الجعانين ملهمش مكان حكايات_ميراا حصري
أختي حطّت طبق بنتي اللي عندها 8 سنين على الأرض جنب الكلب، وصرخت وقالت الجوعانين ملهمش مكان على السفرة! أمي انفجرت من الضحك، لكن أول ما بدأت ألمّ الأكل كله، ابتسامتها اختفت...
الجزء الأول
الجعانين ملهمش مكان على السفرة! خلي بنتك تاكل جنب الكلب، أكيد هي متعودة على كده في بيتكم!
أختي الصغيرة ندى قالت الكلام ده قدام تلاتين ضيف، وهي بتحط طبق بنتي اللي عندها 8 سنين على الأرض، بالظبط جنب الطبق اللي كان كلبها الصغير بياكل فيه.
لكن أصعب حاجة ما كانتش كلامها...
أصعب حاجة كانت إني شفت أمي بتضحك!
اسمي مريم، عندي 34 سنة، وأم عايشة لوحدي مع بنتي. بشتغل في مخبز، وبالليل بعمل تورتات وحلويات حسب الطلب عشان أقدر أوفّر مصاريف بنتي سلمى.
عمرنا ما كنا من أصحاب الرفاهية، لكن عمرنا ما نمنا من غير أكل، ولا عشنا من غير حب وحنان.
اليوم ده كنا بنحتفل بعيد ميلاد أمي الستين، وكان اسمها فاطمة.
وعلى مدار تلات أيام، كنت أنا اللي بجهّز تقريبًا كل الأكل اللي هيتقدّم في الحفلة.
يوم الخميس، خلصت شغلي وروحت السوق على طول. اشتريت اللحمة، ومكونات المحشي، والفراخ، والخضار، والجبن، وكل حاجة محتاجاها عشان أجهّز الأكل والمقبلات.
يوم الجمعة، فضلت أطبخ لحد بعد نص الليل.
ويوم السبت، من الساعة خمسة الصبح، كنت واقفة بكمّل تورتة من تلات أدوار، مزينة بورود بالكريمة، ومكتوب عليها
كل سنة وإنتِ طيبة يا أمي، وعقبال 100 سنة.
صرفت على كل ده حوالي ستة آلاف جنيه.
وده كان تقريبًا نص المرتب اللي بقبضه في الشهر!
لكن كل اللي كان يهمني إني أشوف أمي مبسوطة.
قبلها بأسبوع، أمي كانت اتصلت بيا وقالت
يا مريم، إنتِ هتتولي موضوع الأكل كله، صح؟ أصل ندى مشغولة جدًا بعيالها والتزاماتها.
وكالعادة، وافقت من غير ما أفكر مرتين.
ندى وصلت الحفلة بفستان دهبي، وجزمة جديدة، وشنطة تمنها غالبًا أغلى من تمن التلاجة اللي عندي في البيت!
كانت معاها جوزها كريم، وولادها الاتنين، وكلبها الصغير الأبيض اللي اسمه توتو.
وفي الوقت اللي هي كانت واقفة تستقبل المجاملات على شكلها ولبسها، كنت أنا لسه بدخل وأخرج من المطبخ عشان أخلّص تجهيز الأكل.
واحدة من الجيران بصّت على السفرة وقالت بإعجاب
يا سلام يا فاطمة! كل الأكل ده تحفة! إنتِ اللي عملاه بنفسك؟
أمي ابتسمت وقالت بكل ثقة
آه، حاجة بسيطة كده! إنتوا عارفين إني بحب أكرم ضيوفي.
ولا حتى جابت سيرتي!
أما سلمى، فكانت فرحانة بيا جدًا.
قضت الصبح كله بتساعدني أرتّب المناديل والملاعق والشوك. وكمان عملت كارت صغير، رسمت عليه ورد وكتبت بخط إيديها الصغير
تيتة حبيبتي، أنا بحبك أوي، وشكرًا إنك عيلتي.
وحطّت الكارت جنب طبق أمي.
ولما جه وقت القعدة على السفرة، ندى بدأت توزّع أماكن الجلوس بنفسها.
كريم، إنت اقعد هنا. ماما في صدر السفرة. والولاد جنبي. وعمو أحمد يقعد جنب الشباك.
