الساعة 3 الفجر حكايات_ميراا حصري
الساعة 3 الفجر بنتي صاحيتني وقالت بابا، عمو في أوضتي مع إننا دفناه من 3 سنين!
الجزء الأول الراجل اللي رجع من الموت!
بابا، عمو أحمد دخل أوضتي من الشباك تاني بس ماما بتقول إنه مات! طب إزاي لسه بييجي لما هي بتنزل من البيت نص الليل؟
الكلمات دي خلت الدم يتجمد في عروقي، وحسيت بخوف عمري ما حسيت بيه حتى في أصعب المواقف اللي قابلتني في حياتي.
أنا اسمي محمود عبد الرحمن، عندي 39 سنة، وبشتغل مهندس متخصص في فحص الكباري والمنشآت. بقالي 15 سنة بفحص طرق وكباري ومباني ممكن تنهار بسبب عيب صغير محدش واخد باله منه.
كنت فاكر إني بعرف أكتشف الخطر قبل ما يحصل.
لحد الليلة دي.
كانت الساعة 3 و دقيقة الفجر، لما بنتي ليلى، اللي عندها 6 سنين، ظهرت جنب سريري وهي حضنة الأرنب اللعبة بتاعها. كانت لابسة بيجامة صفرا، ورجليها ساقعين جدًا.
بصيتلها باستغراب وسألتها
إنتِ قلتي إيه يا حبيبتي؟
قالتلي بصوت واطي
عمو أحمد في أوضتي. النهارده كان بيعيط، وقاللي أجيلك وأصحّيك.
مديت إيدي ناحية الناحية التانية من السرير.
مراتي منى ما كانتش موجودة.
مخدتها كانت ساقعة، وموبايلها كمان اختفى من على الكومودينو.
حاولت أتماسك وقلتلها
يا ليلى، إنتِ عارفة إن عمو أحمد مات من 3 سنين.
بنتي قطبت حواجبها وقالت باستغراب
ماما هي اللي بتقول كده، بس هو بييجي من زمان يا بابا. بيجيبلي حلوى ويحكيلي حواديت، وبيقولي ما ننورش النور.
حسيت بقشعريرة ماشية في جسمي كله.
أحمد كان أخو مراتي الكبير، يعني أخو منى، وكان واحد من أقرب الناس ليا.
من 3 سنين، عربيته عدّت الحاجز بتاع كوبري قريب من بحيرة قارون، ووقعت في الميه. فرق الإنقاذ لقوا العربية، لكن جثته ما ظهرتش أبدًا.
عملناله جنازة بتابوت فاضي.
منى فضلت تعيط أسابيع طويلة، وأنا بنفسي ساعدتها نحط صورته جنب مكان العزا.
ودلوقتي بنتي بتقولي إن الراجل اللي اعتقدنا إنه مات بيدخل أوضتها من الشباك!
بصيتلها وقلتلها بهدوء
خليكِ هنا يا حبيبتي، وماتخرجيش من الأوضة.
خرجت من السرير ومشيت في الطرقة من غير ما أولّع النور.
باب أوضة ليلى كان مفتوح سنة صغيرة.
وكان فيه ريحة غريبة جاية من جوه، شبه ريحة الخشب المبلول والهدوم اللي اتنقعت في الميه.
زقيت الباب براحة.
الشباك كان مفتوح.
وقدامه كان واقف راجل طويل ونحيف بشكل مخيف، لابس جاكيت قديم.
أول ما لف وشه ناحيتي، حسيت إن رجلي مش شايلااني، واضطريت أتمسك في حلق الباب.
عينيه كانت مألوفة بالنسبالي بشكل مستحيل.
صرخت من غير ما أحس
أحمد؟!
كان مطوّل دقنه، ووشه اتغير، وظهرت ندبة جنب فكه، لكن ملامحه كانت هي هي.
كان هو نفس الراجل اللي دفناه من 3 سنين!
بصلي بسرعة وقال
محمود، والنبي ما تعليش صوتك!
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت حاسس إنه هيخرج من صدري.
صرخت فيه بصوت مكتوم
إنت كنت فين كل السنين دي؟! وإزاي لسه عايش؟!
رد بسرعة
الحكاية طويلة، ومفيش وقت أحكيهالك دلوقتي.
بص ناحية الشارع، وبعدها رجع بصلي وقال
منى هترجع كمان شوية. عايزك تمثل إنك نايم لما تدخل.
مسكته من دراعه وسألته
ليه؟! وإيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟!
بصلي بجدية وقال
عشان الراجل اللي بقاله أسابيع بيضغط عليك علشان توافق على استلام الممشى الجديد عند المرسى، هو نفسه اللي حاول يقتلني!
