الكارت اترفض حكايات_ميراا حصري
من تسعة بالليل.
المكتبة كانت صغيرة، وواجهتها الخشبية باين عليها أثر السنين. فوق الباب لافتة مكتوب عليها مكتبة الأمانة.
أول ما دخلنا، خرجت ست كبيرة من ورا المكتب.
كانت هي نفسها الست اللي ظهرت في الصورة.
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
أخيرًا يا ندى أخيرًا جيتي.
سألتها وأنا متوترة
حضرتك تعرفي أبويا من زمان؟
ابتسمت بحزن.
أبوكي كان من أجدع الناس اللي عرفتها. عمره ما طلب مني أخبي حاجة إلا لما كان عنده سبب يخاف على أصحابها.
دخلت أوضة صغيرة في آخر المكتبة، وفتحت دولابًا خشبيًا قديمًا، وطلعت صندوقًا بنيًا عليه قفل صغير.
وبعدين مدت إيدها ليا.
المفتاح ده أبوكي سابهولي، وقال لي ما أسلموش غير لبنته بنفسها.
مسكت المفتاح، وإيدي كانت بتترعش.
فتحت الصندوق.
جواه كانت فيه تلات حاجات ظرف أبيض، وشهادة ميلاد أصلية، ودفتر قديم مليان أرقام وتواريخ.
أحمد قرب مني، لكن ما لمسش أي ورقة.
قلتله
أنا هفتح الظرف الأول.
كان مكتوب عليه بخط أبويا
إلى بنتي ندى لما تعرفي الحقيقة، ماتخليش الخوف يمنعك من إنك ترجعي الحق لأصحابه.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ بصوت مسموع.
بنتي الحبيبة ندى،
لو إنتِ بتقرئي الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أوفي بوعدي وأحكيلك كل حاجة بنفسي.
من سنين طويلة، ساعدت في حماية طفلة اتعرض حقها للضياع بسبب خلاف عائلي كبير. أم الطفلة كانت خايفة عليها، وطلبت مني أحتفظ بمستندات تثبت هويتها، لحد ما تكبر وتقدر تعرف الحقيقة.
مريم المنشاوي كانت بتحاول توصل للطفلة دي، وفضلت سنين تدور عليها.
لكن بعد ما اكتشفت إن فيه اختلافات في الحسابات القديمة، بدأت تخاف إن الموضوع مش مجرد خطأ في الأوراق.
عشان كده احتفظت بنسخ من المستندات، وطلبت مني أحافظ عليها.
يا ندى، أنا ماكنتش غني، وماقدرتش أساعدك بكل اللي كنت أتمنى أقدمهولك، لكن كنت عايز أسيبلك حاجة أهم من الفلوس دليل يثبت إن الحق مهما اتأخر، لازم يرجع لصاحبه.
دموعي نزلت على الورقة.
أبويا كان شايل السر ده لوحده طول السنين دي كلها، وأنا عمري ما تخيلت إنه كان جزءًا من حكاية بالحجم ده.
قلبت الصفحة، ولقيت سطرًا أخيرًا
أما اسم صاحبة الحق، فهتلاقيه في شهادة الميلاد المرفقة. لكن ماتاخديش أي قرار قبل ما تتأكدي من المستندات عند محامٍ مختص.
مديت إيدي لشهادة الميلاد.
أحمد كان واقف جنبي، وملامحه متوترة.
أول ما قرأت الاسم، رفعت عيني له.
اسم الطفلة كان مريم إبراهيم عبدالسلام.
أحمد اتجمد مكانه.
مريم؟ نفس اسم مراتي؟
الست الكبيرة هزت راسها.
أيوه، لكن مش مراتك يا أحمد. دي بنت أختها، اللي العيلة اتقال لها إنها ماتت بعد الولادة.
أحمد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
يعني مريم كانت بتدور على بنت أختها طول السنين دي، وكانت عارفة إنها ممكن تكون عايشة؟
الست ردت
كانت عندها أدلة قوية، لكنها ماقدرتش توصل لكل الحقيقة قبل وفاتها.
المحامي، اللي كان وصل قبل دقائق، بدأ يفحص المستندات بعناية.
وبعد مراجعة أولية، قال
الورق ده مهم جدًا، لكنه محتاج مراجعة رسمية للتأكد من صحته وربطه بالسجلات الأصلية. والأرقام الموجودة في الدفتر ممكن تساعدنا نفهم إيه اللي حصل للحساب القديم.
فتحنا الدفتر.
