ارتفاع 9 آلاف حكايات ميراا حصري
على ارتفاع 9 آلاف متر، ضرب البرق أحد محركات الطائرة، وفي لحظة واحدة تحوّلت الرحلة الفاخرة إلى كابوس مرعب! صرخ قائد الطائرة عبر جهاز الاتصال استغاثة! استغاثة! محتاجين طيار مقاتل فورًا!
قبل دقائق قليلة، كان راجل مليونير قاعد في المقعد 8A، بيتريق على ابني الصغير وبيهينّي قدام الركاب، لمجرد إني أم مطلقة ومسافرة مع ابني لوحدي، وقال إن واحدة زيي ما تستحقش تقعد وسط النخبة.
أنا ما رديتش عليه، واكتفيت إني أبص له بهدوء.
لكن لما 180 راكب بدأوا يصرخوا من الرعب، والطائرة اهتزت بعنف، قررت إن الوقت جه علشان يعرف أنا مين بجد!
خلعت الجاكيت القديم اللي كنت لابساه، وظهرت تحته شارة عسكرية نادرة، خلت المليونير يتجمد في مكانه، ووشه اتقلب من الغرور للرعب!
كنت لسه ماسحة بقايا القهوة اللي سكبها عليّا الراجل المتغطرس، لما بص لي باحتقار وقال
اخرسي يا ست! الأمهات المطلقات اللي زيك مالهمش مكان وسط الناس المحترمة. يمكن تكوني مستخدمة بطاقتك الائتمانية علشان تتظاهري إنك من الطبقة الراقية! ولو ابنك عيّط تاني، هخلي طاقم الطائرة ينزّلك في أول مطار!
مسحت القهوة من على هدومي بهدوء، ورفعت عيني في عينيه، وقلت بصوت ثابت
اربط حزامك كويس يا أستاذ أحمد الديب... ساعات الظروف بتخلّي الناس تعرف حجمها الحقيقي، حتى لو كانوا فاكرين نفسهم فوق الجميع.
ضحك أحمد بسخرية، واتكأ في مقعده، وكأنه كسب المعركة.
لكنه ما كانش يعرف إن الكارثة اللي جاية هتخليه يتمنى لو إنه ما نطقش بكلمة واحدة!
فجأة، شق البرق السما، واهتزت الطائرة بعنف، وبعدها دوّى صوت انفجار مكتوم من ناحية أحد المحركات.
صرخ أحد الركاب
يا نهار أبيض! الطيارة هتقع!
وفي ثوانٍ، اتقلبت المقصورة لفوضى كاملة، وبدأ الأطفال يصرخوا، والركاب يتمسكوا بمقاعدهم، بينما انطلق صوت جهاز الاتصال الداخلي
استغاثة! استغاثة! الطياران فقدا الوعي بسبب الصدمة! هل يوجد على متن الطائرة طيار عسكري مؤهل لقيادة الطائرات في الظروف القتالية؟ أرجوكم، أي حد يقدر يساعدنا يرد فورًا!
في اللحظة دي، بصيت لابني يوسف، اللي كان مرعوب ومش فاهم إيه اللي بيحصل.
ثبّتُّه في مقعده، وتأكدت إن حزام الأمان مربوط بإحكام، وبعدها وقفت بثبات وسط الركاب المذعورين.
فتحت الجاكيت القديم ببطء.
وتحت الهدوم البسيطة، ظهرت شارة القوات الجوية المصرية، ومعاها أوسمة نادرة ما بياخدهاش غير أصحاب المهام الاستثنائية.
أحمد الديب فتح بقه من الصدمة، وعينيه فضلت معلقة بالشارة الذهبية اللي على صدري.
همس بصوت مرتعش
إنتِ... إنتِ مين؟!
ما رديتش عليه.
عدّيت من جنبه، واتجهت ناحية مقدمة الطائرة بخطوات ثابتة، بينما الركاب فتحوا لي الطريق.
وقبل ما أوصل لباب قمرة القيادة، سمعت صوت ابني الصغير بينادي عليّا
ماما... إنتِ هترجعي لي، مش كده؟
وقفت لحظة، وبصيت له بابتسامة حاولت أخبي وراها خوفي، وقلت
طبعًا يا حبيبي. ماما وعدتك إنها هترجع لك.
وبعدها فتحت باب قمرة القيادة، ودخلت المكان اللي كل ثانية فيه كانت ممكن تحدد مصير 180 إنسان.
لكن أول ما عيني وقعت على لوحة العدادات، اكتشفت إن المشكلة أكبر بكتير من مجرد محرك اتصاب بالبرق...
لأن فيه إنذار أحمر ظهر قدامي، والبيانات اللي على الشاشة كشفت إن حد تاني كان ممكن يكون السبب في الكارثة من البداية!
أول ما دخلت قمرة القيادة، سمعت صوت إنذار عالي، وشفت لمبات التحذير بتنور في كل مكان. المحرك الأيمن كان بيفقد قوته، ونظام التحكم الآلي بدأ يفصل واحد ورا التاني!
مسكت جهاز الاتصال وقلت بصوت حاسم
معاكم النقيب مريم منصور، طيارة مقاتلات سابقة بالقوات الجوية المصرية. عايزة تقرير كامل عن حالة الطائرة فورًا!
