فرح ابني حكايات ميراا حصري
كنت ناوية أستخبى في آخر الكنيسة يوم فرح ابني عشان فستاني كان قديم ..بس أول ما عروسته شافت الفستان الأخضر اللي كنت لابساه وقفت مراسم الجواز، واللي حصل بعدها خلّى الكنيسة كلها تنفجر في العياط
اسمي تريزا جرجس وعندي 58 سنة، وطول عمري تقريبًا ببيع خضار في سوق شعبي في إسكندرية
أنا ربيت ابني لوحدي من غير أب يساعدني ولا حد يشيل عني مسؤولية تربيته
ابني مارك هو كل حاجة ليا في الدنيا، وهو أغلى ما عندي، وربّيته من فلوس بيع الطماطم والبصل والفلفل وأي خضار كنت بقدر أوفره قبل ما الشمس تطلع
سنين طويلة كنت بصحى الساعة تلاتة الفجر، وأشيل أقفاص الخضار التقيلة بإيديا اللي اتملت بالتشققات من كتر الشغل، وأستحمل برد الشتا وهوا إسكندرية اللي بيكون قارس في عز الشتا، والمطر اللي كان بيغرّق هدومي، وأفضل واقفة في السوق لحد ما جسمي ينهار من التعب
وكل ده كان علشان ابني يعيش حياة أحسن من الحياة اللي أنا عشتها
والحمد لله ده اللي حصل فعلًا
مارك خلص كليته واشتغل في شركة محترمة، وبدأ يبني لنفسه مستقبل مختلف تمامًا عن حياتي اللي كلها تعب وشقا
وفي يوم رجع البيت وهو مبتسم ابتسامة عمري ما أنساها، ومن قبل حتى ما يتكلم عرفت إن في حاجة حلوة حصلت له
بصلي وقال وهو مش قادر يخبي فرحته
يا ماما أنا عايز أعرفك على واحدة
ضحكت من قلبي وقلت له
يا خبر أبيض يا مارك هو أنا هفضل مستنية اليوم ده لحد إمتى؟ طب يلا يا سيدي وريني البنت اللي خلتك تضحك الضحكة دي كلها
وبعد كام يوم اتعرفت على ماريان
ماريان كانت مختلفة عني في كل حاجة تقريبًا
شيك وهادية وكلامها موزون، ومن النوع اللي تحسي إنه اتربى في بيت واسع وكل حاجة فيه في مكانها، والناس بتتكلم فيه عن الشغل والاستثمارات والسفر وكأن دي أبسط حاجات في الدنيا
باباها اسمه جورج، رجل أعمال معروف، ومامتها نادية دكتورة، وحياتهم كانت مريحة ومستقرة بطريقة أنا عمري ما عرفتها
أما أنا فكنت ست بسيطة، إيديا خشنة من الشغل، وهدومي على قد إمكانياتي، ووشي الحفر اللي سابتها سنين الشمس والتعب
في الأول خفت أكون سبب في إحراج مارك قدام أهل ماريان
وخفت ماريان نفسها تبص لإيديا المتشققة وهدومي البسيطة، وتحس في سرها إن خطيبها كان يستحق يتجوز واحدة من عيلة أحسن
لكن الغريب إن ماريان عمرها ما عاملتني بالطريقة دي
كانت كل ما تشوفني تسلم عليا بحب، وتبوسني وتقول لي يا طنط تريزا بابتسامة حلوة
ولا مرة حسستني إني أقل منها، حتى في الأيام اللي كنت أنا نفسي ببص فيها لنفسي وأحس إني مش قد المقام
عدت الأيام، وقبل الفرح بتلات شهور، مارك جه لي السوق وهو فرحان بشكل مش طبيعي
قرب مني وأنا برتب الخضار وقال
يا ماما خلاص حددنا معاد الفرح، هنتجوز في شهر سبتمبر
حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه من الفرحة
ابني اللي شقيت علشانه عمر كامل، واللي كنت بشوفه وهو بيكبر قدام عيني وأنا بحلم باليوم اللي أشوفه فيه عريس، أخيرًا هيتجوز ويعمل بيت لنفسه
دعيت له من قلبي وقلت
ربنا يتمملك على خير يا حبيبي، ويجعل أيامك كلها فرح، ويكرمك ببنت الحلال اللي تصونك وتكون ليك سند
لكني بعد الفرحة على طول حسيت بحاجة تانية تقيلة على قلبي
القلق
كان في سر محدش يعرفه غيري، وكنت مكسوفة حتى أفكر فيه
أنا معنديش فستان يليق بيا في فرح ابني
