اشتقت لها

لمحة نيوز

 

ـ فيه راجل سابهولك من شوية، وقال إنك هتعرفي هو مين.

خدت الظرف بسرعة وفتحته.

جواه كانت فيه ورقة قصيرة، مكتوبة بخط مرتعش:

«أنا آسف إني مقدرتش أقابلك. فيه حد سبقني ووصل للحقيقة قبلك. لو عايزة تعرفي مين أبوكي الحقيقي، روحي للمكان اللي اتصورت فيه أمك مع أدريان موريتي. هتلاقي الإجابة هناك.»

وتحت الكلام، كان فيه عنوان مكتوب بخط صغير.

لكن أول ما قريت العنوان، حسيت بصدمة هزت جسمي كله.

لأن العنوان ده كان عنوان بيت طفولتي!

البيت اللي أبويا باعه قبل وفاته بشهور، واللي كنت فاكرة إنه اتباع عشان نسدد ديون علاج أمي.

رفعت عيني ناحية موظف المكتبة وسألته:

ـ الراجل اللي ساب الظرف ده، كان شكله إيه؟

وصفهولي.

وكان نفس الراجل اللي كلمني على التليفون.

يعني دانيال كان هنا فعلًا، لكنه ساب الرسالة ومشي قبل ما أوصل.

ليه؟!

وإيه اللي مستنيني في البيت القديم؟!

خرجت من المكتبة، واتصلت بلوسيان.

أول ما رد، قلت له:

ـ لوسيان، أنا محتاجة أقولك حاجة. فيه راجل اسمه دانيال كلمني، وقال إنه يعرف سر شهادة ميلادي، وبعدين اختفى.

سكت لوسيان ثواني، وبعدها صوته اتغير تمامًا.

ـ أميليا، إنتِ فين دلوقتي؟

ـ في المكتبة، ورايحة البيت القديم بتاعنا.

ـ لأ. اسمعيني كويس، متروحيش هناك لوحدك. أنا جاي لك حالًا.

ـ ليه؟! إنت تعرف حاجة عن المكان ده؟

رد بسرعة:

ـ أيوه. أنا عارف المكان ده، وعارف إن فيه حاجة أمك سابتها هناك من سنين.

وبعدين قال جملة خلتني أوقف مكاني:

ـ أميليا، البيت ده مش مجرد بيت طفولتك... ده آخر مكان شاف فيه أخويا أدريان أمك قبل ما يختفي.

وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال، سمعت صوت عربية فرملت بقوة قدامي.

الباب اتفتح، ونزل منه راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه شاحب.

بص لي مباشرة، وقال:

ـ أميليا كارتر؟

هزيت راسي وأنا متوترة.

مد إيده وطلع صورة قديمة، نفس الصورة اللي كانت معايا، لكن النسخة اللي في إيده كانت مختلفة.

في صورتي، أمي كانت واقفة جنب أدريان ولوسيان وهما صغيرين.

أما صورته، فكان فيها شخص رابع واقف بعيد عنهم، ووشه متشطب بقلم أسود.

الراجل قرب الصورة مني وهمس:

ـ أنا أدريان موريتي.

اتجمدت مكاني.

أخو لوسيان اللي الكل كان فاكره مات... واقف قدامي، وبيقول إنه يعرف الحقيقة اللي أمي خبّتها عني طول عمري!

لكن قبل ما أقدر أتكلم، أدريان بص ورايا، وملامحه اتبدلت.

وقال بصوت مخنوق:

ـ إحنا لازم نمشي حالًا... لأن فيكتور عرف إني رجعت، والراجل اللي وراكي ده مش جاي يساعدك.

لفيت بسرعة أبص ورايا...

ولقيت عربية سودا واقفة على الناحية التانية من الشارع، وشخص جوّاها رافع موبايله وبيصورنا!

يتبع...
أول ما لفيت وبصيت ناحية العربية السودا، الراجل اللي جواها نزّل الموبايل بسرعة، ووشّه اختفى ورا الإزاز المعتم.

رجعت بصيت لأدريان، وأنا مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي واقف قدامي هو أخو لوسيان اللي بقاله عشرين سنة بيدوّر عليه!

ـ إنت فعلًا أدريان موريتي؟!

هز راسه وقال بسرعة:

ـ أيوه، بس مفيش وقت للأسئلة دلوقتي. لازم نتحرك قبل ما الناس دي توصل لنا.

ـ استنى! أنا مش هتحرك مع راجل معرفوش، لمجرد إنه قال لي إنه أخو لوسيان! إنت معاك دليل يثبت إنك هو؟!

