مخالفة حكايات مشيره محمد
منصور.
أمي شهقت فجأة.
إبراهيم منصور؟!
كلنا بصينا لها.
سألتها
تعرفيه يا ماما؟
قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها
ده كان صديق قديم لأبوكي، وكان مسؤول عن الاحتفاظ ببعض أوراق العيلة. بعد الحريق، سافر من غير ما يقول لحد هو رايح فين.
مروان قال
يبقى لازم نوصله، يمكن يكون عنده باقي المستندات.
عم حسن وافق، لكنه حذرنا
لازم نتأكد إن أي أوراق هنلاقيها أصلية، وما نستنتجش حاجة من غير دليل.
بعد ساعات من البحث، قدرنا نوصل لعنوان قديم مسجل باسم إبراهيم منصور في مدينة طنطا.
سافرت مع مروان، وبعد ما سألنا في المنطقة، وصلنا لبيت صغير في شارع هادي.
خبطنا على الباب.
فتح لنا راجل كبير في السن، أول ما سمع اسم محمود عبد الرحمن، اتغيرت ملامحه.
قال
إنتوا مين؟ وعايزين تعرفوا إيه عن محمود؟
عرفناه بنفسنا، وشرحت له إننا بندور على الحقيقة المتعلقة بحريق شبرا.
سكت فترة طويلة، وبعدها سمح لنا ندخل.
قعد قدامنا، وطلع من درج مكتبه ظرف أبيض قديم.
قال
أنا استنيت اليوم ده سنين. كنت عارف إن حد هييجي يسأل عن الأوراق دي، لكن ما كنتش أعرف مين ولا إمتى.
مد إيده وناولني الظرف.
فتحته، ولقيت جواه صورة عائلية قديمة، فيها أبويا وأمي وخالتي فاطمة، ومعاهم طفلة صغيرة.
لكن المفاجأة إن الطفلة ما كانتش أنا بالشكل اللي كنت متخيلاه.
كان فيه اسم مكتوب خلف الصورة
آية محمود عبد الرحمن صورة من سجل الأسرة القديم.
بصيت لإبراهيم وقلت
أنا مش فاهمة... الصورة دي تثبت إيه؟
رد بهدوء
الصورة لوحدها ما تثبتش حاجة غير إن فيه سجل قديم للعيلة. لكن فيه مستند تاني محتاج تشوفيه، لأنه بيوضح سبب الخلاف اللي حصل قبل الحريق.
طلع ورقة مطوية، وقبل ما يديهالي، سألني
إنتِ مستعدة تعرفي كل التفاصيل، حتى لو اكتشفتي إن بعض الناس اللي بتحبيهم أخفوا عنك معلومات مهمة؟
بصيت لمروان، وبعدها رجعت بصيت له وقلت
أنا تعبت من الأسرار. عايزة الحقيقة كاملة.
فتح الورقة، وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
بخصوص الملف العائلي للسيدة فاطمة محمود، يرجى مراجعة بيانات الميلاد والقرابة، حيث توجد مستندات ناقصة يلزم التحقق منها قبل اعتماد السجل النهائي.
وبعدها رفع عينيه وقال
آية، أنا ما أقدرش أقولك إن فيه سر محدد لحد ما نلاقي بقية الملف، لكن الورقة دي بتأكد إن خالتك كانت بتحاول تصحح بيانات عائلية قبل الحريق.
وفجأة، مروان لاحظ ورقة صغيرة جوه الظرف، مكتوب عليها رقم تليفون قديم، وبجانبه جملة
لو حصل أي شيء لفاطمة، اتصلوا بالدكتورة نادية، فهي الوحيدة اللي تعرف مكان النسخة الأصلية.
أخدت الورقة بسرعة وقلت
لازم نوصل للدكتورة نادية!
لكن إبراهيم هز راسه وقال
فيه مشكلة... الدكتورة نادية سابت مصر من سنين، ومحدش يعرف عنوانها الحالي.
مروان بص لي وقال
يبقى هنبدأ من الرقم ده، ونحاول نعرف إذا كان لسه شغال.
وقبل ما نتحرك، إبراهيم وقفنا وقال
استنوا، فيه
حاجة أخيرة لازم تعرفوها. قبل سفر فاطمة بأيام، سابت عندي رسالة وقالت إن مروان عبد السلام مش مجرد الشخص اللي أنقذ آية ليلة الحريق، وإنه ممكن يكون عنده معلومة مهمة عن اللي حصل.
مروان اتصدم وقال
أنا؟! أنا ما أعرفش أي حاجة غير اللي شفته بعيني!
إبراهيم رد
يمكن تكون نسيت تفصيلة صغيرة، لكنها مهمة جدًا.