فضلت أيام أحاول أطرد الفكرة من دماغي، لكن كل ما أعدي من قدام محلات اللبس في وسط البلد في إسكندرية، عيني كانت بتروح غصب عني للفترينات
كنت بشوف فساتين زرقا رقيقة، وفساتين بلون الشامبين، وفساتين بسيطة وأنيقة، وفساتين تانية متزينة بالدانتيل والتطريز اللامع
كنت أقف قدامها شوية وأتخيل نفسي لابسة فستان جديد في أهم يوم في حياة ابني
أتخيل إني داخلة الفرح وأنا رافعة راسي، وإن الناس تبصلي وتقول إن أم العريس ست جميلة وأنيقة
لكن بعد شوية كنت بفوق من أحلامي وأكمل طريقي
لأني كنت عارفة كويس إن الفساتين دي أغلى من قدرتي بكتير
كل جنيه كنت بكسبه كان بيروح للإيجار والأكل وفواتير البيت، وقبل كل ده مصاريف مارك أيام دراسته
كنت بدفع له تمن الكتب والمواصلات ومصاريف الكلية، ولو احتاج فلوس زيادة كنت أضغط على نفسي وأوفرها له حتى لو فضلت أنا من غير حاجة
كنت دايمًا أقول لنفسي إن المهم ابني يتعلم ويقف على رجليه، أما أنا فمش مهم
وعشان كده عمري ما كان عندي فلوس زيادة أشتري بيها فستان للفرح
وفي ليلة وأنا بقلب في صندوق خشب قديم تحت السرير، عيني وقعت على حاجة بقالي سنين طويلة ما فتحتهاش
كان فستان
فستان أخضر
الفستان كان بسيط، ولونه بهت مع السنين، والتطريز اللي على صدره كنت مخيطاه بإيدي من زمان
مكانش فخم ولا على الموضة، وبالتأكيد مكانش مناسب لفرح مليان ناس من عائلات غنية ولبس غالي وديكورات فخمة
لكنه كان بالنسبالي أكتر من مجرد فستان
ده كان جزء من عمري
لبسته يوم ما مارك اتولد، وكنت وقتها ست صغيرة شايلة طفلها وبتحلم إنها تقدر توفر له حياة كريمة
ولبسته تاني يوم ما اتخرج من الجامعة
فاكرة اليوم ده كويس، لما مارك خرج من الكلية بالشهادة في إيده، وجري عليا وهو بيقول
يا ماما نجحت... خلاص يا ماما أنا اتخرجت
وقتها حضنته وعيطت من الفرحة، ونسيت كل السنين اللي قضيتها في الشقا
كل ما كنت أبص للفستان الأخضر، كنت بشوف حياتنا كلها قدامي
الجوع اللي استحملناه في الأيام الصعبة
والخوف من بكرة
وأيام الشغل الطويلة اللي كنت برجع منها مش قادرة أحرك رجلي
والانتصارات الصغيرة اللي كانت بتخليني أحس إن تعبي ما راحش على الفاضي
والدعوات اللي كنت بقولها في الضلمة وأنا نايمة على سريري، أتمنى ربنا يفتحها في وش ابني ويعوضه عن كل حاجة اتحرم منها
ومهما كانت الدنيا بتضيق علينا، كان جوايا أمل عمره ما مات
ومع ذلك، الحقيقة فضلت زي ما هي
الفستان كان قديم
قديم أوي
حاولت أستلف فساتين من الجيران، لكن ولا فستان فيهم كان مناسب ليا
واحد كان ضيق عليا من عند الصدر، والتاني كان واسع من عند الكتاف، والتالت لما لبسته حسيت إني واحدة بتحاول تقلد حد تاني مش هي
ودي كانت أكتر حاجة ضايقتني
أنا مش عايزة أروح فرح ابني وأنا حاسة إني متنكرة في لبس مش شبهي
ولا عايزة ألبس حاجة تخليني أحس إني بحاول أظهر إني من طبقة اجتماعية غير الطبقة اللي اتولدت وعشت فيها
أنا تريزا جرجس، ست بسيطة اشتغلت بإيدي وربت ابنها بالحلال، ومش محتاجة أتظاهر إني حد تاني
وفي النهاية أخدت قراري
هلبس الفستان الأخضر
مش غرور ولا عشان كنت شايفة إنه أجمل فستان في الدنيا
لكن لأنه كان الحاجة الوحيدة اللي لما بلبسها بحس إني أنا
بحس إني شايلة جوايا كل الذكريات اللي عشتها مع ابني، وكل خطوة مشيناها سوا لحد ما وصل لليوم ده
وجِه يوم الفرح
