الكارت اترفض حكايات_ميراا حصري
الجزء الأول الكارت اترفض قدام الكاشير، وبنتي الصغيرة سألتني سؤال كسر قلبي لكن الراجل الغريب اللي دفع الحساب سابلي شيك غيّر حياتنا!
في الليلة اللي قابلت فيها أحمد المنشاوي، كان فاضل في كارت البنك بتاعي ١٨٦ جنيه بس، وبنتي الرضيعة بتعيط من الجوع في حضني، وبنتي التانية اللي عندها ٣ سنين بتسألني ليه الكاشير بيشيل علبة اللبن بتاعة أختها الصغيرة من على الحساب.
كانت الساعة قربت من عشرة بالليل، والمطر مغرق شوارع طنطا. كنت مستنية لحد الوقت ده لأن جارتي كانت هتعدّي عليا بعد شغلها وتوصلني للسوبر ماركت. أنا ماكانش عندي عربية، وكل جنيه بصرفه في المواصلات كان معناه إن فيه حاجة تانية لازم أستغنى عنها من طلبات البيت.
وفجأة، ماكينة الدفع طلعت رسالة تم رفض العملية.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
فتحت تطبيق البنك على موبايلي، رغم إني كنت عارفة كويس إني مش هلاقي معجزة.
الفلوس ما كانتش مكفية.
بصيت للكاشير وقلتله وأنا بحاول أتماسك
معلش، شيل علبة اللبن الصناعي من الحساب، لو سمحت. أنا حسبتها غلط.
الكاشير شال العلبة بهدوء.
في اللحظة دي، بنتي الكبيرة، سلمى، شدت في كم البلوزة الوردية القديمة اللي كنت لابساها، وبصتلي بعيون بريئة وقالت
ماما، يعني ليلى مش هتشرب لبن النهارده؟
السؤال ده وجعني أكتر من رسالة رفض الدفع نفسها.
نزلت لمستواها وبصيت في عينيها.
لأ يا حبيبتي، ليلى هتشرب اللبن. ماما هتتصرف.
لكن الحقيقة إني ماكنتش عارفة هتصرف إزاي.
ليلى كان عندها حوالي خمس شهور، وأبوها سابني قبل ما تتولد. وبعد ما رجعت من إجازة الولادة بتلات أسابيع، عيادة الأسنان اللي كنت بشتغل فيها قفلت فجأة.
سنين وأنا بنظم المواعيد، وبراجع ملفات المرضى، وبنسق شغل الموظفين والموردين، لكن كل ما أقدم على شغل جديد كنت بكتب في السيرة الذاتية إني مجرد موظفة استقبال، لأن ده كان المسمى المكتوب في عقد شغلي القديم.
كل تحويشة كنت جمعتها راحت بين الإيجار، والحفاضات، والدكاترة، والأكل.
وفجأة، سمعت صوت راجل من ورايا بيقول
بعد إذنك، ممكن أشتري علبة اللبن للبنت الصغيرة؟
لفيت وبصيتله.
كان راجل في منتصف الأربعينات تقريبًا، لابس بالطو غامق وأنيق، وجزمته باين عليها إنها غالية جدًا، وساعته لوحدها يمكن تمنها أكتر من كل اللي في شقتي.
أول رد فعل جه في بالي إني ضميت شنطتي ليا.
شكرًا لحضرتك، مش محتاجة.
قال بهدوء
أنا مش قصدي أضايقك.
رديت بسرعة
إحنا هنبقى كويسين.
كدبت، وكنت عارفة إني بكدب.
بص الراجل لليلى اللي بدأت تعيط أكتر.
إنتِ مش مضطرة تطلبي مني حاجة. أنا اللي بعرض أساعدك.
هزيت راسي بالرفض.
كنت اتعلمت إن المساعدة ساعات بتتحول لدَين، حتى لو مفيش إيصال يثبت ده.
لكن سلمى بصت لعلبة اللبن اللي الكاشير حاططها بعيد عن باقي الطلبات، وقالت بصوت واطي
ماما
غمضت عيني للحظة.