وفجأة، اكتشفنا إن فيه كرسي ناقص.
سلمى فضلت واقفة وهي ماسكة طبقها الصغير، وبصّت لخالتها وسألتها ببراءة
يا خالتو، أنا هقعد فين؟
ندى بصّت لها من فوق لتحت، وقالت ببرود
يا نهار أبيض، هو إحنا مش مكفيين كلنا! مفيش مكان فاضي.
كنت لسه هروح أجيب كرسي من أوضة تانية، لكن أختي سبقتني وأخدت طبق سلمى من إيديها.
وقالت لها بابتسامة مصطنعة
ولا يهمك يا حبيبتي، أنا لقيتلك مكان حلو أوي!
ومشيت لحد ركن بعيد في غرفة السفرة، ونزلت بجسمها وحطّت طبق سلمى على الأرض، جنب طبق الكلب توتو.
وبعدها رفعت صوتها عشان كل الموجودين يسمعوها، وقالت وهي بتضحك
بصوا يا جماعة! أهو لقينا مكان للاتنين اللي طول عمرهم بيطلبوا الأكل من الناس!
كريم، جوزها، انفجر في الضحك.
وبنت خالتي حطت إيدها على بقها عشان تخبي ضحكتها.
أما سلمى، ففضلت واقفة مكانها من غير ما تتحرك. شفايفها بدأت تترعش، وعينيها اتمَلَت بالدموع.
بنتي الصغيرة ما كانتش فاهمة هي عملت إيه عشان يستاهلوا يعاملوها بالطريقة دي.
بصّيت لأمي، وكنت مستنية منها تدافع عن حفيدتها، أو حتى تقول كلمة واحدة توقف بيها الإهانة دي.
لكن أمي اكتفت إنها لوّحت بإيدها وقالت بضيق
يا مريم، بطّلي مبالغة! ندى بتهزر معاها. روحي شوفي الضيوف عايزين يشربوا إيه بدل الدوشة دي!
في اللحظة دي، فهمت حقيقة وجعتني أكتر من إهانة أختي نفسها.
بالنسبة للعيلة دي، بنتي مالهاش نفس القيمة حتى اللي بيدّوها لكلب أختي!
ما رديتش على حد.
بهدوء، انحنيت وأخدت طبق سلمى من على الأرض.
وبعدها دخلت المطبخ، وجبت كل العلب الفاضية اللي كنت مجهزاها لتخزين الأكل.
وبدأت ألمّ كل حاجة من على السفرة!
إنتِ بتعملي إيه يا مريم؟! ندى سألتني وهي بتبصلي بصدمة.
قفلت أول علبة، وقلت بهدوء
باخد الأكل اللي أنا عملته.
صرخت في وشي
إنتِ اتجننتي؟! دي حفلة عيد ميلاد ماما!
من غير ما أرد، بدأت أحط المحشي في العلب، وبعده اللحمة، والأرز، وكل المقبلات اللي تعبت فيها طول الأيام اللي فاتت.
حتى الأكل اللي كان لسه ما اتقدّمش، لمّيته كله.
وفي الآخر، رفعت التورتة الضخمة اللي فضلت واقفة عليها من الفجر.
أمي قامت من مكانها وهي بتزعق بغضب
يا مريم! حطي الحاجة دي مكانها فورًا!
بصّيت لها في عينيها، وقلت بصوت ثابت
الحفلة حفلتك يا ماما، لكن الأكل أنا اللي دافعة تمنه من جيبي، وأنا اللي تعبت فيه. وطالما بنتي مش مرحّب بيها على سفرتك، يبقى أكلي كمان مش هيفضل هنا.
مسكت إيد سلمى، وشلت باقي الحاجات اللي قدرت أشيلها، وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا.
كنت فاكرة إن دي نهاية الحكاية، وإن كل اللي حصل مجرد إهانة قاسية لازم أنساها مع الوقت.
لكن اللي اكتشفته بعد دقائق قليلة بس، خلّى الإهانة دي تتحول لبداية سر عائلي مرعب، سر لو اتكشف قدام الناس، كان ممكن يغيّر كل حاجة في حياتنا!
والأغرب إن أمي، اللي كانت بتضحك من شوية، كان عندها سبب تاني تمامًا يخليها تخاف من خروجي بالأكل ده...
