جنازة جدتي، حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

— أستاذ محمود، أرجوك قولّي مين الشخص ده؟ أنا مش قادرة أستحمل أكتر من كده!

المحامي بص ناحية خالتي نادية وقال بهدوء:

— الشخص اللي أخفى الحقيقة عن مريم، واحتفظ بمعلومات كان من حقها تعرفها من سنين، هو...

نادية قاطعته بصراخ:

— إنت كداب! أمي كانت بتكره المشاكل، ومستحيل تكون قالت الكلام ده!

المحامي فتح الملف وطلع منه صورة مستند قديم.

— الورقة دي موجودة في ملف دار الرعاية من سبعتاشر سنة. عليها توقيع، والتوقيع ده محتاج يتراجع مع صاحبه، لكن فيه حاجة تانية أهم.

رفع الورقة قدام الناس وقال:

— فيه حد من العيلة قدّم معلومات غير صحيحة عن ظروف اختفاء مريم، وده عطّل الوصول لوالدتها الحقيقية سنين طويلة.

بصيت لخالتي سوسن، لقيتها بتترعش.

قربت منها وسألتها:

— خالتي، إنتِ تعرفي حاجة عن الموضوع ده؟

ردّت بسرعة وهي بتتهرب من عيني:

— معرفش حاجة يا مريم، والله ما أعرف!

لكن قبل ما تكمل، نادية صرخت فيها:

— كفاية بقى! إنتِ اللي كنتِ مسؤولة عن الورق وقتها!

الكل اتصدم.

سوسن بصت لأختها بصدمة وقالت:

— إنتِ اللي طلبتي مني أوقّع! إنتِ قلتيلي إننا بنحمي العيلة!

حسيت إن الأرض بتلف بيا.

يعني خالاتي كانوا عارفين حاجة عن ماضيّ، وكل واحدة بتحاول ترمي المسؤولية على التانية!

المحامي رفع إيده علشان يوقف الجدال.

— محدش هيتهم حد من غير دليل. المستندات هتتراجع رسميًا، وأي حقيقة هتظهر هتكون بناءً على أدلة واضحة.

وبعدين بصلي وقال:

— لكن فيه حاجة لازم تعرفيها دلوقتي. والدتك البيولوجية عايشة، وإحنا قدرنا نوصل لمكانها من فترة قصيرة. جدتك كانت بتتواصل معاها، وكانت بتجهّز لمقابلة بينكم.

دموعي نزلت بغزارة.

— يعني أمي كانت عايشة طول السنين دي؟ وأنا كنت فاكرة إنها سابتني ومشيت؟!

المحامي هز راسه بأسى.

— للأسف، المعلومات اللي وصلتلها عنك زمان كانت مختلفة عن الحقيقة. هي كانت فاكرة إنك بقيتي في أمان مع أسرة تانية، وإن التواصل معاكي مش ممكن وقتها.

حطيت إيدي على صدري وأنا بحاول أستوعب الكلام.

سبعتاشر سنة وأنا بسأل نفسي مين أمي، وليه سابتني، وهل كانت بتفكر فيا أصلًا!

وفجأة، سمعت صوت ست من ورايا بتقول:

— مريم؟!

لفّيت بسرعة.

كانت ست في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال كحلي، ووشها شاحب من التوتر. كانت ماسكة صورة قديمة بإيديها، وبتبصلي وكأنها مش مصدقة عينيها.

المحامي قرب منها وقال:

— اتفضلي يا مدام فاطمة، زي ما اتفقنا.

الست قربت خطوة، ودموعها بدأت تنزل.

— أنا فاطمة يا مريم... أنا أمك.

رجلي ما بقتش شايلاني.

فضلت باصة لها، بدوّر في ملامحها على أي شبه بيني وبينها.

رفعت إيدي ناحية وشها، لكني وقفت قبل ما ألمسها.

— ليه؟ ليه ما دورتِيش عليّا؟ أنا كنت محتاجاكي طول عمري!

فاطمة انفجرت في العياط وقالت:

— والله يا بنتي، أنا ما نسيتكيش يوم واحد! دورت عليكي سنين، وكل مرة كنت بوصل لطريق مسدود. ولما عرفت إنك اتربيتي في بيت الست إلهام، حاولت أوصل لك، لكن وصلني كلام إنك مش عايزة تعرفيني، وإنك عايشة حياتك ومش محتاجة حد من الماضي!