وبعدين قلت للراجل
علبة اللبن بس، لو سمحت.
ابتسم وقال
علبة اللبن بس.
لكن بعد خمس دقايق، كان دفع تمن اللبن والحفاضات والفواكه والكورن فليكس والفراخ، وكل حاجة تقريبًا كانت في العربية.
بصيتله بصدمة وقلت
أنا قلت لحضرتك علبة اللبن بس!
الكاشير ابتسم وقال
ساعات لازم نسمح للناس تعمل خير، يا مدام.
كنت عايزة الأرض تنشق وتبلعني من الإحراج.
أما سلمى، فقربت من الراجل وشدت في كم بالطوه وسألته
هو حضرتك بتساعد الناس؟
نزل لمستواها وقال
أعتقد إني لسه بتعلم أعمل كده.
سلمى ابتسمت وقالتله
أنا سلمى، ودي ماما، والبنوته دي أختي ليلى. هي بتعيط كتير عشان لسه صغيرة.
ضحك الراجل ضحكة غريبة، كأنها كانت غايبة عنه من سنين.
وقال
عندها عذر مقبول جدًا.
اسمه كان أحمد المنشاوي.
بره السوبر ماركت، المطر كان لسه بينزل بغزارة. ولما شافني أنا وبناتي متجهين لموقف المواصلات وإحنا شايلين الأكياس، أصر إنه يطلب لنا عربية مناسبة للأطفال.
وافقت في الآخر، لأن سلمى كانت تعبانة لدرجة إنها بقت مش قادرة تقف كويس.
أحمد ركب عربيته ومشي ورانا لحد البيت عشان يساعدني في توصيل الطلبات.
شقتي كانت صغيرة وبسيطة. مطبخ قديم، وترابيزة بتتقفل، وكنبة مستعملة، ورسومات سلمى متعلقة على التلاجة بمغناطيسات صغيرة.
وأنا بحضر الرضعة، ليلى فضلت تعيط من الجوع لدرجة إن إيدي بدأت تترعش.
ولما أخيرًا بدأت تشرب اللبن، أنا اللي عيطت.
عيطت في صمت وأنا باصة ناحية رخامة المطبخ، عشان الراجل الغريب ما ياخدش باله.
لكنه أخد باله.
ومقالش ولا كلمة.
ودي كانت أول حاجة خلتني أحترمه.
قبل ما يمشي، طلع كارت من محفظته ومدهولي.
كان مكتوب عليه
أحمد المنشاوي المدير التنفيذي لشركة المنشاوي للاستثمار العقاري.
قال لي
لو تحبي، ممكن أبص على سيرتك الذاتية وأساعدك تجهزي لمقابلات الشغل.
رفعت حاجبي باستغراب.
حضرتك بتدير شركة عقارات؟
أيوه.
بصيت للأكياس على الترابيزة وسألته
وكنت بتشتري عشا مجمد من سوبر ماركت الساعة عشرة بالليل؟
فضل باصصلي ثانيتين، وبعدها ضحك.
واضح إني بعرف أدير العقارات أحسن ما بعرف أنظم وقتي!
مش عارفة إيه اللي خلاني أسأله السؤال اللي بعده
حضرتك عايش لوحدك؟
ابتسامته اختفت تدريجيًا، وملامحه اتغيرت.
من ساعة ما مراتي توفت.
حسيت إني اتدخلت في حاجة شخصية، فقلت بسرعة
أنا آسفة، ماكنتش أقصد.
رد بهدوء
اسمها مريم. كنا متجوزين ١٤ سنة.
بص لرسومات سلمى المعلقة على التلاجة، وسكت شوية، وبعدين قال
كنا نفسنا يبقى عندنا أطفال، وكنا دايمًا بنقول لسه فيه وقت.
الصمت اللي نزل بينا المرة دي كان مختلف.
ما بقيتش شايفة قدامي راجل غني عنده شركة وعربية غالية.