اتجمدت مكاني.
وسألته وأنا مش مصدق اللي بسمعه
تقصد عادل الشناوي؟!
هز راسه بالموافقة.
عادل كان شريكه القديم، وصاحب شركة كبيرة لبناء المراسي، ومن أشهر رجال الأعمال في المنطقة.
كمل أحمد كلامه بسرعة
بكرة قبل ما تروح شغلك، هتلاقي بيت بابه أخضر على الطريق ناحية الفيوم. اسأل على الحاجة فاطمة، وأنا هكون هناك.
مسكته تاني وسألته
استنى! ومراتي؟ إيه علاقتها بكل ده؟!
أحمد نزل عينيه للأرض، وسكت لحظات قبل ما يرد
قبل ما تعرف أي حاجة عني، لازم تكتشف هي بتقضي ساعات الفجر فين.
وقبل ما أقدر أسأله سؤال تاني، طلع من الشباك واختفى فوق السطح.
فضلت واقف مكاني مش قادر أستوعب اللي حصل.
الراجل اللي حضرت جنازته بإيدي لسه عايش!
ومراتي بتخرج من البيت في نص الليل من غير ما أعرف!
والأخطر من كل ده إن فيه حد حاول يقتل أخوها، والحد ده لسه موجود وسطنا!
الساعة كانت قربت من تلاتة وخمسة وأربعين دقيقة، لما سمعت صوت الباب الرئيسي وهو بيتفتح.
منى رجعت البيت بهدوء، ودخلت الأوضة ونامت جنبي، وبعدها همست بصوت خافت
سامحني يا محمود.
كانت فاكرة إني نايم.
تاني يوم الصبح، استنيت لحد ما دخلت تستحمى، وبعدها دخلت أوضة ليلى.
لقيتها بتبصلي بقلق، وفجأة طلعت علبة أحذية صغيرة كانت مخبياها تحت السرير.
فتحتها، ولقيت جواها عشرات الرسومات، وشوية حلوى، ومفتاح صغير مصنوع من النحاس.
مسكت الرسومات واحدة واحدة.
كل رسمة كان مكتوب عليها تاريخ.
وأقدم رسمة فيهم كان تاريخها من حوالي 22 شهر!
يعني أحمد كان بييجي لبنتي من قبل ما أبدأ أشك في أي حاجة.
لكن الكارثة الحقيقية كانت في آخر رسمة.
الرسمة كانت مصورة أحمد وهو واقف جنب عربية بيضا، وفي الناحية التانية راجل تاني.
وتحت الرسمة، بخط ليلى الصغير، كانت كاتبة
عمو أحمد قالي إن عمو عادل مينفعش يعرف إنه لسه عايش!
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد سر عائلي.
وإن فيه حاجة خطيرة مستخبية ورا اختفاء أحمد، وإن مراتي عارفة أكتر بكتير من اللي بتقوله.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن السر ده ممكن يعرّض حياة ناس كتير للخطر وإن أقرب الناس ليا ممكن يكونوا جزء من الحكاية!
يا ترى أحمد اختفى كل السنين دي ليه؟ وإيه اللي حصل فعلًا ليلة حادثة العربية؟ وليه منى بتنزل من البيت كل يوم في نص الليل من غير ما جوزها يعرف؟
النهاية هتكشف سر محدش كان يتخيله!
الجزء التاني السر اللي مراتي مخبياه عني من 3 سنين!
فضلت باصص للرسمة اللي في إيدي، وأنا حاسس إن كل حاجة حواليا بتنهار.
عادل الشناوي الراجل اللي كنت بعتبره صاحب عمري، واللي بيضغط عليّا بقالي أسابيع علشان أمضي على تقرير سلامة الممشى الجديد، هو نفسه اللي حاول يقتل أحمد!
بس السؤال اللي كان بيجنني منى كانت عارفة إن أخوها عايش؟ وليه مخبية عني الحقيقة؟
خبيت الرسومات والمفتاح النحاسي في جيبي، وناديت على بنتي ليلى.
يا حبيبتي، عمو أحمد كان بيجيلك إمتى بالظبط؟
ليلى بصت ناحية باب الأوضة، وبعدها قربت مني وهمست
بالليل، لما ماما بتلبس وتخرج. ساعات بتقعد معاه بره، وساعات بتقوله إن بابا بدأ يشك.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يعني ماما عارفة إنه عايش؟
هزت راسها وقالت
أيوه يا بابا، بس عمو أحمد قالي ما أقولش لحد، عشان فيه ناس وحشة بتدور عليه.