يتبع...
الجزء التاني السر اللي قلب حياة العيلة كلها!
كنت ماشية في الشارع وأنا ماسكة إيد سلمى، وبحاول أتماسك قدامها عشان ما تشوفش دموعي.
بنتي فضلت ساكتة طول الطريق، لحد ما وقفنا عند أول كرسي في حديقة صغيرة جنب البيت.
بصّت لي بعينيها الحمرا وقالت بصوت مكسور
ماما، هو أنا وحشة؟ هو أنا عملت حاجة غلط عشان خالتي تحطني جنب الكلب؟
قلبي اتعصر من الوجع.
نزلت لمستواها، ومسحت دموعها، وضمّيتها ليا وقلت
لأ يا حبيبتي، إنتِ أحسن بنت في الدنيا. واللي حصل ده مش ذنبك أبدًا. عمرك ما تسمحي لحد يخليكي تحسي إنك أقل من أي حد.
سلمى سكتت شوية، وبعدها سألتني سؤال خلاني مش عارفة أرد
طب وتيتة؟ ليه ضحكت عليّا يا ماما؟ هي مش بتحبني؟
ما قدرتش أجاوبها.
كل اللي عملته إني مسكت إيدها ورجعت بيها البيت.
أول ما وصلنا، بدأت أرتّب الأكل اللي أخدته من الحفلة في التلاجة. كنت تعبانة جدًا، لكن جوايا إحساس غريب إن اللي حصل النهارده مش مجرد إهانة عابرة.
وبعد حوالي عشر دقايق، تليفوني رن.
كانت ندى.
رفضت المكالمة.
اتصلت تاني.
رفضت برضه.
وبعدها بدأت الرسائل تنزل واحدة ورا التانية.
إنتِ إزاي تسيبي عيد ميلاد ماما بالشكل ده؟!
الناس كلها بتتكلم علينا بسببك!
رجّعي الأكل فورًا، وإلا هتندمي!
ضحكت بسخرية وأنا بقرأ آخر رسالة.
هي كانت لسه فاكرة إن المشكلة في الأكل!
لكن بعد لحظات، وصلتني رسالة من رقم مش مسجلاه.
فتحتها، ولقيت صورة.
الصورة كانت لورقة قديمة عليها ختم رسمي، وتحتها رسالة قصيرة
لو عايزة تعرفي ليه أمك دايمًا بتفضّل أختك عليكي، وليه كانت مصممة إنك إنتِ اللي تدفعي مصاريف الحفلة، لازم تعرفي الحقيقة اللي مخبيينها عنك من سنين.
حسّيت إن إيدي اتلجت.
قلّبت الصورة وكبّرتها، وحاولت أقرا الكلام المكتوب فيها.
كانت ورقة متعلقة بملكية شقة قديمة باسم أمي، لكن اللي شد انتباهي فعلًا كان اسم موجود في آخر الصفحة.
اسمي أنا!
مريم فاطمة عبد الرحمن.
وتحت اسمي كان فيه توقيع، وتاريخ يرجع لأكتر من عشر سنين.
المشكلة إني عمري ما شفت الورقة دي قبل كده، ولا وقّعت على أي مستند بالشكل ده!
قبل ما أقدر أستوعب اللي شوفته، وصلتني رسالة تانية
اسألي أمك عن الشقة اللي في شارع البحر. واسأليها مين اللي دفع تمنها الحقيقي.
وقفت مكاني وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
الشقة دي كنت فاكرة إنها ملك أمي من سنين، وكنت دايمًا بسمعها تقول إنها اشترتها بتعبها وشقاها.
لكن ليه اسمي موجود في ورقة ملكيتها؟
ومين الشخص اللي بعتلي الصور دي؟
اتصلت بالرقم فورًا.
محدش رد.
بعت رسالة أسأل فيها عن هويته، لكن التليفون اتقفل بعدها مباشرة.
قعدت طول الليل أفكر، وكل ما أحاول أنام أفتكر وش بنتي وهي واقفة جنب طبق الكلب.
وفي الصبح، قررت أروح لأمي بنفسي.
مش عشان أرجّع الأكل.
لكن عشان أعرف الحقيقة.
