حفل التخرج حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

الجزء الأول جوزي رفض يمشي مع بنتي في حفل التخرج لكن جدي عمل حاجة خلت الصالة كلها تقف على رجليها! 
كل ما بنتي ملك طلبت من جوزي إنه يمشي معاها في حفل تكريم فريق الكرة الطائرة، رفض وقال لها ببرود
المشوار ده معمول للآباء الحقيقيين يا ملك، وأنا مش أبوكي!
قال لها الكلام ده رغم إنه كان جوز أمها بقاله تسع سنين!
لكن بعد يومين، لما اسمها اتنادى في الصالة الرياضية المليانة بالناس، ظهر جدي، اللي عنده تسعة وسبعين سنة، واقف جنبها، ومتسند على عصايته الخشبية.
واللي حصل وهما بيمشوا ببطء في ملعب كرة السلة خلّى الصالة كلها تتأثر، وخلّى جوزي يعمل حاجة محدش فينا كان متوقعها!
الحكاية بدأت يوم التلات، قبل الحفل ب 48 ساعة بالظبط.
كنت محضّرة أكلة البطاطس المقلية اللي بنحبها كلنا، وكنا قاعدين على العشا. ملك، اللي كانت في آخر سنة في المدرسة الثانوية وبتلعب في فريق الكرة الطائرة، كانت قاعدة جنب جوزي أحمد، ولأول مرة جمعت شجاعتها وقررت تطلب منه طلب نفسها فيه من زمان.
بصت له وقالت بصوت هادي
أحمد، ممكن تمشي معايا في حفل التخرج؟ نفسي تبقى جنبي في اليوم ده.
أحمد ما اترددش لحظة، ورد عليها
أنا مش عايز آخد مكان مش مكاني يا ملك.
ملك سكتت، وبصت ناحيتي، وكانت مستنية إني أتدخل وأتكلم.
لكن أنا ما قلتش أي حاجة.
كان ممكن أصرّ عليه إنه يغيّر رأيه، خصوصًا إنه في العادي كان راجل مسؤول، وبيسمع كلامي لما بشرح له إن حاجة معينة مهمة بالنسبالي.
لكن المرة دي فضلت ساكتة.
يمكن كنت مصدومة من طريقته، ويمكن كنت مستنية إنه يراجع نفسه لوحده.
ملك كانت عايشة معانا بقالها تسع سنين، وأحمد كان موجود في حياتها من وقت ما كانت صغيرة، وكنت فاكرة إن السنين دي كفاية إنها تخليه يعتبرها بنته فعلًا.
لكن واضح إن الموضوع ما كانش بالبساطة اللي تخيلتها.
في الليلة اللي بعدها، مسكت التليفون واتصلت ببابا، الحاج محمود، وحكيت له كل اللي حصل.
سمعني للآخر من غير ما يقاطعني، ولا يلوم أحمد، ولا حتى يعلّق على كلامه.
ولما خلصت كلامي، سكت لحظة، وبعدها سألني سؤال واحد
الحفل الساعة كام يا بنتي؟
في اللحظة دي، حسيت إن دموعي هتنزل.
ما كنتش محتاجة منه أكتر من كده.
بابا كان عنده تسعة وسبعين سنة، وقضى عمره في رعاية حيوانات المزرعة وشغل الأرض. ومن وقت ما عمل عملية في مفصل الحوض، بقى بيعتمد على عصايته الخشبية عشان يقدر يمشي.
ما بقاش سريع زي زمان، وكل خطوة بالنسباله بقت محتاجة مجهود وتركيز.
لكن ملك كانت بتحبه جدًا، وهو كمان كان متعلق بيها.
وعشان كده، رغم سنه وتعبه، ما اترددش لحظة إنه يكون جنبها في اليوم اللي كانت محتاجاه فيه.
وجاءت ليلة الخميس ليلة الحفل.
الصالة الرياضية كانت مليانة بالناس، وريحة الفشار مالية المكان، والزينة النبيتي والدهبي متعلقة في كل حتة.
كان فيه تقليد معروف في بلدنا الصغيرة كل لاعبة من لاعبات فريق الكرة الطائرة في سنة التخرج بيتم تكريمها، وبتدخل الملعب برفقة حد من أفراد عيلتها، ومعاها وردة حمرا تقدمها لشخص غالي عليها.
الليلة دي كان فيه ست لاعبات هيتكرموا.
وملك كانت الرابعة في الترتيب.
قعدت في المدرجات وأنا لابسة السويت شيرت النبيتي بتاع مشجعي الفريق، وأحمد كان قاعد جنبي.