لأول مرة، ظهر على وشه شيء شبه الابتسامة.

طلع من جيبه سلسلة فضية قديمة، وفيها صورة صغيرة لطفل وطفلة واقفين جنب بعض.

ناولني السلسلة وقال:

ـ البنت اللي في الصورة دي أمك، وهي عندها حوالي عشر سنين. والولد اللي جنبها هو أنا، قبل ما أقابل عيلتك بسنين طويلة.

مسكت السلسلة، وقلبي بيدق بسرعة.

الصورة كانت قديمة فعلًا، لكن اللي خلاني أرتبك أكتر إن أمي كانت لابسة نفس السلسلة في صورة تانية عندي في البيت.

بصيت لأدريان وقلت:

ـ طيب، لو إنت أخو لوسيان فعلًا، ليه اختفيت كل السنين دي؟ وليه سبت أخوك يفتكر إنك ميت؟!

وشه اتغير، وبص بعيد عني.

ـ لأن لو كنت رجعت وقتها، كنت هعرّض ناس كتير للخطر... وأولهم أمك.

ـ أمي ماتت من عشر سنين!

ـ عارف يا أميليا. وعارف إني اتأخرت كتير.

قال الجملة دي بصوت مليان ندم، لدرجة إني للحظة حسيت إنه فعلًا شايل وجع سنين طويلة.

لكن قبل ما أقدر أسأله أكتر، العربية السودا اتحركت من مكانها وبدأت تقرب مننا.

أدريان فتح باب عربيته بسرعة وقال:

ـ اركبي، وأنا هحكيلك كل حاجة.

بصيت للعربية السودا، وبعدين لأدريان.

كنت خايفة، ومش عارفة أثق في مين.

لكن في النهاية، ركبت.

بعد حوالي نص ساعة، وصلنا لمبنى قديم على أطراف المدينة، بعيد عن الشوارع الرئيسية.

أدريان نزل الأول، وفتح لي الباب، وبعدها دخلنا من باب جانبي لمكتب صغير مليان ملفات وصناديق قديمة.

حط السلسلة على المكتب، وطلب مني أقعد.

ـ أميليا، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل أي حاجة تانية. أمك مكنتش مجرد صديقة لعيلتنا.

سألته بحذر:

ـ أمال كانت إيه؟

قعد قدامي، وفضل ساكت شوية، وبعدين قال:

ـ أمك كانت السبب إني فضلت عايش.

بصيت له باستغراب.

فكمّل:

ـ من أكتر من عشرين سنة، كنت داخل في خلاف كبير مع ناس كانوا عايزين يستولوا على ممتلكات عيلتنا. وقتها كنت فاكر إن كل اللي حواليا مخلصين ليا، لكن اكتشفت إن فيه شخص قريب جدًا مني كان بيسرب معلومات عني.

ـ وفيكتور هيل كان واحد منهم؟

أدريان هز راسه ببطء.

ـ فيكتور كان مسؤول عن إدارة جزء كبير من شغل العيلة، وكان عنده معلومات محدش غيره يعرفها. ولما بدأت أشك فيه، حصل حادث العربية اللي اتقال بعدها إني مت.

ـ يعني الحادث كان مدبر؟!

ـ لحد النهارده، مش معايا دليل قاطع على مين اللي دبّره. اللي أعرفه إن أمك كانت موجودة في المكان بالصدفة، وهي اللي ساعدتني أخرج من العربية قبل ما توصل لها فرق الإنقاذ.

حط إيده على السلسلة الفضية، وكأنه بيسترجع ذكرى صعبة.

ـ أخدتني لبيت صغير كانت بتعرفه، وفضلت تعالج جروحي أيام. ولما بقيت قادر أتحرك، ساعدتني أختفي بعيد عن الناس اللي كانوا بيدوّروا عليّا.

سألته:

ـ وليه مرجعتش لأخوك؟!

بص لي بحزن.

ـ حاولت. لكن كل مرة كنت بقرب فيها من لوسيان، كانت بتحصل حاجة تخليني أرجع. وفي مرة وصلني تهديد واضح إن أي محاولة للتواصل معاه هتعرّضه هو للخطر.

ـ وماما فضلت تعرف مكانك كل السنين دي؟

ـ لأ. بعد فترة، فقدت الاتصال بيها. ولما عرفت إنها ماتت، بدأت أدور على بنتها.

حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.

ـ يعني إنت كنت تعرف إني موجودة، وكنت عارف إني مريضة، ومع ذلك مستني لحد دلوقتي عشان تظهر؟!

أدريان نزل عينيه للأرض.