كان فيه سجل بالمبالغ اللي اتدفعت على مدار سنين، وتواريخ تحويلات، وأسماء أشخاص.
لكن في آخر صفحة، ظهر اسم اتكرر أكتر من مرة.
محمود المنشاوي.
أحمد رفع رأسه بسرعة.
محمود كان مسؤولًا عن الحسابات وقتها!
المحامي رد بحذر
ده مش دليل كافي على ارتكاب مخالفة، لكنه سبب واضح لمراجعة التحويلات والمستندات الأصلية.
وفجأة، سمعنا صوت خبط على باب المكتبة.
الست الكبيرة راحت تفتح، وبعد ثواني رجعت وملامحها متغيرة.
محمود هنا.
أحمد وقف فورًا.
دخل محمود، وبص للصندوق المفتوح، وبعدها وجّه كلامه ليا
كنت عارف إنك هتوصلي للمكان ده في يوم من الأيام.
قلتله بغضب
إنت ليه حاولت تاخد الصندوق من صاحبة المكتبة؟ وإيه علاقة اسمك بالحساب القديم؟
محمود ما ردش مباشرة، لكنه بص لأحمد وقال
أنا حاولت أحمي العيلة من فضيحة، مش أكتر.
أحمد رد بحزم
حماية العيلة مش معناها إننا نخبي مستندات تخص حقوق الناس.
محمود اتنهد وقال
إنت مش فاهم. الحساب القديم اتفتح بقرار من والدك، وكان فيه أموال مخصصة لرعاية الطفلة. بعد وفاة والدك، حصلت تغييرات في الإدارة، وفيه مستندات اتنقلت من مكانها.
المحامي سأله
هل عندك مستندات تثبت إن الأموال اتصرفت وفقًا للغرض المخصص ليها؟
محمود سكت.
وبعدين قال
المستندات الأصلية موجودة في أرشيف الشركة. كنت ناوي أراجعها قبل الاجتماع.
أحمد بصله بحدة.
يبقى بكرة هنعرض كل المستندات على المحامي ومجلس الإدارة، وهنعرف الحقيقة كاملة.
محمود بدا عليه القلق، لكنه ما اعترضش.
قبل ما يمشي، بصلي وقال
ندى، فيه حاجة إنتِ لسه ماتعرفيهاش عن أبوكي.
سألته
إيه هي؟
رد بعد تردد
أبوكي ماكانش مجرد موظف ساعد طفلة في المستشفى. هو كان الشخص اللي أنقذ عيلتنا من قرار كان ممكن يدمّر مستقبلنا كلنا. ووالدي كان مدين له بجميل كبير.
وبعدين بص لأحمد وقال
عشان كده لازم تسمع مني قبل اجتماع بكرة، مش من الورق بس.
ومشي.
فضلنا ساكتين بعد ما خرج.
كنت فاكرة إننا قربنا نوصل لنهاية الحكاية، لكن واضح إن كل إجابة كانت بتفتح بابًا جديدًا.
وفجأة، موبايلي رن.
كانت جارتي أم إيمان.
يا ندى، معلش، عايزة أطمنك على ليلى وسلمى. بس فيه ست جات تسأل عن ليلى بالاسم، وقالت إنها من طرف عيلة المنشاوي!
قلبي وقع.
قالتلك إيه؟
ردت
قالت إن عندها معلومة مهمة تخص شهادة ميلاد ليلى، وإنها لازم تقابلك قبل اجتماع الشركة بكرة.
قفلت المكالمة، وبصيت لأحمد بقلق شديد.
إيه علاقة بنتي ليلى بشهادة ميلاد قديمة تخص عيلة المنشاوي؟
وهل الموضوع كله مجرد تشابه في الأسماء، ولا فيه سر تاني لسه ماحدش كشفه؟
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة داخل الصندوق؛ ورقة عليها توقيع مريم المنشاوي، وتحت التوقيع جملة واحدة
لو وصلت ندى للحقيقة، لازم تعرف إن الشخص اللي بتدور عليه مش هو الشخص اللي الكل فاكره.
يتبع في الجزء السابع
الجزء السابع شهادة ميلاد ليلى كشفت سرًّا قلب الحكاية كلها!
فضلت باصة لأحمد، وأنا بحاول أفهم إيه علاقة بنتي الرضيعة بكل اللي بيحصل.
قلتله بقلق
أنا مش فاهمة حاجة. ليلى مالها بكل ده؟ دي بنتي، وأبوها سابني قبل ما تتولد، وأنا عمري ما سمعت اسم عيلة المنشاوي غير من يوم ما قابلتك!
