ي سن الـ63 حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

وإنه ما ينفعش نعتبر الحصة دي ملكًا مؤكدًا ليا قبل ما الإجراءات تكتمل.
قررت أتابع الأمر بهدوء، من غير ما أبني أحلامًا على شيء لسه غير محسوم.
لكن أثناء مراجعة الأوراق، ظهر اسم شخص كان يعرف جوزي من زمان.
كان اسمه عم حسن، جارنا القديم في المنصورة.
اتصلت بيه، ولما عرف إني براجع موضوع الأرض، قال
يا أمينة، أنا فاكر إن جوزك كان بيتكلم عنها زمان، وكان عنده حلم يعمل فيها مشروع صغير يخدم أهل المنطقة.
سألته مشروع إيه؟
قال كان نفسه يعمل مكان صغير لتعليم البنات والسيدات الخياطة والتفصيل، خصوصًا اللي مش قادرين يدفعوا تكاليف الكورسات.
سكت لحظة، وبعدها كمل
كان دايمًا يقول إنك أشطر واحدة يعرفها في الخياطة، وإنه نفسه يشوفك في يوم عندك ورشة كبيرة تعلمي فيها غيرك.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن أحلامي الصغيرة مجرد حاجات أجلتها علشان البيت والأولاد.
لكن اكتشفت إن جوزي كان شايف فيا حاجة أكبر من كده، وكان نفسه يشوفني أحققها.
لما حكيت لأحمد عن كلام عم حسن، فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
يا ماما، لو الإجراءات أثبتت إن ليكي حق في الأرض، وفكرتي يوم تعملي عليها مشروع، أنا ممكن أساعدك في التخطيط. مش علشان أقرر بدل منك، لكن علشان أساعدك تحققي حلمك.
قلت له أنا فعلًا بفكر في حاجة شبه كده، لكن لازم الأول أتأكد من كل التفاصيل القانونية والمالية.
قال خدي وقتك يا ماما.
وفي الليلة دي، قعدت قدام صورة جوزي، وابتسمت.
ما كنتش عارفة إذا كانت الأرض هتكون فعلًا من حقي، ولا إذا كان المشروع هيقدر يتحقق يومًا ما.
لكن لأول مرة، ما بقيتش خايفة من المستقبل.
لأنني فهمت إن قيمة الحلم مش في حجمه، ولا في الفلوس اللي ممكن يحققها.
قيمته في إنه يخلينا نكمل، حتى بعد ما نفتكر إن الفرص فاتت.
وفي صباح اليوم التالي، وصلتني مكالمة من المحامي، قال فيها إن نتيجة مراجعة جديدة ظهرت، وإن فيه تفصيلة في الأوراق لازم أشوفها بنفسي... تفصيلة ممكن تغيّر خطتي للمشروع كله!
الجزء السابع المفاجأة اللي غيّرت حلم أمينة
أول ما سمعت صوت المحامي في التليفون، قلبي بدأ يدق بسرعة.
قال لي يا مدام أمينة، لازم تيجي المكتب النهارده. لقينا مستند مهم جدًا، ولازم تشوفيه بنفسك.
قفلت التليفون، واتصلت بأحمد وطلبت منه ييجي معايا.
لما وصلنا، المحامي فتح الملف وطلع منه عقد قديم، وقال
بعد مراجعة السجلات، اتضح إن فيه حصة في الأرض كانت مسجلة باسم زوج حضرتك، لكن لازم نستكمل بعض الإجراءات للتأكد من الوضع القانوني النهائي. والأهم إننا لقينا خطابًا بخط إيده بيشرح
فيه خطته للأرض.
مسكت الخطاب، وبدأت أقرأ
إلى زوجتي أمينة...
لو قدرتي في يوم توصلي للأوراق دي، أتمنى تكوني لسه محتفظة بحلمك القديم.
أنا عارف إنك بتحبي الخياطة، وإنك دايمًا بتفرحي لما تعلمي واحدة جديدة شغلانة تقدر تعتمد بيها على نفسها.
كنت أتمنى نعمل مكان صغير، تتعلم فيه السيدات الخياطة من غير ما يحسوا إن ظروفهم المادية عائق قدامهم.
لو ربنا كتب للمشروع ده إنه يكمل، أتمنى تكوني إنتِ اللي تقوديه.
لكن لو الظروف ما سمحتش، متخليش نفسك تحسي إنك ملزمة تحققي حلمي. عيشي حياتك بالطريقة اللي تريحك، وافتكري إن سعادتك أهم من أي مشروع.
ما قدرتش أمنع دموعي.
أحمد مسك إيدي وقال بابا كان مؤمن بيكي أوي يا ماما.
هزيت رأسي وقلت كان مؤمن بيا، وأنا اللي كنت محتاجة أصدق نفسي.
المحامي وضّح لنا إننا لازم نستكمل الإجراءات قبل اتخاذ أي خطوة تخص الأرض، واتفقنا نتابع كل شيء بشكل رسمي.
خرجت من المكتب وأنا بفكر في الحلم، لكن المرة دي ما كنتش بفكر في الأرض بس.
كنت بفكر في كل ست قابلتها في حياتي، وكل واحدة اضطرت تأجل حلمها لأنها شايلة مسؤوليات أكبر من قدرتها.
وقررت أبدأ من المكان اللي أقدر عليه.
بعد أسبوع، أعلنت في المنطقة عن ورشة مجانية لتعليم أساسيات الخياطة للسيدات اللي حابين يتعلموا مهنة جديدة.