اليوم اللي الكنيسة كانت متزينة فيه بالورد الأبيض، والموسيقى الهادية مالية المكان، وكل حاجة فيه جميلة لدرجة تخلي الواحد يخاف حتى يتنفس بصوت عالي
الكنيسة كانت تحفة
الورد متوزع على جانبي الممر، والشموع منورة جنب الهيكل، والضيوف داخلين ببدل مفصلة على مقاسهم، وكرافتات حرير، وفساتين لامعة، وريحة عطور غالية مالية المكان
كل واحد كان باين عليه إنه متعود على النوع ده من المناسبات، وعلى الحياة اللي الفلوس بتخليها سهلة ومريحة
وبعدين جيت أنا
أول ما دخلت من باب الكنيسة، حسيت بنظرات الناس بتتوجه ناحيتي
في ناس ابتسمت ابتسامة مجاملة، لكن الفضول كان واضح في عينيهم
وفي ناس قربوا من بعض وبدأوا يهمسوا، وهم بيبصوا على فستاني الأخضر القديم
وأنا كنت سامعاهم، حتى لو مش فاهمة كل كلمة بيقولوها
حسيت بقلبي بينقبض، وإيدي بتشد على شنطتي الصغيرة
كنت نفسي أرجع وأمشي، أختفي قبل ما حد يشوفني، وأبعت لمارك أقوله إني تعبانة ومقدرتش أحضر
لكن إزاي أعمل كده؟
ده فرح ابني الوحيد
اليوم اللي استنيته طول عمري
رفعت راسي بالعافية، وابتسمت لنفسي ابتسامة صغيرة، وقلت وأنا بداري وجعي
معلش يا تريزا... المهم مارك يكون مبسوط
وبهدوء مشيت لآخر الكنيسة، واختارت كرسي بعيد عن الممر، علشان محدش يركز معايا، وعلشان أقدر أشوف ابني وهو بيتجوز من غير ما أكون سبب في إحراجه قدام أهل عروسته
مكنتش أعرف إن الفستان الأخضر القديم اللي كنت بحاول أخبيه عن عيون الناس، هو نفسه اللي هيوقف الفرح كله بعد دقائق قليلة
ومكنتش أعرف إن اللحظة اللي كنت خايفة فيها من نظرات الناس، هتكون اللحظة اللي عمري كله هيتغير فيها للأبد الجزء التاني وبقية القصة هينزلوا باول تعليق. اكتب تم واعمل لايك وشير واللى ما وصلش للباقى يكتب اكمل. تفاعلكم بيساعد القصة توصل للكل. شكراً لدعمكم. مشيره محمد الجزء التاني الفستان الأخضر اللي وقف فرح مارك وكشف سر محدش كان يتخيله!
كنت قاعدة في آخر الكنيسة، حاطة شنطتي الصغيرة على رجلي، وبحاول أتماسك علشان محدش يلاحظ إني على وشك العياط.
كنت شايفة مارك واقف قدام الهيكل ببدلته السودا الأنيقة، وشكله كان يخطف القلب. ابني اللي شوفته بيكبر قدام عيني، واللي عشت عمري كله أشتغل علشانه، بقى عريس أخيرًا!
أما ماريان، فكانت واقفة بفستانها الأبيض، وشكلها كان زي الأميرات.
ابتسمت وأنا ببص لهم، وقلت لنفسي
الحمد لله يا رب... كفاية عليا إني شوفته بالمنظر ده قبل ما أموت.
لكن فجأة، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها أبدًا.
ماريان كانت بتبص لقدام، وبتسمع كلام القس، وفجأة عينيها اتحركت ناحية آخر الكنيسة.
ناحيتي أنا.
في البداية افتكرت إنها بتدور على حد من أهلها، لكن لقيتها بتبصلي بتركيز شديد، وكأنها شافت حاجة مش قادرة تصدقها.
ابتسامتها اختفت.
وشها اتغير، وإيديها بدأت ترتعش وهي بتبص على الفستان الأخضر اللي كنت لابساه.
وبعدين، من غير أي مقدمات، رفعت إيدها وقالت بصوت واضح
استنوا! من فضلكم، محدش يكمل!
الموسيقى سكتت فجأة.
كل الناس بصوا لبعض باستغراب، ومارك لف ناحيتها وقال بقلق
ماريان، مالك؟ حصل إيه؟
لكنها ما ردتش عليه.
رفعت طرف فستانها الأبيض ومشت بسرعة ناحية آخر الكنيسة، والناس كلها بتتابعها في صمت.
وأنا أول ما شوفتها جاية ناحيتي، قلبي وقع في رجلي.
قلت لنفسي
يا نهار أبيض! هو أنا عملت إيه؟ يا ترى الفستان ضايقها؟ يمكن مش عايزاني أحضر فرحها أصلًا!