بصيت ناحية خالاتي.

نادية كانت واقفة ساكتة، وسوسن بتعيط من غير صوت.

فاطمة كملت:

— جدتك هي الوحيدة اللي صدقتني لما رجعت أدور عليكي من جديد. هي اللي ساعدتني أعرف مكانك، وهي اللي قالتلي إنك بنت طيبة وإنك عمرك ما هتسامحي نفسك لو فضلتي فاكرة إن أمك تخلّت عنك بإرادتها.

ما قدرتش أتمالك نفسي، وعيطت وأنا بقول:

— أنا مش عارفة أصدق إيه ولا أعمل إيه!

فاطمة ردّت بحنان:

— مش هطلب منك تسامحيني النهارده، ولا هطلب منك تنسي السنين اللي فاتت. أنا بس عايزاكي تديني فرصة أكون أمك، حتى لو متأخر.

مدّيت إيدي ومسكـت إيدها.

لأول مرة في حياتي، حسيت إن فيه جزء من حكايتي بدأ يرجع لمكانه.

لكن اللحظة دي ما كملتش.

خالتي نادية تقدمت وقالت بعصبية:

— كفاية بقى! حتى لو الست دي أمك، ده مش معناه إن ليكي أي حق في بيت أمي أو فلوسها!

المحامي بص لها باستغراب.

— إحنا لسه ما اتكلمناش عن تقسيم التركة.

نادية ردّت بسرعة:

— وأنا بوضح من دلوقتي إن البيت لينا إحنا البنات!

المحامي فتح ملف تاني وقال:

— طالما فتحتي الموضوع، يبقى لازم أبلغكم إن الحاجة زينب سجّلت وصيتها رسميًا، وطلبت مني أقرأ الجزء الخاص بالبيت والممتلكات بعد الجنازة مباشرة.

سوسن رفعت رأسها فجأة.

— يعني إيه؟ هي كتبت وصية جديدة؟!

المحامي أومأ برأسه.

— وصية موثقة، ومعاها مستندات تثبت إرادتها. والتفاصيل هتتعلن في الوقت القانوني المناسب.

نادية بدأت تتراجع ناحية البوابة، لكن المحامي ناداها:

— مدام نادية، لسه فيه ظرف أخير باسمك، والحاجة زينب طلبت مني أسلّمهولك بعد قراءة رسالة مريم.

نادية وقفت مكانها، ووشها اتغيّر.

— ظرف باسمي أنا؟!

المحامي مد إيده داخل الملف وطلع ظرف أبيض صغير.

كان مكتوب عليه بخط جدتي:

«إلى ابنتي نادية... الحقيقة اللي خبّيتيها عن مريم سنين، جه وقتها يظهر».

نادية بصت للظرف، وبعدين بصتلي، وقالت بصوت مرتعش:

— مريم، اسمعيني... قبل ما تفتحي أي باب في الماضي، لازم تعرفي إن أمك مش هي الشخص الوحيد اللي اتظلم في الحكاية دي!

اتجمدت مكاني.

يا ترى إيه السر اللي خالتي نادية مخبياه؟ وهل فعلًا كانت بتحاول تحميني، ولا كانت بتحمي نفسها؟ 🔥
### الجزء الرابع: الظرف اللي كشف أكبر كدبة في العيلة! 😱🔥

نادية فضلت واقفة مكانها، عينيها متعلقة بالظرف اللي في إيد المحامي محمود، وكأنها خايفة حتى تلمسه.

المحامي مدّ لها الظرف وقال:

— دي رسالة والدتك ليكي، وطلبت مني أسلّمهالك قدام مريم، علشان مفيش حد يقدر ينكر الكلام اللي مكتوب فيها بعد كده.

نادية خطفت الظرف من إيده، وفتحته بسرعة، وبدأت تقرأ.

كل ما كانت بتقرأ سطر، وشها كان بيصفر أكتر.

وفجأة صرخت:

— لأ! الكلام ده مش حقيقي! أمي كانت فاهمة غلط!

سوسن قربت منها وقالت بقلق:

— إيه اللي مكتوب يا نادية؟ ورّيني!

لكن نادية خبّت الورقة ورا ضهرها.