بقيت شايفة إنسان فقد حاجة غالية عليه، ولسه بيحاول يتعلم يعيش من غيرها.
أحمد فتح شنطته الجلد.
افتكرت إنه هيطلع ورقة تخص الشغل أو كارت تاني.
لكنه طلع دفتر شيكات.
كتب مبلغ، ووقّع، وبعدها زحلق الشيك على الترابيزة ناحيتي.
أول ما شفت الرقم، حسيت إني نسيت أتنفس.
٢٢٠ ألف جنيه!
بصيت للشيك، وبعدها بصيتله وقلت بسرعة
لأ، مستحيل!
زقيت الشيك ناحيته.
يا أستاذ أحمد، أنا ماقدرش أقبل حاجة زي دي. حضرتك أصلًا ماتعرفنيش!
رجّع الشيك قدامي وقال
أنا عارف إنك بتعملي كل اللي تقدري عليه عشان بناتك.
صوتي بدأ يعلى من الصدمة
ده مبلغ ٢٢٠ ألف جنيه!
عارف.
أنا ماقدرش آخدهم منك!
رجّع الشيك قدامي مرة تانية، وقال بصوت هادي
يبقى ماتعتبريش إني بديكي فلوس.
عقدت حواجبي وسألته
أعتبر إيه يعني؟
بص لليلى اللي كانت نامت أخيرًا في حضني، وقال
اعتبري إني بشتري لك وقت.
فضلت باصة له من غير ما أفهم.
فكمل كلامه
وقت تدفعي فيه الإيجار من غير خوف. وقت تدوري فيه على شغل يناسب خبرتك الحقيقية، مش مجرد المسمى المكتوب في عقدك القديم. وقت تقعدي فيه مع بناتك ليلة كاملة من غير ما تحسبي تمن كل لقمة بياكلوها.
حسيت إن دموعي هتنزل من جديد.
سألته بصوت مبحوح
ليه تعمل كل ده عشان واحدة ماتعرفهاش؟
بص ناحية سلمى، اللي كانت قاعدة على الأرض بتاكل حتة عيش، وقال
مراتي مريم كانت دايمًا بتقول إن الفلوس مالهاش قيمة لو الإنسان اتعود مايبصش للي محتاج مساعدة قدامه.
سكت لحظة، وبعدين كمل
والليلة دي، لأول مرة من سنين، حسيت إني برجع أبقى الشخص اللي كنت عليه قبل ما أخسرها.
بصيت للشيك.
وبعدين بصيت لبناتي.
وفكرت في كل ليلة نمت فيها وأنا خايفة من بكرة، وكل مرة كنت بضحك قدام سلمى عشان ما تحسش إني مش عارفة هجيب لها أكل منين.
وفي الآخر، مدّيت إيدي وأخدت الشيك.
كنت فاكرة إن اللحظة دي هي اللي هتغير حياتنا إحنا التلاتة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه، إن الشيك ده ماكانش مجرد مساعدة من راجل غريب ده كان بداية حكاية هتغيّر حياة أحمد المنشاوي نفسه، وهتكشف سرًّا من ماضيه ماكانش يتخيل إنه هيظهر في يوم من الأيام!
يتبع في الجزء التاني
الجزء التاني الشيك اللي غيّر حياتي كشف سرًّا محدش كان يتخيله!
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت سلمى وهي بتنده عليّا من جنب السرير.
ماما، هو الراجل الطيب اللي جه امبارح هيرجع تاني؟
ابتسمت وأنا بشيل ليلى من سريرها الصغير.
معرفش يا حبيبتي، ليه بتسألي؟
ردت ببراءة
عشان أقوله شكرًا، وأديله الرسمة اللي رسمتهاله.
بصيت للرسمة اللي كانت ماسكاها. كانت راسمة راجل طويل واقف جنب بيت، وحواليه تلات أشخاص صغيرين، وكاتبة تحتهم بخطها المتلخبط عمو أحمد الطيب.
حسيت بغصة في حلقي.
