ي سن الـ63 حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

في سن ال، سمعت مرات ابني بتقول لو عندها كرامة، كانت سابت بيتنا ومشيت من زمان! لكن اللي كسر قلبي فعلًا كان رد ابني نفسه خليها تمشي، بس لازم تفضل ترعى العيال لحد ما أخلص مشروعي. لمدة سنتين ونص، كنت بحط احتياجاتهم قبل احتياجاتي. الليلة دي ما واجهتهمش، لكن لما شافوا عقد بيتي الجديد، مرات ابني هددتني بتهديد عمري ما هنساه!
الجزء الأول
لو أمك عندها ذرة كرامة، كانت دورت على مكان تعيش فيه من زمان! هو بيتنا بقى دار مسنين؟!
سمعت مرات ابني بتقول الكلام ده وأنا نازلة السلم، شايلة سلة فيها الهدوم النضيفة.
اتجمدت مكاني، وحسيت إن رجلي مش قادرة تتحرك.
لكن اللي وجعني أكتر من كلامها، كان رد ابني نفسه.
قال بكل برود
عندك حق يا لورين، بس استحملي كام شهر كمان. إحنا محتاجينها تفضل توصل العيال وتجيبهم من المدرسة لحد ما أخلص المشروع اللي شغال عليه.
ردت مراته من غير أي إحساس بالذنب
طبعًا! يعني حتى لو مشيت من هنا، مش معنى كده إنها تبطل تساعدنا!
ضغطت على سلة الهدوم لصدرى، وحاولت أمنع دموعي من النزول.
كنت عندي 63 سنة، وربيت ابني تقريبًا لوحدي خلال السنين الأخيرة من مرض جوزي، وعمري ما تخيلت إن اليوم هييجي وأبقى عبء على العيلة اللي ضحيت علشانها بعمري كله.
اسمي أمينة، وكنت بقالي سنتين ونص عايشة في بيت ابني الوحيد، أحمد، ومراته نهى، في مدينة نصر بالقاهرة.
بعد وفاة جوزي، قررت أبيع بيتنا القديم في المنصورة. كان عندي معاش بسيط وشوية مدخرات، وكنت أقدر أعيش بيهم في هدوء ومن غير ما أحتاج لحد.
لكن أحمد أصر إني أعيش معاه.
قال لي وقتها
يا ماما، تعالي عيشي معانا. نهى هترجع لشغلها، والعيال محتاجينك. وبعدين إنتِ هتفضلي لوحدك ليه؟ إحنا أولى بيكي.
وافقت، لأني افتكرت إن وجودي وسط عيلتي هيعوضني عن الوحدة، وإن لسه ليا مكان مهم في حياة ابني وأحفادي.
وفي البداية، كل حاجة كانت جميلة.
كنت بصحّي أحفادي، ملك اللي عندها عشر سنين، ويوسف اللي عنده سبع سنين، وأحضّر لهم الفطار، وأوصلهم المدرسة، وأتابع أنشطتهم، وأرتب هدومهم، وأجهز الأكل لحد ما أهلهم يرجعوا من الشغل.
لكن مع الوقت، المساعدة البسيطة اتحولت لواجب يومي، وكأن ده دوري الطبيعي اللي مفيش من حقّي أرفضه.
كل يوم تلات وخميس، كنت بروح أجيب العيال من المدرسة.
ويوم الأربع، كنت بودي ملك تمرين السباحة.
ويوم الجمعة، كنت بنزل أجيب طلبات البيت.
ولو نهى عندها اجتماع مهم في الشغل، كنت بلغي مواعيدي علشان أقعد مع العيال.
ولا مرة حد فيهم سألني إذا كنت تعبانة أو محتاجة أرتاح.
ولو نسيت أجيب حاجة من السوبر ماركت، كانت نهى تبص لي بطريقة تحسسني إني موظفة عندها وقصّرت في شغلي.
في الليلة دي، بعد ما سمعت كلامهم، رجعت أوضتي بهدوء وقفلت الباب.
بصيت للتقويم المعلق ورا الباب، ولقيته مليان مواعيد والتزامات تخصهم هما، مش تخصني أنا.
جبت قلم، وشطبت كل المواعيد.
ولأول مرة من سنتين ونص، قررت أرجع أعيش لنفسي.
تاني يوم الصبح، حضرت فنجان قهوتي لنفسي وبس.
دخلت نهى المطبخ، وفتحت التلاجة، وبعدين بصت لي باستغراب.
قالت
يا أمينة، فين الحاجات اللي بنجهز بيها سندوتشات العيال؟
رديت بهدوء
ما نزلتش السوبر ماركت.
بصت لي وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
يعني إيه ما نزلتيش؟!
قلت لها
قررت أريح نفسي كام يوم.
ضحكت ضحكة ساخرة وقالت
تريحي نفسك من إيه بس؟!
بصيت لها وقلت
من إني أفضل متاحة ليكم طول الوقت، وكأن معنديش حياة خاصة بيا.
ما ردتش، خطفت شنطتها وخرجت من البيت وهي متضايقة.
خلال الأيام اللي بعدها، بطلت أعمل الحاجات اللي محدش طلبها مني بشكل مباشر، لكنهم اتعودوا إني أعملها كل يوم.
بلغتهم من بدري إنهم لازم ينظموا مواعيد توصيل العيال بنفسهم.
وفجأة، أحمد بدأ يتصل بيا كذا مرة في اليوم علشان يسألني عن حاجات كان بيعتبرها قبل كده من مسؤوليتي أنا.
وفي النهاية، نهى قررت تقعد معايا وتتكلم بصراحة.
