلها بتتفك قدامي حتة حتة.

أبويا اللي ربتني، واللي كنت فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة، كان مخبي عني سر بالشكل ده؟!

وفيكتور هيل ده مين؟! وإزاي يكون أنقذ حياتي وأنا لسه طفلة، وأبويا يوصّي إنه محدش يقولي الحقيقة؟!

بصيت للوسيان وقلت:

ـ أنا مش فاهمة حاجة! إنت دخلت حياتي من يوم واحد، وفجأة بتقولي إن أمي كانت تعرف أخوك، وإن شهادة ميلادي فيها مشكلة، وإن فيه راجل غريب له علاقة بماضي عيلتي! أنا محتاجة إجابات، مش أسرار أكتر!

لوسيان سكت شوية، وبعدين قعد قدامي وقال:

ـ معاكي حق. أنا غلطت لما بدأت أحكيلك أجزاء من الحقيقة من غير ما أشرحلك الصورة كاملة.

كانت أول مرة أشوفه بيتكلم بالطريقة دي، من غير أوامر ولا نبرة تخلي اللي قدامه يخاف يعترض.

كمّل كلامه:

ـ بس فيه حاجة لازم تفهميها يا أميليا. أنا مش جاي أتحكم في حياتك، ومش هطلب منك تصدقيني لمجرد إن اسمي موريتي. إنتِ من حقك تعرفي كل حاجة، حتى لو الحقيقة دي هتغيّر نظرتك لناس عشتِ معاهم طول عمرك.

سألته وأنا بحاول أتماسك:

ـ طيب، ابدأ من الأول. مين كان أدريان بالنسبة لأمي؟

لوسيان أخد نفس طويل، وكأنه بيرجع بذاكرته لسنين بعيدة.

ـ أدريان كان أخويا الأكبر، وكان مختلف عني في كل حاجة تقريبًا. أنا كنت مندفع، وهو كان هادي وبيفكر قبل ما ياخد أي قرار. ولما أبويا مات، أدريان حاول يبعد عن المشاكل اللي كانت حوالين عيلتنا، وبدأ حياة جديدة بعيد عن كل اللي كنا نعرفهم.

ـ وأمي قابلته إزاي؟

ـ دي الحاجة اللي لسه مش عارف تفاصيلها كلها. اللي أعرفه إن أمك ساعدته في فترة صعبة من حياته، وإنه كان بيثق فيها ثقة كبيرة. وقبل ما يختفي، ساب عندها أمانة، وقال لها إنها لازم توصلها للشخص الصح في الوقت الصح.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

ـ الأمانة دي كانت إيه؟

لوسيان بص للصورة اللي في إيدي.

ـ مش عارف. لكن أعتقد إن فيكتور هيل يعرف.

رجعت سألت:

ـ وإنت ليه مهتم بيا بالشكل ده؟ يعني، حتى لو أخوك كان يعرف أمي، إيه اللي يخليك تسيب كل شغلك وتيجي لحد عندي بسبب رسالة؟

لوسيان فضل ساكت ثواني.

وبعدين قال:

ـ لأن رسالتك فكرتني بوعد قطعته من سنين طويلة.

ـ وعد لمين؟

ـ لأخويا.

اتغيرت ملامحه وهو بيكمل:

ـ قبل ما يختفي، طلب مني حاجة واحدة. قالي: «لو في يوم قابلت بنت مريم، متخليهاش تواجه العالم لوحدها».

اتسعت عيني.

ـ مريم؟! ده اسم أمي!

هز راسه.

ـ عارف.

ـ بس إنت كنت عارف إني بنتها من أول رسالة؟!

ـ لأ. أول ما وصلتني رسالتك، مكنتش أعرف عنك أي حاجة. لكن لما طلبت من رجالي يتأكدوا من هويتك، ظهر اسم أمك في سجلات قديمة مرتبطة بعيلتنا. بعدها بدأت أدور، ولقيت الصورة والملفات اللي وريتهالك.

حسيت إن جزء من الصورة بدأ يتضح، لكن لسه فيه سؤال كان بيخوفني.

ـ لوسيان، إنت قلت إن أخوك اختفى. يعني إيه اختفى؟ مات؟ ولا محدش يعرف هو فين؟

لوسيان بص للأرض للحظة، وبعدين رفع عينيه ليا.