أحمد رد بهدوء
عشان كده لازم نعرف مين الست اللي راحت تسأل عنها، لكن من غير ما نصدق أي كلام قبل ما نتأكد منه.
المحامي جمع المستندات وحطها في ملف، وبعدها قال
بكرة الصبح هنراجع شهادة ميلاد ليلى، ونتأكد إن مفيش أي خطأ أو مستند مزور اتقدم باسمها. وفي نفس الوقت، هنطلب مراجعة رسمية للحساب القديم.
رجعت البيت وأنا مشغولة البال.
أول ما دخلت، سلمى جريت عليّا وقالت
ماما، فيه طنط جات تسأل عن ليلى، وقالت إنها تعرف عمو أحمد!
نزلت لمستواها وسألتها
قالتلك حاجة تانية يا حبيبتي؟
هزت راسها.
لأ، بس سابت ظرف عند طنط أم إيمان وقالت تديهولك.
أخدت الظرف من جارتي وفتحته.
جواه صورة قديمة لست شابة شايلة طفلة رضيعة، وعلى ظهر الصورة مكتوب
إلى ابنتي، لو الأيام فرقت بينا، أتمنى تلاقي يومًا الشخص اللي يقدر يحكيلك الحقيقة كاملة.
ماكانش فيه اسم، ولا تاريخ، ولا أي معلومة تانية.
لكن في أسفل الصورة كان فيه ختم مستشفى قديم.
وفي نفس اللحظة، وصلني اتصال من أحمد.
ندى، أنا راجعت نسخة من ملف مريم اللي كانت عندي في البيت. فيه رسالة بخط إيدها بتتكلم عن بنت أختها، وبتقول إنها كانت بتحاول توصل لها قبل وفاتها.
سألته بسرعة
وهل جابت سيرة ليلى؟
مش بالاسم، لكن فيه تاريخ مهم في الرسالة. تاريخ ميلاد الطفلة اللي كانت بتدور عليها قريب جدًا من تاريخ ميلاد ليلى.
حسيت بالخوف، لكني تماسكت.
أحمد، أنا مش هسمح لحد يدخل بنتي في أي مشكلة لمجرد إن فيه تشابه في التواريخ.
رد بحزم
وأنا مش هطلب منك غير إننا نتأكد من الحقيقة. لو مفيش علاقة، هنقفل الموضوع. ولو فيه خطأ في المستندات، لازم نعرفه بالطريقة القانونية.
تاني يوم الصبح، قابلته في مكتب المحامي.
كانت فاطمة موجودة، ومعاها صاحبة مكتبة الأمانة، اللي جابت سجلًا قديمًا كانت محتفظة بنسخة منه.
المحامي بدأ يقارن التواريخ والأسماء، وبعد شوية رفع رأسه وقال
فيه اختلاف واضح بين تاريخ الميلاد المكتوب في نسخة المستشفى والتاريخ الموجود في سجل الحساب القديم. لكن ده لوحده مش كفاية لإثبات أي صلة قرابة.
أحمد سأل
نقدر نعرف الحقيقة إزاي؟
بمراجعة السجلات الرسمية، والتواصل مع الجهات المختصة، ولو ظهرت أدلة تستدعي فحصًا للقرابة، ممكن يتم ده بإجراء قانوني مناسب وموافقة أصحاب الشأن.
فاطمة كانت ساكتة طول الوقت، لكنها فجأة طلعت ورقة صغيرة من شنطتها.
فيه حاجة أنا ماقلتهاش لكم.
بصينا لها كلنا.
قالت بصوت متردد
قبل وفاة مريم بشهر، جتلي في المستشفى، وسلمتني نسخة من خطاب كانت ناوية تبعته لأختها. قالتلي إنها أخيرًا وصلت لمعلومة ممكن تساعدها تلاقي بنت أختها.
أحمد اتوتر.
والخطاب ده فين؟
فاطمة ردت
أنا احتفظت بنسخة منه، لأن مريم طلبت مني ما أضيّعوش مهما حصل.
طلعت الخطاب وفتحته.
كان مكتوب فيه
أختي العزيزة،
أنا مش عارفة إذا كان الوقت اتأخر، لكني مش هبطل أدور على بنتك. وصلتني معلومات جديدة عن الشخص اللي أخدها من المستشفى، وعرفت إن أبو ندى إبراهيم كان له دور مهم في حمايتها.