لما وصلت بيتها، لقيت ندى قاعدة في الصالة، وأمي جنبها، والاتنين بيتكلموا بصوت واطي.
أول ما شافوني، سكتوا فجأة.
حطيت صورة الورقة قدام أمي وسألتها
إيه ده يا ماما؟
وشها اتغيّر في ثانية.
ندى خطفت الورقة من قدامها، وبصّت فيها، وبعدها رفعت عينيها ليا بعصبية.
إنتِ جبتي الورقة دي منين؟
رديت عليها
ده مش موضوعنا. أنا عايزة أفهم ليه اسمي موجود على مستند ملكية شقة أنا معرفش عنها أي حاجة.
أمي حاولت تضحك، لكن صوتها كان بيرتعش.
يا بنتي، دي ورق قديم، أكيد فيه خطأ.
بصّيت لها بثبات وقلت
خطأ إزاي يا ماما؟ ده توقيع منسوب ليا، وأنا عمري ما وقّعت عليه!
ندى قامت من مكانها وقالت
إنتِ مكبّرة الموضوع ليه؟ هو ناقصنا مشاكل؟
رديت عليها لأول مرة من غير ما أخاف من زعلها
المشاكل بدأت لما حطيتي طبق بنتي على الأرض واعتبرتيها أقل من كلبك. إنما الورقة دي، أنا مش همشي من هنا غير لما أفهم حكايتها.
أمي نزلت عينيها للأرض.
ولأول مرة في حياتي، شفت الخوف الحقيقي في وشها.
وبعد صمت طويل، قالت جملة واحدة خلتني أحس إن كل اللي كنت أعرفه عن عيلتي ممكن يكون كدبة
يا مريم... الشقة دي مش ملكي لوحدي.
سألتها بسرعة
أمال ملك مين؟
بصّت ناحية ندى، وبعدها رجعت بصّت لي، وبدأت دموعها تنزل.
الشقة دي كانت هدية ليكي إنتِ... لكن ندى عرفت بالموضوع من سنين، ومن يومها وهي بتحاول تمنعك تعرفي الحقيقة.
اتجمدت مكاني.
ندى صرخت
ماما! إنتِ بتقولي إيه؟!
لكن أمي كملت كلامها وهي بتعيط
أبوكي قبل ما يسيب البيت، كان سايبلك حق في الشقة دي، وأنا وافقت إني أحافظ عليه لحد ما تكبري. لكن بعد ما اتطلقتوا...
قاطعتها وأنا مش قادرة أتنفس
إنتِ تقصدي إن بابا كان سايبلي شقة باسمي؟
هزّت راسها ببطء.
وفي اللحظة دي، ندى خطفت شنطتها واتجهت ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، أمي قالت بصوت مرتفع
استني يا ندى! لسه ما قلتلهاش مين اللي زوّر توقيعها على ورق التنازل!
ندى وقفت مكانها.
وبصّت لي بوش شاحب.
أما أنا، ففضلت واقفة مش قادرة أصدق اللي سمعته.
لأن الاسم اللي أمي كانت على وشك تقوله، كان اسم آخر شخص ممكن أتخيّل إنه يسرق حقي...
يتبع...
الجزء الثالث أختي سرقت حقي وأنا مش عارفة!
أمي كانت واقفة في نص الصالة، ودموعها نازلة على خدودها، بينما ندى واقفة عند الباب ووشها اتغيّر تمامًا.
صرخت فيها وقلت
مين اللي زوّر توقيعي يا ماما؟ انطقي!
أمي بصّت لندى، وبعدها بصّت لي وقالت بصوت مكسور
ندى هي اللي جابت ورق التنازل من أكتر من خمس سنين، وقالت لي إنك وافقتي تتنازلي عن نصيبك في الشقة مقابل مبلغ من الفلوس.
حسّيت إن رجلي مش شايلاني.
بصّيت لأختي وقلت
أنا؟! أنا عمري ما استلمت منك جنيه واحد مقابل أي شقة! إنتِ بتتكلمي عن إيه؟!
ندى حاولت تتمالك نفسها، وقالت بعصبية
أمي بتخرف! هي مش فاهمة حاجة!
لكن أمي فتحت درج المكتبة، وطلّعت ملف قديم، وحطّته