ـ من عشرين سنة، وصلنا خبر إنه مات في حادث. لكن مفيش جثمان اتسلم لعيلتنا، ومفيش تحقيق اتقفل بطريقة تخليني أصدق إن كل حاجة حصلت زي ما قالوا.

سكت شوية وأضاف:

ـ ودي واحدة من الحاجات اللي فضلت أدوّر على إجابة ليها طول السنين دي.

حسيت بقشعريرة في جسمي.

أمي كانت مخبية سر عن أدريان، وأبويا كان مخبي سر عن فيكتور، ولوسيان بيدوّر على أخوه من عشرين سنة.

وكل الخيوط دي كانت بتتقابل عندي أنا!

بعد ما لوسيان مشي، فضلت قاعدة قدام اللوحة، مش قادرة أركز في أي حاجة.

كان عندي ميعاد مع الطبيب الاستشاري اللي رتبه لوسيان، لكن عقلي كان مشغول بكل اللي عرفته.

قبل ما يخرج، لوسيان أكد عليّا إني محتفظة بكل أوراق أمي، وإن محدش ياخدها مني لحد ما نفهم حقيقتها.

قال لي كمان إنه هيبعت شخص يساعدني في المواصلات لو احتجت أروح المستشفى، لكن القرار هيفضل قراري.

كنت مستغربة إنه، رغم كل نفوذه، مبيحاولش يفرض نفسه عليّا.

وقبل ما أقفل الباب وراه، سألته:

ـ لوسيان، هو إنت فعلًا أخطر رجل في نيويورك زي ما الناس بتقول؟

وقف لحظة، وبص لي بنظرة صعب أفهمها.

ـ الناس عندها أسباب تخاف مني، يا أميليا. وأنا مش هكدب عليكي وأقولك إني ملاك. لكن ده مش معناه إن كل حاجة هتسمعيها عني هتكون الحقيقة كاملة.

وبعدين أضاف:

ـ احكمي عليّا من اللي هتشوفيه بنفسك، مش من اسمي.

ومشي.

فضلت أفكر في كلامه، لحد ما موبايلي رن.

رقم مجهول.

رديت بحذر:

ـ ألو؟

جالي صوت راجل كبير في السن، متوتر وبيتكلم بسرعة:

ـ مدام أميليا كارتر؟

ـ أيوه، مين معايا؟

ـ اسمي دانيال. كنت شغال زمان في الأرشيف الطبي لمستشفى سانت ماري، المستشفى اللي اتولدتي فيها.

قلبي اتقبض.

ـ حضرتك عايز إيه؟

ـ فيه حاجة لازم تعرفيها عن شهادة ميلادك. كنت بحاول أوصل لك من يومين، لكن أول ما عرفت إن لوسيان موريتي بدأ يسأل عن ملفك، فهمت إن مفيش وقت.

قمت من مكاني.

ـ إنت تعرف لوسيان؟!

ـ مش مهم أنا أعرفه ولا لأ. المهم إن فيه ملف قديم اتشال من الأرشيف، وكان المفروض إنه يتحرق من سنين. لكن قبل ما يختفي، أنا احتفظت بصورة من صفحة واحدة.

ـ صفحة فيها إيه؟

الراجل سكت لحظة، وبعدها قال:

ـ فيها اسم الشخص اللي سجّل ولادتك، وتوقيعه الأصلي.

حسيت إن نفسي اتقطع.

ـ طيب، ممكن تقابلني وتوريني الورقة؟

ـ أقدر، لكن مش على التليفون. تعالي بكرة الساعة عشرة الصبح لمكتبة قديمة في شارع ماديسون. هبعتلك العنوان. والأهم من ده كله...

صوته بقى أوطى.

ـ متقوليش للوسيان إني كلمتك.

قبل ما ألحق أسأله عن السبب، قفل الخط.

فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش عارفة أعمل إيه.

أبلغ لوسيان؟

ولا أروح أقابل الراجل وأعرف الحقيقة بنفسي؟

افتكرت كلام أمي في رسالتها: «اسمعيه الأول، لكن متثقيش فيه لمجرد إنه ساعدك».

وقررت إني مش هقول للوسيان دلوقتي.

مش عشان مش بثق فيه، لكن عشان كنت محتاجة أعرف الحقيقة بنفسي، من غير ما حد يقرر عني أنا المفروض أعرف إيه وإمتى.