ـ معاكي حق تزعلي مني. أنا مش هبرر لنفسي. لكن الحقيقة إنّي مكنتش أعرف إنك وصلتي للمرحلة دي من المرض، ومكنتش أعرف إن لوسيان بدأ يدور عليكي.

سكت لحظة، وبعدين طلع ظرف قديم من درج المكتب.

ـ أمك سابت الظرف ده عندي قبل ما تختفي من حياتي. وقالت لي إني أفتحه بس لو حصلت حاجتين: لو فيكتور رجع يدور عليكي، أو لو إنتِ بنفسك وصلتي للحقيقة.

مدّ الظرف ناحيتي.

كان مكتوب عليه اسمي بخط أمي.

«إلى أميليا... لما تبقى مستعدة تعرف هي مين.»

إيدي بدأت تترعش وأنا بفتح الظرف.

جواه كانت فيه صورة صغيرة، وشهادة قديمة، ورسالة طويلة.

لكن أول سطر في الرسالة خلاني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي.

«أميليا حبيبتي، فيه حقيقة عن ولادتك خفت أحكيهالك طول عمري. مش لأنك عملتي حاجة غلط، لكن لأن فيه ناس كانت مستعدة تأذي أي حد يقرب من السر ده.»

كملت القراءة بصعوبة.

«الراجل اللي رباكي وحبيتيه طول عمرك كان أبوكي فعلًا في كل حاجة تهم القلب، حتى لو الأوراق اللي تخص ولادتك مش بتقول الحكاية كاملة. أبوكي ضحّى بحاجات كتير عشان يحميكي، وأنا وعدته إني مش هكشف الحقيقة إلا لما يبقى عندك القدرة تختاري بنفسك هتعملي إيه بيها.»

وقفت عند الجملة دي.

رفعت عيني لأدريان وقلت:

ـ يعني أبويا اللي رَبّاني مش أبويا الحقيقي؟!

أدريان ما ردش فورًا.

وبعد لحظة، قال:

ـ مريم كانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. والراجل اللي رباكي كان بيحبك بنفس القوة. مفيش ورقة تقدر تغيّر الحقيقة دي.

لكن أنا كنت محتاجة أعرف أكتر.

فتحت الشهادة القديمة، ولقيت اسم مكتوب في خانة الأب، بخط واضح.

أدريان موريتي.

شهقت، والورقة وقعت من إيدي.

ـ إنت... إنت بتقول إنك أبويا؟!

أدريان غمّض عينيه، وكأن السؤال ده كان أصعب حاجة استعد يسمعها.

ـ أيوه يا أميليا.

رجعت لورا في الكرسي، وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس.

أدريان موريتي، الراجل اللي لوسيان بيدوّر عليه من عشرين سنة، واللي ظهر فجأة قدامي، بيقول إنه أبويا الحقيقي!

لكن قبل ما أقدر أستوعب الصدمة، أدريان قال:

ـ فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ومريم كنا متفقين إن اسمك يفضل بعيد عن عيلتنا، لأن فيكتور كان مقتنع إن وجود بنت ليا ممكن يغيّر كل حاجة.

ـ يغيّر إيه؟!

أدريان بص لي مباشرة.

ـ قبل ما أختفي، كنت وقّعت أوراق بتثبت إنك الوريثة الوحيدة لجزء من ممتلكات عيلتنا. لكن بعد الحادث، الأوراق اختفت، وفيكتور استولى على كل حاجة.

سكت، وبعدين أضاف:

ـ لو عرف إنك لسه موجودة، مش هيبقى هدفه بس إنه يخبي حقيقة ولادتك. هيحاول يمنعك من استعادة أي حق يخصك.

بصيت للورق، وبعدها سألته:

ـ طيب، لوسيان يعرف الكلام ده؟

أدريان هز راسه.

ـ لأ. لوسيان طول عمره فاكر إنّي مت، ومش عارف إن مريم كانت حامل وقت ما ساعدتني.

وقبل ما أقدر أتكلم، باب المكتب اتفتح فجأة.

دخل لوسيان بخطوات سريعة، ووشه كان مليان غضب وقلق.

أول ما شاف أدريان، وقف مكانه.

فضل الاتنين باصين لبعض، من غير ما أي واحد فيهم ينطق.

وبعدين لوسيان قال بصوت مبحوح:

ـ عشرين سنة يا أدريان... عشرين سنة وأنا فاكر إنك مت!

أدريان قام من مكانه.

ـ لوسيان...

لكن لوسيان رفع إيده يمنعه يكمل.

ـ لأ! متقولش اسمي كأنك كنت مسافر ورجعت! أنا دفنتك في قلبي، وفضلت كل يوم ألوم نفسي إني مقدرتش أحميك!