كان لابس لبس الخروج بتاع يوم الأحد، قميص أبيض مكوي، وجزمة ملمعة، وكاب الشركة اللي بيشتغل فيها.
وفجأة، أحمد بص ناحية مدخل الملعب، وملامحه اتغيرت.
لف ناحيتي وسألني باستغراب
جودي، هو الراجل ده مش أبوكي؟
بصيت ناحية الملعب، وابتسمت بهدوء.
أيوه، ملك طلبت منه يمشي معاها في الحفل.
أحمد رجع بص للملعب تاني، لكنه ما قالش ولا كلمة.
وبعد دقايق، المذيع رفع الميكروفون وأعلن بصوت عالي
اللاعبة رقم سبعين، ملك عبدالسلام، تدخل الملعب الليلة برفقة جدها، الحاج محمود عبدالسلام!
ملك مدت إيدها لجدي برفق، وهو مسك إيدها وبدأ يركز في كل خطوة بيخطوها.
وبدأوا يمشوا مع بعض.
ببطء
وبحذر
خطوة
وبعدها خطوة تانية.
كان جدي بيتحرك على قد ما رجله تسمح له، وملك كانت ماشية جنبه بنفس سرعته، من غير ما تستعجله ولا تسيبه لحظة.
كانت بتبص له بابتسامة مليانة فخر، وهو مركز قدامه، وكل اللي شاغله إنه يوصل بيها لنهاية الملعب.
وفجأة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه أبدًا!
واحد من المزارعين الكبار اللي يعرفوا جدي من عشرات السنين وقف من مكانه.
وبعده وقف راجل تاني.
وبعدين واحدة من الأمهات، وبعدها مجموعة من الطلاب والمدرسين.
وفي ثواني، ناس كتير في الصالة كلها وقفوا احترامًا للحاج محمود وملك.
كنت حاسة إن دموعي هتنزل من كتر التأثر.
بنتي اللي اتوجعت من كلام أحمد، كانت ماشية دلوقتي جنب راجل كبير في السن، شايف إن وجوده جنبها واجب وحب، مش مجرد لقب.
لكن وسط كل التصفيق ده، لاحظت إن أحمد وقف جنبي فجأة.
الغريب إنه ما صفقش زي باقي الناس.
كان واقف وعينيه مثبتة على ملك وجدي.
فكه كان مشدود، وإيده اتمسكت بالسور المعدني اللي جنب المدرجات.
أنا عارفة النظرة دي كويس.
على مدار تسع سنين من جوازنا، ما شفتهاش على وش أحمد غير لما يكون بيستعد يعمل حاجة هو نفسه خايف منها.
بص لي مرة واحدة.
وبعدين رجع بص لبنتي.
وفجأة، ومن غير ما يقول أي كلمة، بدأ ينزل أول درجة من المدرجات ناحية الملعب.
وقتها، قلبي بدأ يدق بسرعة.
يا ترى أحمد قرر يعمل إيه؟ وهل أخيرًا فهم حجم الوجع اللي سببه لملك؟
اللي حصل بعد كده غيّر كل حاجة 
يتبع في الجزء الثاني
الجزء التاني القرار اللي أخده أحمد قدام الصالة كلها خلّى ملك تعيط! 
أحمد نزل أول درجة من المدرجات، وبعدها التانية، وأنا كنت متابعة كل حركة بيعملها ومش فاهمة هو ناوي على إيه.
كان فيه حاجة اتغيرت في ملامحه، حاجة عمري ما شفتها فيه بالشكل ده قبل كده.
في الوقت ده، ملك وجدي كانوا قربوا يوصلوا لنص الملعب.
جدي كان بيتحرك ببطء شديد، وكل شوية يثبت عصايته على الأرض عشان يحافظ على توازنه. وملك كانت ماسكة إيده بإيد، وفي الإيد التانية الوردة الحمرا اللي هتقدمها لشخص غالي عليها.
لما وصلوا لنص الملعب، ملك وقفت وبصت لجدي.
قالت له بصوت واطي، لكنه كان مليان حب
تعبت يا جدو؟ ممكن نرتاح شوية لو رجلك وجعاك.
جدي ابتسم لها وقال
أنا تعبت من حاجات كتير في حياتي يا بنتي، لكن عمري ما هتعب من إني أكون جنبك في يوم زي ده.
ملك ما قدرتش تتمالك دموعها.
قربت منه، وبصت في عينيه وقالت
أنا كنت خايفة محدش ييجي معايا النهارده.
جدي هز راسه بحنان وقال
طول ما أنا عايش، مش هخليكي تحسي إنك لوحدك.
الكلمات دي وصلت لأحمد، اللي كان لسه بينزل من المدرجات.
