ي سن الـ63 حكايات_ميراا حصري
المحتويات
ومش هعتمد على كلام أي حد.
أحمد هز رأسه بحزن.
أما نهى، فدخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف.
تاني يوم، رحت للمحامي ومعايا كل الأوراق اللي قدرت أجمعها.
راجعنا المستندات واحدة واحدة، واكتشفت إن المبلغ فعلًا موجود، وإن الإجراءات المطلوبة علشان أستلمه كانت أبسط بكتير مما تخيلت.
المحامي قال لي
يا مدام أمينة، دي حقوقك القانونية، ومن حقك تعرفي كل تفاصيلها وتقرري بنفسك هتعملي فيها إيه.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إني استعدت جزءًا من قوتي اللي ضاعت وسط مسؤولياتي اليومية.
وفي نفس اليوم، بدأت أجهز شقتي الجديدة.
اشتريت سريرًا مريحًا، وستاير بألوان هادية، ومكتبًا صغيرًا أحط عليه أدوات الرسم بتاعتي.
وحطيت صورة جوزي الله يرحمه على رف في الصالة، جنب صورة ليا مع أحمد وهو طفل صغير.
كنت بحبه، ومهما حصل، هيفضل ابني.
لكن حبي ليه مش معناه إني أقبل الإهانة أو أتنازل عن
حقي في حياة مستقلة.
بعد أسبوع، نقلت حاجتي للشقة الجديدة.
أحمد جه يساعدني في نقل الكراتين، وكان طول الوقت ساكت.
ولما خلصنا، وقف في نص الصالة وقال
البيت جميل يا ماما.
ابتسمت وقلت
الحمد لله. حاسة إني أخيرًا رجعت لبيتي.
نزل رأسه، وبعدها قال
أنا آسف إني سبت الأمور توصل لكده.
قعدت على الكنبة، وأشرت له يقعد جنبي.
قلت له
يا أحمد، أنا مش مستنية منك تكون مثالي. أنا عارفة إن كل إنسان بيغلط. لكن اللي يوجع الأم إن ابنها يشوفها بتتعب قدامه، ويسكت، أو يعتبر تعبها واجب عليها.
عينيه اتمَلَت بالدموع.
قال
أنا كنت عارف إن نهى بتضغط عليكي، بس كنت بقول لنفسي إن الموضوع مؤقت، وإن كل حاجة هتتحسن لما أخلص المشروع.
سألته
وإنت سألت نفسك مرة أنا كنت محتاجة إيه؟
ما ردش.
كملت
أنا مش زعلانة علشان نقلت من بيتك. أنا زعلانة علشان فضلت سنتين ونص بحاول أرضيكم، ومحدش فكر يسألني إذا كنت مرتاحة ولا لأ.
أحمد مسح دموعه وقال
أنا عايز أصلح اللي حصل يا ماما.
بصيت له وقلت
الإصلاح مش بكلمتين. الإصلاح إنك تتعلم تحترم وقتي وقراراتي، وإنك متسمحش لحد يعاملني كأني خدامة في بيتك.
هز رأسه وقال
هحاول يا ماما.
رديت بهدوء
مش عايزاك تحاول علشاني بس. عايزاك تفهم إن ده الصح.
مرت أسابيع، وبدأت أتعرف على جيراني الجدد.
اشتركت في مركز قريب لتعليم الرسم، وبقيت أخرج كل يومين أقابل صديقاتي أو أتمشى في الحديقة.
ولأول مرة من سنين، بقي عندي وقت أعمل الحاجات اللي بحبها.
كنت بصحى الصبح من غير ما أبص على الساعة وأفكر مين لازم أوصله، وإيه اللي لازم أطبخه، وإيه اللي ممكن يزعل نهى لو اتأخرت فيه.
بقيت أعيش يومي على مزاجي.
أما أحمد، فبدأ يزورني كل أسبوع.
في البداية، كان بييجي لوحده، وبعد فترة بدأ يجيب ملك ويوسف معاه.
كنت بفرح بيهم جدًا، وأحضنهم وأسمع حكاياتهم عن المدرسة.
لكن لما أحمد طلب مني في يوم إني أرجع أوصلهم المدرسة زي زمان، ابتسمت وقلت
أنا بحب أساعدكم لما أقدر، لكن مش هقدر أرجع لنفس النظام القديم.