في نفس الوقت، في مكتب فيكتور هيل...

كان فيكتور قاعد ورا مكتب ضخم، قدامه شاشة عليها صورة أميليا وهي خارجة من العمارة.

دخل عليه راجل في أواخر الأربعينات، وحط ملف على المكتب.

ـ عندنا مشكلة يا مستر هيل.

فيكتور رفع عينيه ببطء.

ـ اتكلم.

ـ لوسيان بدأ يراجع سجلات المستشفى القديمة، وفيه موظف سابق اسمه دانيال رجع يظهر في الصورة. إحنا مش متأكدين إذا كان اتكلم مع أميليا ولا لأ.

فيكتور قفل الملف اللي قدامه.

ـ دانيال؟! أنا كنت فاكر إنه اختفى من نيويورك من سنين!

ـ رجع من حوالي شهر، وكان بيسأل عن سجلات قديمة تخص مريم كارتر.

ملامح فيكتور اتغيرت أول ما سمع اسم أمي.

فضل ساكت فترة، وبعدين قام وراح ناحية الشباك.

ـ يبقى مريم سابت وراها حاجة محدش قدر يوصل لها.

الراجل سأله:

ـ نعمل إيه يا فندم؟

فيكتور رد ببرود:

ـ ولا حاجة دلوقتي. عايز أعرف أميليا هتقابل مين، وهتروح فين. لكن محدش يقرب منها.

اتردد الراجل قبل ما يسأل:

ـ حتى لو وصلت للحقيقة؟

فيكتور لف له، وكانت نظرته قاسية.

ـ خصوصًا لو وصلت للحقيقة.

وبعدين رجع قعد وفتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة لأمي وهي شايلة طفلة صغيرة بين إيديها.

فضل باصص للصورة، وهمس:

ـ سامحيني يا مريم... أنا حاولت أحميها بالطريقة الوحيدة اللي كنت أعرفها.

لكن قبل ما يرجع الصورة مكانها، موبايله رن.

ظهر على الشاشة اسم متصل واحد.

أدريان موريتي.

فيكتور اتجمد.

فضل باصص للاسم كأنه شايف شبح، وبعدها رد بصوت بالكاد طلع منه:

ـ أدريان؟!

جاله صوت من الناحية التانية، هادي وواضح:

ـ عرفت إن لوسيان وصل لأميليا.

فيكتور قام واقف مرة واحدة.

ـ إنت فين؟! إحنا بندوّر عليك من عشرين سنة!

الصوت رد:

ـ مش مهم أنا فين. المهم إن البنت بدأت تعرف الحقيقة، ولو لوسيان وصل للجزء الأخير من الحكاية، كل اللي عملناه هيضيع.

فيكتور ضغط على الموبايل بإيده.

ـ إنت وعدتني إنها مش هتعرف أبدًا!

جاله الرد:

ـ وأنا وعدت أمها إني هحميها. والوعود دي مش هينفع نفضل متمسكين بيها في نفس الوقت.

وبعدين الخط اتقفل.

فيكتور فضل واقف مكانه، مش قادر يستوعب إن أدريان رجع يظهر بعد كل السنين دي.

لكن الصدمة الأكبر كانت إنه لأول مرة، أدريان هو اللي قرر يكسر الصمت.

تاني يوم الصبح، لبست معطفي وخدت صورة أمي والورق القديم، وخرجت عشان أقابل دانيال.

كنت عارفة إني ممكن أرجع من غير إجابات، لكني مكنتش مستعدة أعيش بقية الأيام اللي فاضلالي وأنا مش عارفة أنا مين فعلًا.

وصلت المكتبة قبل المعاد بعشر دقايق.

كانت مكتبة صغيرة وهادية، وريحة الكتب القديمة مالية المكان.

قعدت على ترابيزة في آخر القاعة، وفضلت أبص ناحية الباب كل شوية.

الساعة بقت عشرة وخمس دقايق.

دانيال مجاش.

عشرة وعشر دقايق.

لسه مفيش أي أثر ليه.

مسكت الموبايل واتصلت برقمه، لكنه كان مقفول.

بدأت أقلق، وقمت من مكاني عشان أمشي.

لكن قبل ما أوصل للباب، موظف المكتبة ناداني:

ـ مدام أميليا؟

لفيت له.

كان ماسك ظرف أبيض صغير.

 

تم نسخ الرابط