مروان سكت، وفضل يفكر، وبعد لحظات رفع راسه فجأة وقال
استنوا... أنا افتكرت حاجة!
بصينا له كلنا.
قال بصوت متوتر
ليلة الحريق، وأنا خارج بآية من العمارة، لقيت طفل صغير واقف عند السلم، وكان ماسك ظرف بني وبيصرخ باسم فاطمة... والطفل ده كان معاه علامة مميزة في إيده!
إبراهيم قام من مكانه، ووشه اتغير تمامًا.
وقال
لو العلامة اللي بتتكلم عنها هي نفسها اللي في الصورة اللي عندي، يبقى لازم نتحرك فورًا، لأن الطفل ده ممكن يكون المفتاح الأخير لحل اللغز!
لكن مين كان الطفل ده؟ وإيه علاقته بخالة آية؟ وهل مروان يقدر يفتكر ملامحه بعد 12 سنة؟
يتبع...
الجزء التاسع الطفل اللي اختفى ليلة الحريق!
إبراهيم قام بسرعة، وراح ناحية دولاب خشب قديم في آخر الأوضة، وبدأ يفتش بين مجموعة من الملفات والصور لحد ما طلع صورة صغيرة، وحطها قدام مروان.
بص كويس يا أستاذ مروان، هل دي نفس العلامة اللي شفتها على إيد الطفل؟
مروان مسك الصورة، وفضل يدقق فيها، وبعد ثواني وشه اتغير.
أيوه! دي هي! كانت علامة صغيرة شبه الهلال، موجودة على إيده اليمين.
أنا قربت من الصورة، ولقيت طفل عنده حوالي عشر سنين، واقف جنب ست كبيرة، وملامحه مش واضحة أوي بسبب قدم الصورة.
سألت إبراهيم بلهفة
مين الطفل ده؟ وإيه علاقته بخالتي؟
إبراهيم قعد على الكرسي وقال
اسمه يوسف. كان ابن واحدة من قرايب فاطمة، وكان بيقضي معاها وقت طويل. ليلة الحريق، اختفى من المنطقة، ومحدش عرف يوصل له بعد كده.
مروان ضرب كف بكف وقال
دلوقتي افتكرت! الطفل كان بيحاول يطلع السلم عشان يرجع لشخص جوه العمارة، لكن الدخان كان كثيف جدًا. أنا حاولت أرجعه معايا، لكنه جري في اتجاه تاني، وبعدها ما شفتوش.
قلبي اتقبض.
يعني ممكن يكون يوسف شاف حاجة مهمة ليلة الحريق؟
إبراهيم رد
ممكن، لكن ما نقدرش نجزم. كل اللي نعرفه إنه كان آخر شخص شاف فاطمة قبل ما تختفي من المكان.
وفجأة، إبراهيم طلع ورقة من الملف وقال
فيه عنوان قديم كان مسجل باسم يوسف. لو العنوان لسه موجود، ممكن نبدأ منه.
كتبت العنوان في تليفوني، وقررت أتحرك فورًا.
لكن قبل ما نخرج، مروان تليفونه رن.
كانت المستشفى.
رد بسرعة، وأول ما سمع صوت الممرضة، اتغيرت ملامحه.
إيه؟ ليلى تعبت؟!
فضل يسمع بقلق، وبعدها قال
أنا جاي حالًا!
قفل المكالمة وبص لي.
ليلى محتاجاني. حصل لها تعب مفاجئ، والدكتورة طلبت مني أرجع المستشفى.
قلت له من غير تردد
روح لبنتك، وأنا هتابع موضوع يوسف. أول ما أعرف أي حاجة، هكلمك.
مروان مسك إيدي للحظة وقال
ربنا يجازيكي خير يا آية. بس أوعي تعرضي نفسك للخطر عشان الحكاية دي.
ابتسمت وقلت
هتصرف بحذر، ومتقلقش.
وصلت العنوان بعد حوالي ساعة.
كان بيت قديم في منطقة هادية، والباب الخارجي محتاج صيانة. خبطت، وبعد شوية فتح لي راجل في أواخر العشرينات.
سألته
لو سمحت، أنا بدور على يوسف، هل هو موجود هنا؟
الراجل اتوتر بمجرد ما سمع الاسم.
حضرتك مين؟ وعايزة يوسف ليه؟
عرفته بنفسي، وقلت له إني بدور على معلومات تخص حادثة حريق قديمة.
فضل باصص لي شوية، وبعدها قال
أنا يوسف.
اتصدمت.
إنت يوسف اللي كان موجود ليلة حريق شبرا من اتناشر سنة؟
هز راسه ببطء، وقال
أيوه، بس أنا مش بحب أتكلم عن اللي حصل في الليلة دي.