حضنت بنتي وقلتلها إنها عملت الصح لما حكتلي، وبعدها خرجت من الأوضة وأنا بحاول أتصرف طبيعي.
بعد شوية، منى خرجت من الحمام وبدأت تجهز الفطار.
بصتلها كويس.
نفس الوش اللي عشت معاه سنين، ونفس الست اللي كنت فاكر إني عارف عنها كل حاجة.
لكن دلوقتي بقيت حاسس إني عايش مع واحدة غريبة.
سألتها وأنا بصب الشاي
نمتي كويس امبارح؟
إيدها وقفت لحظة، وبعدها ردت
أيوه، ليه بتسأل؟
أصل صحيت بالليل وما لقيتكيش جنبي.
حاولت تبتسم وقالت
كنت عند ماما. تعبانة شوية، وكنت بطمن عليها.
كدبت!
أنا عارف إن أمها مسافرة عند أختها في إسكندرية من أسبوع.
ومع ذلك، ما واجهتهاش.
ابتسمت وقلت
ربنا يطمنك عليها.
لكن جوايا كنت باخد قرار إني مش هسيب الحقيقة مستخبية أكتر من كده.
الساعة تسعة الصبح، ركبت عربيتي واتجهت ناحية الطريق اللي أحمد وصفهولي.
بعد حوالي ساعة، وصلت لقرية صغيرة قريبة من الفيوم، وفضلت أسأل عن البيت اللي بابه أخضر.
لحد ما راجل كبير في السن أشارلي على بيت قديم في آخر شارع ضيق.
نزلت من العربية وخبطت على الباب.
فتحتلي ست كبيرة، شعرها أبيض وملامحها فيها شجن.
أول ما قلتلها
أنا محمود، وجاي أسأل على الحاجة فاطمة.
بصت ورايا بسرعة، وبعدها فتحت الباب وقالت
ادخل بسرعة، إحنا مش ضامنين مين بيراقبنا.
دخلت، ولقيت أحمد قاعد في أوضة صغيرة، قدامه مجموعة صور وأوراق.
أول ما شافني، قام وقف.
قلتله بعصبية
أنا عايز أفهم كل حاجة من أولها لآخرها! إنت عايش ليه مستخبي؟ وليه أختك مخبية الحقيقة عني؟
أحمد أشارلي أقعد.
من تلات سنين، اكتشفت إن عادل بيستخدم مواد رديئة في بناء المراسي، وبيزوّر تقارير السلامة علشان يوفر فلوس ويكسب مناقصات أكبر.
بصيتله بصدمة.
وإنت عملت إيه؟
واجهته، وقلتله إني هبلغ عنه. بعدها بيومين، فرامل عربيتي اتعطلت وأنا على الكوبري. العربية وقعت في الميه، لكن قدرت أخرج منها قبل ما تغرق، والتيار سحبني بعيد عن المكان.
سكت لحظة، وبعدها كمل
الحاجة فاطمة وابنها لقوني في حالة صعبة، وخبوني عندهم. كنت مصاب، وعادل كان فاكر إني مت. ولما عرفت إنه بيدور على أي دليل يثبت إني عايش، قررت أفضل مستخبي لحد ما أقدر أجمع الأدلة.
سألته
طب ومنى؟ كانت عارفة من إمتى؟
أحمد نزل عينيه وقال
من أول شهر. أنا اللي طلبت منها ما تقولكش، لأني كنت خايف عادل يأذيك أو يأذي ليلى لو عرف إنك بتساعدني.
لكن ليه ما قلتليش إن فيه خطر؟ أنا كنت هقدر أساعدك!
رد بحزن
لأن عادل كان عنده ناس في كل مكان، وحتى بعض الموظفين اللي كنت فاكرهم أمناء كانوا بيوصلوله أخباري.
وبعدين مد إيده ناحية ظرف بني، وطلّع منه صور وأوراق.
بص على دي يا محمود.
مسكت أول صورة، ولقيت عادل واقف قدام الممشى الجديد، وبجانبه مهندس من الشركة.
أما الورقة اللي بعدها، فكانت نسخة من تقرير فني عليه توقيع مزوّر باسمي!
شهقت وقلت
إيه ده؟! ده مش توقيعي!
أحمد هز راسه.
عارف. عادل جهز التقرير ده علشان لو حصل انهيار، المسؤولية كلها تقع عليك. هو عايزك تمضي النسخة الأصلية بكرة، وبعدها هيبقى عنده تقريرين يقدر يتلاعب بيهم.
حسيت بغضب شديد.
يعني