قال
حتى لو يومين في الأسبوع؟
رديت
لو أنا فاضية وحابة أخرج معاهم، هعمل كده بكل حب. لكن مش هخلي ده التزام ثابت على حساب حياتي.
سكت لحظة، وبعدها قال
عندك حق يا ماما.
كانت دي أول مرة أحس إنه بدأ يفهم الفرق بين المساعدة اللي بتطلع من القلب، والخدمة اللي الناس بتعتبرها حق مكتسب.
لكن نهى ما كانتش متقبلة التغيير بسهولة.
بعد حوالي شهر، اتصلت بيا وقالت إنها عايزة تزورني.
وافقت، ولما وصلت، قعدت قدامي وهي متوترة.
قالت
يا أمينة، أنا عارفة إن اللي حصل بينا زعلك، بس إحنا عيلة واحدة، ومينفعش نفضل بعيد عن بعض بالشكل ده.
قلت لها
أنا كمان مش عايزة مشاكل، يا نهى. لكن لازم كل واحد فينا يحترم التاني.
هزت رأسها وقالت
أنا فاهمة. بس عندي طلب.
استنيت تكمل.
قالت
إحنا محتاجين مساعدة مع العيال الفترة الجاية. الشغل عندي زاد، وأحمد مشغول بمشروعه، وكنت عايزة أعرف إذا كنت تقدري تقعدي معاهم كام يوم.
بصيت لها بهدوء وسألتها
إنتِ بتسأليني علشان أنا جدتهم، ولا علشان مفيش حد تاني يعمل اللي أنا كنت بعمله؟
وشها احمر، وقالت
مش قصدي كده.
قلت
أتمنى يكون ده فعلًا مش قصدك. أنا بحب ملك ويوسف، وهفضل موجودة في حياتهم، لكن مش هقبل إن علاقتي بيهم تتحول لوظيفة من غير مرتب ولا إجازة.
نهى فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
أنا يمكن فعلًا اتعودت على وجودك لدرجة إني نسيت إن ليكي حياتك الخاصة.
كانت دي أول مرة أسمع منها اعترافًا واضحًا، حتى لو كان بسيطًا.
قلت لها
كلنا بنغلط، يا نهى. المهم نعرف نصلح غلطنا.
قبل ما تمشي، عرضت عليها نشرب شاي ونتكلم عن العيال وعن المدرسة.
المقابلة ما خلتناش فجأة أصحاب، لكنها كانت بداية لتعامل أهدى، فيه حدود واضحة واحترام متبادل.
بعد مرور ستة شهور، حصل موقف خلاني أعرف إن قراري بالاستقلال كان أهم قرار أخدته في حياتي.
أحمد اتصل بيا في الصبح، وكان صوته قلقان.
قال
يا ماما، محتاج أجيلك النهارده. فيه موضوع مهم.
قلت له
تعالى يا حبيبي، أنا موجودة.
لما وصل، كان معاه ملف كبير، وقعد قدامي وهو مش عارف يبدأ كلامه منين.
سألته
خير يا أحمد؟
فتح الملف، وطلع منه أوراق مالية تخص مشروعه.
قال
المشروع اللي كنت شغال عليه حصلت فيه مشكلة، والشركة اللي متعاقد معاها أخرت دفعة كبيرة، وأنا عندي التزامات لازم أدفعها خلال الشهر ده.
بص لي بتردد، وبعدها قال
كنت بفكر أسألك إذا كنت تقدري تسلفيني جزء من المبلغ اللي عندك.
فضلت باصة له شوية.
زمان، كنت ممكن أوافق فورًا، وأديله كل اللي يطلبه من غير ما أسأل عن التفاصيل، حتى لو ده هيأثر على مدخراتي.
لكن المرة دي، قلت له
أنا ممكن أساعدك لو قدرت، لكن لازم نفهم المبلغ المطلوب، وإمتى هتقدر ترجعه، وهل فيه حلول تانية قبل ما نستخدم مدخراتي.
أحمد هز رأسه وقال
معاكي حق يا ماما. أنا جايب كل الأوراق علشان نراجعها سوا، ومش عايز أحطك تحت أي ضغط.