قلت له بهدوء
أنا مش جاية أتهمك بحاجة. أنا كنت طفلة وقت الحريق، ومروان عبد السلام أنقذني، ومن وقتها وأنا بحاول أعرف الحقيقة عن خالتي فاطمة.
أول ما سمع اسم فاطمة، فتح الباب أكتر، وطلب مني أدخل.
قعدنا في أوضة صغيرة، وبعد صمت طويل قال
فاطمة كانت بتحاول تحمي عيلتنا من مشكلة كبيرة. قبل الحريق بيوم، طلبت مني أوصل ظرف لشخص معين، لكن حصلت الفوضى، والظرف اختفى.
سألته
كان فيه إيه في الظرف؟
رد
ما كنتش أعرف محتواه. كل اللي قالت لي عليه إن لازم يوصل لصاحبه، وإن لو حصل أي شيء، ما أسلموش لأي حد غير لما أتأكد من هويته.
سألته بسرعة
وإنت احتفظت بيه كل السنين دي؟
يوسف هز راسه وقال
لأ، أنا ما احتفظتش بالظرف نفسه. لكن قبل ما فاطمة تختفي، سابت لي ورقة صغيرة فيها اسم الشخص اللي المفروض يستلمه.
طلع من درج مكتبه علبة صغيرة، وفتحها، وناولني ورقة قديمة.
فتحتها، ولقيت الاسم مكتوب بخط واضح
محمود عبد الرحمن.
اسم أبويا!
حسيت إن نفسي اتقطع.
يعني خالتي كانت عايزة تسلّم الظرف لأبويا؟
يوسف رد
أيوه، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. بعد الحريق بكام يوم، حاولت أوصل لمحمود، لكنه رفض يقابلني. وبعدها بفترة، عرفت إنه سافر من المنطقة.
سألته بقلق
طب إنت تعرف خالتي فاطمة راحت فين؟
هز راسه وقال
ما أعرفش مكانها، لكن آخر مرة شفتها، قالت لي إنها هتسافر لمكان بعيد لحد ما تقدر ترتب أمورها.
وفجأة، يوسف بص لي وقال
فيه حاجة غريبة حصلت من شهر تقريبًا. وصلني جواب من غير اسم مرسل، وفيه صورة قديمة لفاطمة، ومكتوب فيها إنها عايشة وإنها عايزة تتواصل معايا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
والجواب فين؟!
يوسف قام، وراح ناحية درج تاني، وطلع ظرف أبيض.
فتحته بسرعة، ولقيت جواه صورة لست كبيرة في السن، ملامحها قريبة جدًا من ملامح خالتي فاطمة.
وتحت الصورة مكتوب
يا يوسف، لو لسه فاكر اللي حصل ليلة الحريق، بلغ آية إنها لازم تعرف الحقيقة بنفسها. أنا مستعدة أقابلها، لكن مش قبل ما تتأكد إن محمود عبد الرحمن ما بقاش قادر يخفي المستندات القديمة.
فضلت باصة للرسالة وأنا مش قادرة أتكلم.
يوسف قال
أنا ما عرفتش أوصل لها، لكن فيه رقم تليفون مكتوب في آخر الورقة. يمكن يكون لسه شغال.
طلعت تليفوني واتصلت بالرقم.
رن مرة... واتنين... وتلاتة.
وبعدين سمعت صوت ست كبيرة، صوت عمري ما هنساه، رغم إني ما سمعتوش من سنين طويلة.
ألو، مين معايا؟
بلعت ريقي وقلت
حضرتك فاطمة محمود؟
سكتت الست لحظات، وبعدها سألتني بصوت مرتعش
إنتِ مين يا بنتي؟
قلت وأنا دموعي نازلة
أنا آية... بنت أختك.
سمعت صوت شهقة من الناحية التانية، وبعدها بدأت تعيط.
آية؟! إنتِ عايشة يا حبيبتي؟!
صرخت من الفرحة والصدمة
أيوه يا خالتي، أنا عايشة! أنا بدور عليكي من سنين!
لكن وسط بكاها، قالت جملة خلت فرحتي تتحول لقلق شديد
آية، اسمعيني كويس... أنا لازم أشوفك، لأن فيه حقيقة عن ليلة الحريق لازم تعرفيها قبل ما تقابلي أبوكي مرة تانية!
وقبل ما أقدر أسألها تقصد إيه، سمعت صوت حركة عندها، وبعدها قالت بسرعة
هبعتلك العنوان، لكن أوعي تروحي لوحدك!
وفجأة الخط اتقطع.
وبعد ثواني، وصلتني رسالة فيها عنوان في القاهرة، وتحت العنوان جملة واحدة
تعالي بكرة الساعة عشرة الصبح... قبل ما يختفي آخر دليل.
يتبع...