لو قدرت أوصل لندى، يمكن أقدر أوصل للحقيقة اللي عيلتنا فضلت تهرب منها سنين.
أحمد قرأ الخطاب مرتين، وبعدها قال
يعني مريم كانت عارفة إن أبو ندى يقدر يساعدها!
فاطمة هزت راسها.
أيوه، لكن ماعرفتش توصل لكل المستندات قبل ما تتوفى.
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح.
دخل محمود، ومعاه ملف كبير.
بص لأحمد وقال
أنا جبت المستندات الأصلية من أرشيف الشركة، زي ما وعدتك.
أحمد رد ببرود
حطها على المكتب يا محمود. المحامي هيراجعها.
محمود حط الملف، وبعدها بصلي وقال
ندى، أنا مدين لأبوكي باعتذار، حتى لو هو مش موجود عشان يسمعه.
استغربت كلامه.
اعتذار عن إيه؟
قعد محمود، وبدأ يحكي.
من أكتر من عشرين سنة، حصل خلاف كبير بين والد أحمد وأخت مريم بخصوص مستقبل الطفلة. والد أحمد كان شايف إن الأفضل إن البنت تتربى بعيد عن مشاكل العيلة، لكن أخت مريم رفضت. ولما حصلت مشكلة في المستشفى، اتقال إن الطفلة ماتت، وأبوكي اكتشف إنها لسه عايشة.
سألته
وإنت كنت تعرف؟
محمود بص للأرض.
عرفت بعد سنين، لما استلمت مسؤولية جزء من الحسابات القديمة. وكان المفروض أراجع كل المستندات وأوصلها لأصحاب الحق، لكني أجلت الموضوع، وخفت إن مراجعة الحساب تكشف أخطاء مالية حصلت وقت الإدارة القديمة.
المحامي قاطعه
أي خطأ مالي لازم يتراجع بالمستندات، وأي حق يثبت لازم يرجع لصاحبه.
محمود هز راسه.
أنا موافق. وعشان كده جبت كل الأوراق.
أحمد بص لأخوه طويلًا، وبعدها قال
هنراجع كل حاجة، ولو ثبت إن فيه حقوق ضاعت، هنعمل اللازم. لكن
مفيش حاجة هتتخبى تاني.
بدأ المحامي يراجع الملفات، وفجأة توقف عند شهادة قديمة.
لحظة واحدة الورقة دي فيها اسم الشخص اللي استلم الطفلة من المستشفى.
قربنا كلنا.
كان الاسم مكتوبًا بخط واضح
إبراهيم عبدالسلام.
لكن تحت الاسم، كان فيه توقيع تاني، وتاريخ مختلف عن التاريخ الموجود في باقي المستندات.
المحامي بص لمحمود وقال
التوقيع ده مش موجود في النسخ السابقة. لازم نتحقق من مصدره.
محمود اتغير لونه.
أحمد سأله
إنت تعرف التوقيع ده؟
محمود سكت لحظة، وبعدها قال
أيوه ده توقيع والدنا.
الصمت ملأ المكتب.
أحمد مسك الورقة وقال
يعني أبويا كان عارف إن الطفلة عايشة؟
محمود رد بصوت منخفض
أيوه. وعشان كده أنا كنت خايف من فتح الملف، مش بس بسبب الحسابات، لكن لأن فيه قرار قديم اتاخد من غير ما كل أفراد العيلة يعرفوا الحقيقة.
قبل ما أحمد يقدر يسأله أي سؤال تاني، المحامي لاحظ وجود ورقة صغيرة مدسوسة داخل الملف.
فتحها، وقرأ السطر المكتوب فيها.
وبعدين بصلي مباشرة وقال
ندى، فيه اسم هنا لازم تعرفيه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
اسم مين؟
رفع الورقة وقال
الاسم الموجود في سجل المستشفى مش اسم الطفلة اللي خرجت منه ده اسم أختها التوأم!
أحمد وقف من مكانه، وفاطمة شهقت، ومحمود غمض عينيه كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
لكن أنا ماقدرتش أتكلم.
لأن المحامي قلب الورقة، وظهر في ظهرها اسم واحد بس.
اسم أم الطفلتين واللي كان مطابقًا لاسم الست اللي خلفت ليلى!
يا ترى إيه علاقة أم ليلى بالتوأم اللي اختفى من المستشفى؟ وهل كل اللي عرفناه عن ماضي عيلة المنشاوي كان مبنيًا على هوية غلط من البداية؟
يتبع في الجزء الثامن