أدريان نزل عينيه.

ـ أنا عارف إني جرحتك، ومش طالب منك تسامحني.

لوسيان قرب منه، وعينيه مليانة دموع حاول يخبيها.

ـ كنت عايش طول الوقت ده فين؟!

أدريان بص ناحيتي، وبعدين رجع بص لأخوه.

ـ كنت بحاول أحمي بنتي.

لوسيان اتجمد.

لف ناحيتي ببطء، وبص للورق اللي قدامي.

ـ بنتك؟!

أنا مكنتش قادرة أنطق.

لوسيان خد الشهادة من على المكتب، وقرا الاسم المكتوب فيها.

وبعدين رفع عينيه لأدريان، وقال:

ـ أميليا بنتك؟!

أدريان هز راسه.

لوسيان حط الورقة على المكتب، وفضل ساكت فترة طويلة.

وبعدين قال:

ـ يبقى فيه حاجة واحدة لسه مش فاهمها... ليه فيكتور رجع يتحرك دلوقتي، بعد كل السنين دي؟

قبل ما أدريان يرد، موبايل لوسيان رن.

بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فورًا.

كان واحد من رجاله بيتصل بيه.

رد وقال:

ـ اتكلم.

جاله صوت متوتر من الناحية التانية:

ـ يا باشا، فيه حاجة حصلت في المستشفى. الدكتور المسؤول عن حالة أميليا اختفى، وملفها الطبي الأصلي اتسرق.

حسيت ببرودة تسري في جسمي.

لوسيان بص لي بسرعة، وبعدها سأل:

ـ اختفى إزاي؟!

ـ محدش عارف يا باشا. لكن فيه تسجيل من كاميرات المستشفى بيظهر شخص دخل مكتب الدكتور قبل ما يختفي بساعة.

ـ مين الشخص ده؟!

الراجل سكت لحظة، وبعدين قال:

ـ يا باشا... الشخص اللي ظهر في التسجيل هو فيكتور هيل بنفسه.

لوسيان قفل المكالمة ببطء.

أدريان مسك حافة المكتب، ووشه بقى شاحب.

أما أنا، فكنت بفكر في حاجة واحدة بس.

الدكتور اللي قال لي إن فاضلي سبع أيام...

اختفى، وملفي الطبي اتسرق، والراجل اللي أخفى سر ولادتي رجع يظهر فجأة.

بصيت للوسيان وقلت بصوت مرتعش:

ـ هو أنا فعلًا فاضلي سبع أيام؟ ولا فيه حاجة الدكتور كان عارفها ومحدش قالهالي؟!

لوسيان قرب مني، وقال بحزم:

ـ مش هفترض إن التشخيص غلط، ومش هديكي أمل كداب. هنجيب سجلاتك الطبية من مصدر موثوق، وهنخلي استشاري مستقل يراجعها. لكن لازم نعرف ليه فيكتور مهتم بملفك للدرجة دي.

وفجأة، أدريان طلع من جيبه ورقة صغيرة كان مخبيها من سنين.

ـ فيه احتمال واحد... لو كان فيكتور عارف إن أميليا بنتي، فهو مش خايف بس من الميراث. هو خايف من وثيقة تانية مريم سابتها.

لوسيان بص له.

ـ وثيقة إيه؟

أدريان فتح الورقة، وكانت عليها جملة واحدة بخط أمي:

«الحقيقة الكاملة مش موجودة في شهادة الميلاد، ولا في أوراق الميراث... الحقيقة موجودة في آخر مكان شاف فيه فيكتور هيل أدريان موريتي حيًّا.»

لوسيان رفع عينيه لأخوه.

وأدريان قال:

ـ المكان ده هو البيت القديم اللي أميليا كبرت فيه.

في اللحظة دي، موبايلي اهتز برسالة من رقم مجهول.

فتحتها، ولقيت صورة لباب بيت طفولتي.

وتحت الصورة، كانت فيه رسالة قصيرة:

«لو عايزة تعرفي ليه أمك خافت عليكي طول عمرها، تعالي البيت النهارده الساعة سبعة. لكن المرة دي، متجيبيش معاكي لوسيان.»

وفي آخر الرسالة، كان فيه توقيع واحد:

فيكتور هيل.

نهاية الجزء... ولسه السر الأكبر مستخبي!
فضلت باصة للرسالة، وإيدي بتترعش، وحاسة إن كل حاجة حواليا بقت أبطأ من الطبيعي.

فيكتور هيل عايزني أروح البيت القديم الساعة سبعة، لوحدي، ومن غير لوسيان!