أنا نفسي ماكنتش عارفة إذا كنت هشوف أحمد تاني ولا لأ.
بعد ما البنات فطروا، حطيت الشيك في ظرف وقفلت عليه كويس، ونزلت البنك أتأكد إنه حقيقي.
كنت خايفة أفرح، وبعدها أكتشف إن الموضوع كله كان مجرد وهم.
الموظف أخد الشيك، وراجع البيانات على الكمبيوتر، وبعد دقايق بصلي باستغراب.
حضرتك تعرفي الأستاذ أحمد المنشاوي شخصيًا؟
اتوترت وقلت
قابلته امبارح بالصدفة في السوبر ماركت.
بص للشيك مرة تانية، وبعدين قال
المبلغ كبير، بس الشيك سليم. الأفضل تتبعي إجراءات الإيداع المعتادة، والبنك هيوضح لك ميعاد إتاحته بعد المراجعة.
خرجت من البنك وأنا مش مصدقة إن اللي حصل حقيقي.
لأول مرة من شهور، قدرت أتنفس من غير ما أحس إن فيه جبل فوق صدري.
لكن بدل ما أروح أشتري حاجات لنفسي، رجعت البيت وفتحت كشكول قديم، وكتبت كل التزاماتي الإيجار المتأخر، ومصاريف البنات، والفواتير، واحتياجات البيت.
كنت عايزة أستخدم الفلوس بعقل، مش أضيّعها لمجرد إني أخيرًا بقي معايا مبلغ كبير.
وبعد الضهر، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت راجل هادي
مساء الخير يا أستاذة ندى، أنا أحمد المنشاوي. أتمنى ماكونش أزعجتك.
قلبي دق بسرعة.
لأ طبعًا، اتفضل يا أستاذ أحمد.
كنت عايز أسألك سؤال، لو مش هيضايقك.
اتفضل.
سكت ثواني، وبعدها قال
إنتِ قلتيلي امبارح إنك اشتغلتي سنين في عيادة الأسنان، وكنتِ مسؤولة عن تنظيم الشغل والموظفين والملفات، صح؟
أيوه.
طيب، ليه بتقدمي على وظائف استقبال بس؟
اتنهدت وقلت
عشان ده اللي مكتوب في عقدي القديم، ومعنديش شهادة تثبت إني كنت مسؤولة عن الإدارة. وكل ما أقدم على وظيفة أحسن، بيطلبوا خبرة موثقة أو حد يزكيني.
رد بسرعة
طب لو قلتلك إن عندي وظيفة ممكن تناسبك؟
اتعدلت في قعدتي.
وظيفة إيه؟
محتاج حد ينظم الملفات والعقود ومواعيد الموظفين في الشركة. بس مش هعيّنك لمجرد إني ساعدتك. هتعملي مقابلة، ولو أثبتي إنك مناسبة، الوظيفة من حقك.
المرة دي، حسيت إن كرامتي رجعت تقف على رجليها.
قلتله بحماس
أنا موافقة أعمل مقابلة، وهثبت لحضرتك إني أقدر أشتغل كويس.
ضحك وقال
ده بالضبط اللي كنت عايز أسمعه. بكرة الساعة عشرة، لو يناسبك.
بعد ما قفلنا، فضلت باصة للموبايل وأنا مبتسمة.
لكن فرحتي ماكملتش خمس دقايق.
جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غالية، وباصصلي بنظرة حادة.
إنتِ ندى؟
أيوه، حضرتك مين؟
طلع محفظته، ووراني بطاقة تعريف.
محمود المنشاوي، المدير المالي لشركة المنشاوي.
وبعدين قال جملة خلت الابتسامة تختفي من وشي
أنا جاي أتكلم معاكي بخصوص الشيك اللي أخدتيه من أحمد امبارح.
قلبي اتقبض.
في حاجة غلط في الشيك؟
رد ببرود
المشكلة مش في الشيك. المشكلة إنك ماتعرفيش إنتِ دخلتي نفسك في إيه.
حسيت بالخوف، لكني وقفت قدامه وقلت