جالي صوت مضيفة الطيران، واسمها سارة، وهي بتحاول تسيطر على خوفها
يا فندم، الطياران فاقدان الوعي، والطائرة خرجت عن المسار المحدد، والطقس حوالينا بيزداد سوءًا!
رديت فورًا
اسمعيني كويس يا سارة. خلي الركاب يفضلوا في أماكنهم، ويتأكدوا إن أحزمة الأمان مربوطة. ممنوع أي حد يتحرك في الممرات. وعايزة تتواصلي مع مراقبة الحركة الجوية وتبلغيهم إننا في حالة طوارئ.
بدأت أراجع العدادات وأحاول أفهم حجم الضرر. سنين التدريب اللي قضيتها في أصعب الظروف رجعت قدام عيني في لحظة واحدة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما لاحظت إن بعض القراءات مش متوافقة مع مجرد عطل ناتج عن البرق.
كان فيه خلل إضافي في أنظمة الطائرة، ومكنش عندي وقت أضيعه في التخمين.
ضغطت على جهاز الاتصال وقلت
مراقبة الحركة الجوية، هنا الرحلة ٧٢١. نحتاج توجيهًا فوريًا إلى أقرب مطار مناسب، مع دعم كامل من فريق الطوارئ.
جالي الرد بعد لحظات
الرحلة ٧٢١، تم استلام رسالتكم. برجاء تأكيد هوية الشخص المسؤول عن القيادة حاليًا.
قلت بثبات
النقيب مريم منصور. أنا المسؤولة عن التعامل مع حالة الطوارئ داخل قمرة القيادة، وبنسق مع فريق الطائرة والمراقبة الجوية.
وفي الوقت ده، بره قمرة القيادة، كان أحمد الديب واقف مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
من شوية كان بيهينني قدام الناس، ودلوقتي بقى متعلق بأمل إن الست اللي سخر منها تكون السبب في نجاته!
قرب من سارة وسألها بصوت مرتعش
هي فعلًا كانت طيارة عسكرية؟ إزاي واحدة زي دي كانت قاعدة وسطنا طول الرحلة ومحدش يعرف عنها حاجة؟
بصت له سارة بحدة وقالت
دلوقتي مش وقت الأسئلة دي يا فندم. لو سمحت، ارجع مكانك.
لكنه ما اتحركش. فضل باصص ناحية باب قمرة القيادة، وكأنه بدأ يكتشف إنه حكم على إنسانة من شكلها وهدومها، من غير ما يعرف عنها أي حاجة.
وفجأة، وصلني صوت مراقبة الحركة الجوية
النقيب مريم، عندنا تحديث مهم. فيه عاصفة شديدة على المسار الحالي، وأقرب مطار مناسب بدأ يجهز فرق الإنقاذ. لكن عندنا مشكلة إضافية في بيانات الرحلة.
قلبي انقبض للحظة.
إيه المشكلة؟
جاء الرد اللي خلاني أركز في الشاشة من جديد
فيه اختلاف غير مفسر بين بيانات نظام الملاحة والبيانات اللي وصلتنا من الطائرة. محتاجين نعرف إذا كان عندكم أي تحذير إضافي ظاهر على لوحة التحكم.
بصيت إلى العدادات مرة تانية، وبدأت أسجل كل تحذير ظاهر قدامي، من غير ما أستنتج سببًا قبل ما أتأكد.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خبط خفيف على باب قمرة القيادة.
كانت سارة.
فتحت لها الباب بقدر يسمح بالكلام، فقالت بسرعة
يا فندم، فيه راكب مصرّ إنه لازم يكلم حضرتك. بيقول إنه مهندس طيران، وإنه لاحظ حاجة قبل ما المحرك يتعطل.
بصيت لها باستغراب.
اسمه إيه؟
قالت
أحمد الديب.
اتجمدت مكاني لثانية.
نفس الرجل اللي أهانني من دقائق، بقى فجأة بيقول إنه عنده معلومة ممكن تساعدنا في فهم اللي حصل للطائرة!
لكن قبل ما أسمح له بالكلام، سألت سارة
هو قال لك إيه بالضبط؟
ردت وهي بتبص ناحية الممر بقلق
قال إنه شاف راكب تاني خارج من دورة المياه قبل العطل بدقائق، وكان بيتكلم في التليفون وبيقول جملة غريبة كل حاجة هتخلص قبل ما نوصل.
سكتُّ للحظة، ثم قلت بحزم
خليه يفضل في مكانه، ومحدش يلمس أي حاجة أو يتهم أي حد من غير دليل. الأول لازم نضمن سلامة الركاب.
رجعت أركز في الطائرة، لأن إنقاذ 180 إنسان كان أهم من أي لغز.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحدًا
هل كان اللي حصل مجرد حادث مأساوي، ولا إن فيه سر أخطر لسه ما اتكشفش؟
صرخت في جهاز الاتصال عايزة كل المطارات القريبة تكون جاهزة لاستقبالنا! مفيش ثانية واحدة نقدر نضيّعها!
الطائرة كانت بتتهز بعنف، والأمطار بتضرب الزجاج الأمامي،