وفجأة، وقف مكانه.
حط إيده على السور المعدني، ونزل راسه للحظات، كأنه بيحاول يستوعب الكلام اللي سمعه.
وبعدها كمل طريقه ناحية الملعب.
واحد من المنظمين شافه، فافتكر إنه عايز يروح يقعد في مكان تاني، لكن أحمد رفع إيده وقال
لو سمحت، أنا محتاج أتكلم مع بنتي.
الجملة دي خلتني أبص له بصدمة.
بنتي؟
هو نفسه اللي من يومين قال لملك إنه مش أبوها الحقيقي!
أحمد وصل عند مدخل الملعب، ووقف مستني لحد ما ملك وجدي خلصوا المشوار.
ولما المذيع أعلن انتهاء فقرتهم، رجع التصفيق يملأ الصالة من جديد.
ملك كانت لسه ماسكة الوردة الحمرا، ولما شافت أحمد واقف قدامها، ابتسامتها اختفت بالتدريج.
بصت لجدي، وبعدها بصت لأحمد، وقالت بتردد
فيه حاجة يا أحمد؟
أحمد سكت لحظات طويلة.
وبعدين نزل لمستواها، وقال بصوت مسموع للناس القريبين منهم
ملك، أنا عايز أقولك حاجة، وعايزك تسمعيني للآخر.
ملك ما ردتش.
فكمل كلامه
من يومين، لما طلبتي مني أمشي معاكي في الحفل، أنا رفضت. وقلتلك إني مش أبوكي الحقيقي، وإن المشوار ده مش مكاني.
بلع ريقه، وبص ناحية جدي اللي كان واقف مستند على عصايته.
لكن وأنا شايف جدك النهارده، فهمت إني كنت غلطان في حاجة مهمة جدًا.
ملك فضلت باصة له من غير ما تتكلم.
أحمد كمل
أنا كنت فاكر إن الأبوة معناها إن الواحد يكون أبوكي بالاسم، أو إن الناس تعترف بيه كأبوكي. لكن جدك وراني النهارده إن الأبوة الحقيقية معناها إنك تكون موجود لما حد محتاجك، حتى لو وجودك صعب عليك.
جدي بص له بهدوء، لكنه ما اتدخلش.
أحمد رجع بص لملك، وعينيه بدأت تلمع بالدموع.
أنا مش هطلب منك تنسي كلامي، ومش هقولك إنك لازم تسامحيني. أنا بس عايزك تعرفي إنك طول التسع سنين اللي فاتوا كنتِ جزء من حياتي، وأنا اللي فشلت أوصلك الإحساس ده بالطريقة الصح.
ملك بدأت تعيط، لكنها فضلت ساكتة.
وبعدين أحمد مد إيده ناحية جيبه، وطلع علبة صغيرة.
لما فتحها، ظهر جواها دبوس فضي صغير على شكل وردة.
وقال لها
كنت شاريهولك من أسبوع، وكنت ناوي أديهولك بعد الحفل. لكن بعد اللي حصل، عرفت إن الهدية ملهاش أي قيمة لو أنا مش قادر أكون الشخص اللي تستحقيه في حياتك.
ملك بصت للعلبة، وبعدها رفعت عينيها له.
وسألته بصوت مكسور
طب ليه رفضت تمشي معايا من الأول؟
أحمد نزل عينيه للأرض.
ولأول مرة، ما حاولش يبرر موقفه ولا يلوم الظروف.
قال لها
لأني كنت بفكر في نفسي أكتر ما كنت بفكر فيكي. ودي غلطة أنا المسؤول عنها.
الصالة حواليهم كانت هادية بشكل غريب، والناس اللي كانوا قريبين منهم سكتوا، كأن كل واحد فيهم مستني يسمع رد ملك.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما حصلتش.
جدي، اللي كان واقف جنبهم، قرب خطوة من أحمد وقال له
يا ابني، الاعتراف بالغلط بداية كويسة، لكن اللي يثبت إنك اتغيرت هو اللي هتعمله بعد النهارده.
أحمد هز راسه وقال
عندك حق يا حاج محمود.
وبعدين بص لملك وسألها
ينفع أطلب منك طلب؟
ملك مسحت دموعها، لكنها ما جاوبتش.
أحمد مد إيده ناحية الوردة الحمرا اللي كانت ماسكاها وقال
أنا عارف إنك كنتِ مجهزة الوردة دي لحد مهم في حياتك. ومش هطلب منك تديني إياها، ولا هطلب منك تسامحيني دلوقتي. أنا بس عايز أقولك إني هحاول أكون جدير بالثقة اللي كنتِ بتديهالي طول السنين

تم نسخ الرابط