حاولت أقوم من مكاني وأعتذر لها، لكن رجلي ما شالتنيش من شدة التوتر.
وفجأة، ماريان وقفت قدامي مباشرة.
بصت للفستان الأخضر، وبعدين رفعت عينيها لوشي، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
قالت بصوت متقطع
طنط تريزا... الفستان ده إنتِ عندك من إمتى؟
اتلخبطت من سؤالها، ورديت عليها بصوت واطي
من سنين يا بنتي... ده فستان قديم عندي، كنت محتفظة بيه من أيام ما مارك كان صغير.
حطت إيدها على بقها، وكأنها سمعت خبر غيّر حياتها في ثانية.
وبعدين سألتني
إنتِ اللي خاطياه بإيدك؟
بصيت للتطريز اللي على صدر الفستان، وقلت لها
أيوه يا حبيبتي، أنا اللي عملت التطريز ده زمان. مكنش عندي فلوس أشتري فستان جديد، فكنت بصلح هدومي وأجددها بإيدي.
في اللحظة دي، ماريان بدأت تعيط.
مش دمعتين وخلاص، لأ... كانت بتعيط بطريقة خلت كل اللي في الكنيسة يسكتوا تمامًا.
مارك وصل عندنا بسرعة، وبص لماريان بذهول.
ماريان! إنتِ بتعيطي ليه؟ ماما قالت لك حاجة ضايقتك؟
هزت راسها بالنفي، وبعدين بصت له وقالت
مارك، أنا لازم أحكيلك حاجة... بس قبل ما أقولها، محتاجة أسأل والدتك سؤال أخير.
وبعدين رجعت بصتلي وقالت
يا طنط تريزا، الفستان ده كان معاكي يوم ما ولدتي مارك؟
اتسمرت مكاني.
السؤال كان غريب جدًا، وملوش أي علاقة بالفرح، لكن رديت عليها
أيوه يا بنتي... كنت لابساه يوم ما رجعت من المستشفى بعد ولادته. ليه بتسألي؟
ماريان قعدت على أقرب كرسي، وفضلت تبص للفستان كأنها بتحاول تجمع ذكرياتها.
وبعد لحظات، قالت بصوت مليان وجع
علشان أنا أعرف الفستان ده كويس جدًا... وأعرف التطريز اللي عليه، والخيط الأخضر الغامق اللي مستخدم في حافته، وحتى العلامة الصغيرة اللي جنب الكم الشمال.
بصيت ناحية الكم بسرعة.
كانت فيه فعلًا علامة صغيرة، مكان غرزة اتفكت من سنين وأنا مصلحتهاش كويس.
لكن إزاي ماريان تعرف كل ده؟!
سألتها وأنا مش فاهمة
إنتِ شفتي الفستان ده قبل كده فين يا بنتي؟
ماريان رفعت عينيها ليا، وقالت الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتلف بيا
علشان الفستان ده مرتبط بأهم يوم في حياة عيلتي... واليوم اللي بابا وماما عمرهم ما قدروا ينسوه.
مارك بص لها بصدمة.
إنتِ تقصدي إيه؟!
ماريان مسحت دموعها، وبعدين طلبت من والدها جورج إنه ييجي عندنا فورًا.
جورج كان واقف في أول صف، ولما شاف بنته بتعيط، قرب بخطوات سريعة.
ماريان، في إيه؟ ليه وقفتي المراسم؟
لكن أول ما عينيه وقعت على الفستان الأخضر، وقف مكانه كأنه اتسمّر في الأرض.
وشه شحب، وبصلي بنظرة مليانة دهشة، وبعدين قال بصوت مهزوز
مستحيل... معقول تكوني إنتِ؟
أنا ما فهمتش قصده، وقلت له
أيوه يا أستاذ جورج، أنا تريزا، أم مارك. هو فيه إيه؟
جورج ما ردش.
طلع موبايله بإيد بتترعش، وفتح صورة قديمة جدًا، وبعدين قربها مني.
كانت صورة لست شابة لابسة فستان أخضر شبه فستاني بالضبط!
نفس اللون، ونفس التطريز، ونفس العلامة الصغيرة اللي جنب الكم!
لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في الفستان نفسه...
المفاجأة كانت في الكلام اللي قاله جورج بعدها.
بص لماريان، وبعدين بصلي وقال
يا مدام تريزا، من أكتر من تلاتين سنة، حصل موقف في عيلتنا غيّر حياتنا كلها. ومن يومها وإحنا بندور على ست كانت لابسة الفستان الأخضر ده... ست عملت معانا معروف عمرنا ما قدرنا نردّه.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
تلاتين سنة؟!
أنا كنت فاكرة إن الفستان مجرد ذكرى من حياتي مع ابني، لكن واضح إن وراه