قعدنا ساعات نراجع الحسابات، واكتشفنا إن فيه مصاريف ممكن تتأجل، وإن جزءًا من المشكلة ممكن يتحل بإعادة ترتيب الاتفاق مع الشركة.
وفي النهاية، ما احتجش ياخد مني المبلغ اللي كان فاكره ضروريًا.
قبل ما يمشي، بص لي وقال
عارفة يا ماما، زمان كنت فاكر إنك لما تساعدينا من غير ما تطلبي حاجة، ده معناه إن مفيش حدود لمساعدتك. دلوقتي فهمت إن حبك لينا مش معناه إنك لازم تتحملي كل حاجة لوحدك.
ابتسمت وقلت
وأنا مبسوطة إنك فهمت ده يا أحمد.
وفي يوم عيد ميلادي الرابع والستين، أحمد ونهى وملك ويوسف جم يزوروني.
ملك جريت عليا، وحضنتني، وناولتي كارت صغير رسمته بإيديها.
كان مكتوب فيه
كل سنة وإنتِ طيبة يا تيتة أمينة. بحب لما بنقعد سوا ونرسم ونحكي.
دموعي نزلت وأنا بقرأ كلامها.
أما يوسف، فكان مجهز لي لوحة رسمها بنفسه، فيها بيت صغير وحديقة وشجرة كبيرة.
ضحكت وقلت له
إيه الجمال ده يا يوسف! ده أحلى بيت شوفته في حياتي.
أحمد وقف جنبي وقال
كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما. أنا عارف إن اعتذاري مش كفاية، بس نفسي تعرفي إن وجودك في حياتنا مهم، مش علشان بتعملي لنا حاجة، لكن علشان إنتِ أمي.
بصيت له، وحسيت إن قلبي أخيرًا بدأ يهدى.
قلت له
أنا بحبك يا أحمد، وعمري ما بطلت أحبك. لكن من النهارده، عايزة علاقتنا تبقى مبنية على الحب والاحترام، مش على الواجبات والتضحيات اللي محدش بيقدرها.
هز رأسه، وقال
اتفقنا يا ماما.
وفي الليلة دي، بعد ما مشيوا، قعدت في شقتي الهادية، وبصيت لصورة جوزي على الرف.
قلت لنفسي إن الحياة علمتني درسًا كنت محتاجة أتعلمه من زمان
إن الإنسان ممكن يفضل يحب عيلته من كل قلبه، وفي نفس الوقت يحافظ على كرامته وراحته وحقه في إنه يعيش لنفسه.
أنا أمينة، عندي 64 سنة، ولسه عندي أحلام عايزة أحققها، وأماكن عايزة أزورها، وحاجات عايزة أتعلمها. مش معنى إني أم وجدة إن حياتي انتهت، ولا معنى إني ضحيت سنين علشان عيلتي إن من حق أي حد يقرر قيمتي بدل مني.
ومن يومها، بقيت أقول لكل ست بتعدي بنفس التجربة
ساعدي ولادك بحب، لكن متنسيش نفسك. كوني أمًا حنونة، لكن متقبليش إن الحنان يتحول لاستغلال. لأنك تستحقي الحب والاحترام، مش بس علشان إنتِ أم، لكن علشان إنتِ إنسانة ليها كرامة وأحلام وحياة خاصة بيها.
الجزء الرابع المفاجأة اللي محدش كان متوقعها
بعد عيد ميلادي بأسبوعين، أحمد اتصل بيا وقال إنه عايز يقعد معايا ومع نهى في موضوع مهم.
لما وصلوا، لاحظت إن نهى شايلة شنطة فيها أوراق، وإن أحمد باين عليه التوتر.
قلت لهم خير يا ولاد؟ فيه إيه؟
أحمد بص لنهى، وبعدها قال يا ماما، إحنا فكرنا كتير في اللي حصل، وقررنا نعمل حاجة كان المفروض نعملها من زمان.
نهى فتحت الشنطة وطلعت ملف، وحطته قدامي.
قالت بصوت هادي دي كل الأوراق اللي تخص الحساب القديم بتاعك، ومعاها كشف كامل بالمبالغ والإجراءات. أنا عارفة إن سكوتي وقتها كان غلط، ومش هطلب منك تنسي اللي حصل، لكن عايزاكي تعرفي إننا مش هنخبي عنك أي حاجة تاني.