رفعت عيني وبصيت للوسيان، اللي كان واقف قدامي وبيحاول يفهم من ملامحي إيه اللي حصل.

ـ مين بعتلك الرسالة يا أميليا؟

اترددت.

كنت وعدت نفسي إني مش هخبي عنه حاجة، لكن بعد كل الأسرار اللي اكتشفتها، بقيت مش عارفة إذا كان ينفع أثق في أي حد.

مديت له الموبايل من غير ما أتكلم.

قرأ الرسالة، وملامحه اتبدلت في لحظة.

ـ مستحيل تروحي هناك لوحدك!

أدريان اتدخل بسرعة:

ـ لوسيان، استنى. يمكن دي فرصتنا الوحيدة عشان نعرف فيكتور مخبي إيه.

لوسيان لف له بعصبية.

ـ إنت بتتكلم بجد؟! الراجل ده أخفى الحقيقة عشرين سنة، ودلوقتي بيطلب منها تروح له لوحدها! إنت عايز تعرضها للخطر تاني؟!

أدريان رد بهدوء:

ـ وأنا مش هسمح إن بنتي تتعرض للخطر. لكن لو فضلنا نهرب من فيكتور، عمرنا ما هنعرف هو عايز إيه منها بالضبط.

كنت قاعدة بسمعهم، وحاسة إني اختفيت من وسط الكلام رغم إن الموضوع كله متعلق بيا أنا.

وفجأة، قلت بصوت عالي:

ـ كفاية!

الاتنين سكتوا وبصوا لي.

كملت وأنا بحاول أمنع دموعي من النزول:

ـ أنا تعبت من إن كل واحد يقرر عني إيه اللي ينفع أعرفه وإيه اللي مينفعش! طول عمري الناس كانت بتقول لي إنهم بيحموني، وفي الآخر اكتشفت إنهم مخبيين عني حياتي كلها!

بصيت لأدريان.

ـ إنت أبويا، ودي أول مرة أعرف فيها الحقيقة. وبصيت للوسيان وقلت: وإنت وعدتني إنك هتساعدني أعرف الحقيقة، مش إنك هتقرر مكاني.

لوسيان سكت، وبعد لحظات هز راسه.

ـ عندك حق.

كانت أول مرة أشوفه يعترف بغلطه بالسرعة دي.

قرب مني وقال:

ـ مش همنعك من معرفة الحقيقة يا أميليا. لكن مش هكدب عليكي وأقولك إن الذهاب للمكان ده آمن. خلينا نفكر في طريقة نقدر بيها نعرف اللي عند فيكتور من غير ما نسيبك في موقف ممكن يأذيكي.

أدريان أشار للورقة اللي كانت على المكتب.

ـ فيه احتمال إن مريم سابت مستندات في البيت القديم، وفيكتور عايز يوصل لها قبلنا. لو قدرنا نعرف مكانها، ممكن نفهم ليه مستعد يعمل كل ده عشان يخفيها.

سألته:

ـ وإنت متأكد إن أمي سابت حاجة هناك؟

ـ مش متأكد، لكن قبل ما أمك تختفي عني، قالت لي جملة عمري ما نسيتها: «البيت اللي اتربت فيه أميليا، جواه الإجابة اللي هتخليها تفهم ليه كل واحد فينا اختار الطريق اللي مشي فيه».

حسيت إن صدري ضاق.

أمي كانت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي!

كانت عارفة إن فيه يوم هحتاج فيه أرجع للبيت القديم وأدور على إجابات.

لكن ليه سابتني كل السنين دي من غير ما تحكيلي؟

الساعة بقت خمسة ونص، ولوسيان كان بيحاول يوصل لأي معلومات عن فيكتور، بينما أدريان بدأ يقلب في أوراق قديمة كانت معاه.

أما أنا، فكنت قاعدة قدام صورة أمي، وبفتكر آخر مرة شفتها فيها.

كانت في المستشفى، تعبانة جدًا، لكن رغم كل وجعها، مسكت إيدي وقالت لي:

«أوعي تخافي من الحقيقة يا أميليا. الحقيقة ساعات بتوجع، بس الكذب بيوجع أكتر لما تكتشفي إنك عيشتي عمرك كله جواه».

وقتها افتكرت إنها بتتكلم عن مرضها، أو عن حاجة تخص مستقبلها.

مكنتش أعرف إنها كانت بتتكلم عن حياتي أنا.

فجأة، أدريان ناداني:

ـ أميليا، تعالي شوفي دي.

قربت منه، ولقيته فاتح دفتر قديم، صفحاته مصفرة من الزمن.

 

تم نسخ الرابط