ما كانش عندي مكان كبير، فخصصت جزءًا من ورشتي للمشروع.
في أول يوم، جات ستات كتير، بعضهم صغيرات في السن، وبعضهم أكبر مني.
كانت بينهم سيدة اسمها منى، عندها 42 سنة، قالت لي إنها نفسها تتعلم الخياطة علشان تقدر تشتغل من البيت.
وفيه كمان بنت اسمها هبة، كانت بتدرس وعايزة تتعلم مهارة تساعدها بعد التخرج.
بصيت لهم وقلت
أنا مش هعلمكم الخياطة بس. أنا هعلمكم كمان إزاي تثقوا في نفسكم، وإزاي تبدأوا حتى لو الإمكانيات بسيطة.
بدأنا التدريب، وكانت الفرحة في عيونهم أكبر من أي مكسب مادي.
ومع الوقت، انتشر خبر الورشة، وبقى فيه سيدات بتسأل إذا كان ممكن تنضم للمجموعة الجديدة.
سعاد عرضت تساعدني في توفير بعض الأقمشة، وأحمد جاب لي ترابيزة إضافية وكراسي.
أما نهى، فبدأت تساعدني في تنظيم مواعيد المتدربات، من غير ما تتدخل في قراراتي أو تطلب مني أسيب شغلي علشان مسؤوليات بيتها.
وفي يوم، قالت لي
يا أمينة، أنا اتعلمت منك حاجة مهمة. كنت فاكرة إن قوة الست في إنها تقدر تشيل كل حاجة لوحدها، لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية إنها تعرف إمتى تساعد، وإمتى تقول لأ.
ابتسمت وقلت وأنا كمان اتعلمت إننا مهما كبرنا، لسه نقدر نتعلم من بعض.
بعد عدة شهور، خلصت الإجراءات القانونية الخاصة بالأرض، واتأكدنا من حقي في الحصة المسجلة باسم زوجي.
استشرت المحامي، وراجعت كل التفاصيل المالية قبل ما أقرر أستخدم أي جزء من مدخراتي.
وبعد دراسة طويلة، قررت ما أبيعش الأرض ولا أستعجل في أي تصرف يخصها.
بدل كده، بدأت أدرس إمكانية إقامة مركز صغير لتعليم الخياطة عليها، بشرط إن التكاليف تكون مناسبة، وإن المشروع ما يهددش استقراري المالي.
أحمد شجعني، لكنه قال المهم يا ماما إنك متحمليش نفسك فوق طاقتها.
ضحكت وقلت متقلقش، أنا اتعلمت الدرس. المرة دي كل خطوة هتكون بحساب.
وبعد فترة من التخطيط، لقينا إن الأفضل نبدأ بمكان تدريبي صغير، ونوسع المشروع بالتدريج حسب الإمكانيات.
ما كانش مركزًا ضخمًا، لكنه كان بداية حقيقية لحلم قديم.
وفي يوم الافتتاح، علّقنا لافتة مكتوب عليها
مركز أمينة لتعليم الخياطة وتنمية مهارات السيدات.
وقفت قدام اللافتة، وافتكرت نفسي وأنا في شقة ابني، حاسة إن حياتي انتهت عند حدود مسؤولياتي تجاه الآخرين.
ابتسمت وقلت لنفسي
الحمد لله إني مدّيتش إيدي واستسلمت.
في يوم الافتتاح، أحمد وقف قدامي وقال
يا ماما، أنا عايز أقولك حاجة.
قلت قول يا حبيبي.
قال أنا زمان كنت فاكر إنك قوية لدرجة إنك مش محتاجة حد يقف جنبك. كنت بشوفك بتعملي كل حاجة، فنسيت إنك ممكن تتعبي وتزعلي وتحتاجي حد يسألك إنتِ عاملة إيه.
عينيه لمعت بالدموع.
كمل أنا آسف إني فهمت ده متأخر.
مسكت إيده وقلت المهم إنك فهمته يا أحمد. مش عايزاك تفضل تلوم نفسك، عايزاك تستخدم اللي اتعلمته علشان تكون أحسن معايا ومع ولادك.
نهى كانت واقفة جنبه، وقالت
وأنا كمان آسفة يا أمينة. مش هقدر أغير اللي فات، لكن أقدر أتعامل معاكي بشكل مختلف من النهارده.
ابتسمت لها وقلت خلينا نبدأ من جديد، واحدة واحدة.
وبعدها دخلت ملك ويوسف، وكل واحد فيهم شايل لوحة رسمها مخصوص للمركز.
ملك كتبت على لوحتها
كل حلم يستاهل فرصة.
أما يوسف، فرسم ماكينة خياطة كبيرة، وحواليها ستات كتير مبتسمين.
ضحكنا كلنا، وعلّقنا الرسومات على الحيطة.
وفي اللحظة دي، حسيت إن حلم جوزي بدأ يتحقق، مش بسبب الأرض وحدها، لكن بسبب الناس اللي اجتمعوا علشان يساعدوا غيرهم يبدأوا من جديد.
لكن بعد انتهاء الافتتاح، وصلتني رسالة من سيدة مجهولة بتطلب مقابلتي، وبتقول إنها تعرف حكاية قديمة عن جوزي ممكن تفسر ليه كان حريصًا على الاحتفاظ بأوراق الأرض كل السنين دي...
يتبع.

تم نسخ الرابط