فتحت الملف وبدأت أراجع الأوراق.
كل حاجة كانت واضحة، لكن كان فيه ظرف صغير في آخر الملف، مكتوب عليه بخط جوزي الله يرحمه
لأمينة، لما تحتاج تفتكر إنها أقوى مما تتخيل.
إيدي اترعشت وأنا بمسك الظرف.
سألت أحمد إنت جبت الظرف ده منين؟
قال كان موجود وسط أوراق بابا القديمة، والمحامي لقاه من كام يوم. كان مكتوب عليه اسمك، فقلت لازم أوصلهولك بنفسي.
فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه جواب بخط جوزي.
بدأت أقرأ
يا أمينة، لو وصل لك الجواب ده، فغالبًا هتكوني مريتي بوقت صعب، ويمكن تكوني نسيتي قد إيه إنتِ قوية.
أنا عارف إنك طول عمرك بتحطي راحة غيرك قبل راحتك، وإنك ممكن تتنازلي عن حاجات كتير علشان تشوفي أحمد مبسوط.
لكن عايزك تفتكري حاجة واحدة البيت مش مجرد حيطان، والعيلة مش مجرد ناس عايشين تحت سقف واحد.
البيت الحقيقي هو المكان اللي تحسي فيه بالأمان، والعيلة الحقيقية هي اللي تحترمك حتى لما تكوني مش قادرة تقدمي لها أي حاجة.
لو في يوم حسيتِ إنك بقيتي عبء على حد، افتكري إن قيمتك عمرها ما كانت مرتبطة بالخدمات اللي بتقدميها.
إنتِ تستحقي تعيشي مرتاحة، وتضحكي، وتحلمي، وتعملي كل حاجة أجلتيها سنين علشاننا.
وأهم حاجة، متخليش خوفك على أحمد يمنعك إنك تحافظي على نفسك.
بحبك دائمًا.
ما قدرتش أكمل.
ضمّيت الجواب لصدري، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أحمد قرب مني وقال بابا كان عارفك كويس أوي يا ماما.
رديت وأنا بمسح دموعي أيوه يا ابني، كان عارفني ويمكن كان عارف إني هحتاج أسمع الكلام ده في يوم من الأيام.
نهى كانت ساكتة، وبعد لحظات قالت أنا آسفة يا أمينة. يمكن كنت مركزة في مسؤولياتي ومشاكلي لدرجة إني نسيت إن ليكي إنتِ كمان حياة ومشاعر.
بصيت لها وقلت أنا مش عايزة اعتذارات تتقال وخلاص يا نهى. أنا عايزة كل واحد فينا يتعلم يشوف التاني بوضوح، من غير ما يعتبر وجوده حاجة مضمونة.
هزت رأسها وقالت هحاول أثبت لك ده بتصرفاتي.
بعدها بشهر، قررت أعمل حاجة عمري ما تخيلت إني هعملها.
سافرت مع مجموعة من السيدات في رحلة لأسوان.
أحمد كان قلقان عليا، وفضل يسألني إذا كنت محتاجة حاجة قبل السفر.
ضحكت وقلت له يا أحمد، أنا رايحة رحلة، مش مسافرة آخر الدنيا!
ملك قالت وهي بتضحك تيتة هترجع وتحكيلنا كل حاجة، صح؟
حضنتها وقلت هجيب لكم صور كتير، وهنقعد نرسم كل الأماكن اللي هشوفها.
في الرحلة، وقفت قدام النيل وقت الغروب، وحسيت براحة غريبة.
افتكرت السنين اللي قضيتها بين الشغل والبيت ومسؤوليات العيلة، وابتسمت.
ما ندمتش على حبي لولادي، ولا على السنين اللي تعبت فيها علشانهم.
لكن ندمت إني كنت أحيانًا بنسى نفسي، وأتعامل مع احتياجاتي كأنها أقل أهمية من احتياجات كل الناس.
لما رجعت، جبت لملك ويوسف هدايا بسيطة، وصور كتير من الرحلة.
أحمد استقبلني في البيت، وقال شكلك مبسوطة
متابعة القراءة