أنا ما قدرتش أستحمل أكتر، فقلت لها:

— كفاية أسرار بقى! أنا عشت سبعتاشر سنة مش عارفة أنا مين، والنهارده عرفت إن أمي كانت بتدور عليّا، وإن فيه ناس من عيلتي كانوا عارفين وساكتين! من حقي أعرف الحقيقة!

المحامي اتدخل وقال بحزم:

— مريم عندها حق. محدش من حقه يخفي عنها معلومات تخص حياتها.

نادية بصتلي، ولأول مرة شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.

قالت بصوت واطي:

— أنا ما كنتش عايزة أأذيكي يا مريم... أنا كنت بحاول أحافظ على البيت.

ضحكت بمرارة وقلت:

— البيت؟! إنتِ طردتيني من البيت اللي عشت فيه مع جدتي، ومنعتيني حتى أودّعها، ودلوقتي بتقولي كنتِ بتحافظي على البيت؟!

سوسن ما قدرتش تسكت أكتر، وقالت وهي بتعيط:

— خلاص يا نادية، كفاية! البنت من حقها تعرف كل حاجة.

وبصتلي وقالت:

— من سنين طويلة، لما أمك فاطمة بدأت تدور عليكي، نادية عرفت إنها ممكن ترجع وتطالب إنها تشوفك. كانت خايفة إن رجوعها يغيّر كل حاجة في العيلة.

سألتها بصدمة:

— يعني إنتوا كنتوا عارفين مكان أمي؟

سوسن هزت راسها وقالت:

— مش من البداية، لكن بعد سنين عرفنا إنها عايشة، وعرفنا إنها بتحاول توصلك. نادية كانت بتقول إن الأفضل ليكي تفضلي بعيدة عن المشاكل القديمة.

نادية صرخت:

— اسكتي يا سوسن! إنتِ كمان كنتِ موافقة!

سوسن ردت عليها:

— كنت غلطانة، وأنا معترفة بده. لكن مش هفضل أكذب عليها أكتر من كده.

فاطمة، أمي الحقيقية، كانت واقفة جنبي، ودموعها بتنزل في صمت.

مسكت إيدي وقالت:

— يا بنتي، أنا مش عايزاكي تخسري حد بسببي. أنا بس عايزاكي تعرفي إنك عمرك ما كنتِ عبء عليّا، وإن كل يوم عدى من غير ما أشوفك كان وجع في قلبي.

بصيت لها وقلت:

— أنا محتاجة وقت يا أمي. محتاجة أفهم كل اللي حصل.

ابتسمت وسط دموعها وقالت:

— خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. أنا مش همشي من حياتك تاني بإرادتي.

في اللحظة دي، المحامي طلب من الموجودين يهدوا، وطلع ملف كبير من شنطته.

— دلوقتي لازم نوضح نقطة مهمة. الحاجة زينب كانت عارفة إن فيه خلافات على البيت، وعشان كده رتبت كل أوراقها القانونية قبل وفاتها.

نادية رفعت راسها بسرعة.

— البيت ده ملكنا إحنا البنات!

المحامي رد بهدوء:

— ملكية البيت هتتحدد وفق المستندات الرسمية والوصية الصحيحة، ومحدش يقدر يقرر ده بالصوت العالي.

فتح الملف وطلع صورة من عقد ملكية قديم.

— البيت اللي بتتكلموا عنه كان مسجل باسم الحاجة زينب، وفيه تصرفات قانونية عملتها قبل وفاتها لازم تتراجع بالكامل.

نادية بصت للورقة، وبعدين قالت بصوت ضعيف:

— يعني هي كتبت البيت لمريم؟

المحامي ما ردش مباشرة، لكنه قال:

— هنعرف كل التفاصيل لما نراجع المستندات، لكن فيه بند واضح جدًا في وصية الحاجة زينب.

وبدأ يقرأ:

— «أوصي بأن يتم الحفاظ على حق مريم في السكن والأمان، وألا تُجبر على مغادرة المكان الذي عاشت فيه معي بسبب أي خلاف عائلي، مع مراعاة الإجراءات القانونية المنظمة للتركة».

حسيت إن دموعي هتنزل تاني.

جدتي، حتى وهي تحت التراب، كانت لسه بتحاول تحميني.

لكن المحامي قلب الصفحة، وفجأة وقف عن القراءة 

تم نسخ الرابط