قعدت قدامي وقالت
بصي يا أمينة، إحنا شايفين إن الوقت جه إن يبقى ليكي مكان خاص بيكي. العيال كبروا، وإحنا محتاجين شوية خصوصية في بيتنا.
ابتسمت بهدوء وقلت
أنا كمان شايفة إن ده قرار مناسب.
واضح إنها ارتاحت جدًا من ردي، وقالت بسرعة
بس طبعًا هنفضل معتمدين عليكي في موضوع العيال.
بصيت لها وقلت
ده موضوع تاني، ووقتها نبقى نتكلم فيه ونشوف المناسب لينا كلنا.
اختفت الابتسامة من وشها فورًا.
بعد يومين، أحمد بعت لي إعلانات لشقق صغيرة، كلها على بُعد أقل من عشرين دقيقة من بيته.
كان واضح إنهم عايزيني أعيش قريب منهم، علشان يفضلوا قادرين يطلبوا مساعدتي في أي وقت.
لكن الإهانة الحقيقية حصلت لما رجعت من درس الرسم بالألوان المائية.
لقيت قدام أوضتي كرتونة كبيرة.
فتحتها، ولقيت جواها صوري العائلية، واللوحات اللي رسمتها بإيدي، والأباجورة الصغيرة اللي كانت بتاعة جوزي الله يرحمه.
نهى كانت بدأت تطلع حاجتي من الأوضة من غير ما تستأذنني!
وفوق الحاجات، كانت سايبة ورقة مكتوب فيها
علشان تبدأي تجهزي حاجتك للنقل. ومتقلقيش من مواعيد العيال، إحنا رتبنا كل حاجة، وهتفضلي تساعدينا زي ما اتعودنا.
مسكت الورقة بإيدي، وفضلت أبص لها وأنا مش مصدقة اللي بيحصل.
في اللحظة دي، فهمت الحقيقة كاملة.
ابني ومراته ما كانوش بيساعدوني إني أستقل بحياتي وأعيش في مكان يناسبني.
هما كانوا عايزين يتخلصوا من وجودي في بيتهم، لكن من غير ما يخسروا كل الخدمات اللي كنت بقدمها لهم مجانًا!
مسحت دموعي، ولمّيت حاجتي بهدوء، وقررت إني مش هواجههم دلوقتي.
لأنهم كانوا فاكرين إني ست كبيرة، معنديش مكان أروح له، ومضطرة أوافق على أي حاجة يفرضوها عليَّ.
لكن اللي أحمد ونهى ما كانوش يعرفوه، إني بقالي شهور محتفظة بعنوان مكان جديد، ومجهزة لنفسي بداية مختلفة تمامًا.
مكان هيغير حياتي، وهيخليهم هما نفسهم يكتشفوا إنهم غلطوا لما افتكروا إني مجرد ست عجوز ملهاش قيمة.
واللي حصل لما شافوا عقد بيتي الجديد، كان بداية مواجهة عمرهم ما كانوا متوقعينها
الجزء التاني الصدمة اللي ما كانوش عاملين حسابها
تاني يوم الصبح، صحيت بدري، حضرت قهوتي، وقعدت أبص من الشباك وأنا بفكر في السنين اللي فاتت.
كنت طول الوقت بقول لنفسي إن الأم لازم تستحمل علشان ولادها، وإن راحة العيال أهم من راحتها، وإن التضحية جزء من الحب.
لكن اكتشفت إن التضحية لما تبقى من طرف واحد، بتتحول مع الوقت لحاجة الناس بتعتبرها حق مكتسب.
لبست هدومي، وخدت شنطتي، وخرجت من البيت من غير ما أقول لحد أنا رايحة فين.
ركبت تاكسي، وطلبت من السواق يوديني لمكتب المحامي اللي كان بيتابع إجراءات بيع بيتي القديم.
أول ما وصلت، استقبلني بابتسامة وقال
أهلًا يا مدام أمينة، كنت مستني حضرتك. كل الأوراق بقت جاهزة، والشقة اللي اخترتيها تقدري تستلميها في أي وقت.
ابتسمت وأنا بحس براحة كبيرة.
الشقة الجديدة كانت في عمارة هادية، فيها أسانسير وحديقة صغيرة، وقريبة من مركز ثقافي كنت بحلم من زمان إني أشترك فيه علشان أتعلم الرسم وأقابل ناس جديدة.
دفعت المبلغ المتفق عليه من مدخراتي، واستلمت عقد الشقة والمفاتيح.
وأنا خارجة من المكتب، حسيت لأول مرة من سنين إني مش مضطرة أستأذن حد علشان أقرر هعيش إزاي.
رجعت بيت أحمد بعد الظهر، ولقيت نهى قاعدة في الصالة بتتكلم في التليفون.
أول ما شافتني، أنهت المكالمة وسألتني
إنتِ كنتِ فين يا أمينة؟ إحنا محتاجين نتفق على موضوع النقل.
قلت لها بهدوء
مفيش مشكلة، أنا فعلًا لقيت مكان مناسب.
بصت لي باستغراب.
بالسرعة دي؟!
ابتسمت وقلت
أيوه، الحمد لله.
في اللحظة دي، أحمد خرج من أوضته، ولما سمع كلامنا، قرب وسألني
لقيتي شقة يا ماما؟
قلت له
أيوه يا حبيبي، واستلمت العقد كمان.
نهى بصت لأحمد، وبعدين رجعت بصت لي، وقالت بنبرة فيها استغراب واضح
طب ورينا العقد كده، نشوف المكان اللي اخترتيه.
طلعت العقد من شنطتي، وحطيته على الترابيزة.
أحمد أخده وبدأ يقرأ التفاصيل، وبعد ثوانٍ، رفع رأسه وبص لي بصدمة.
إيه ده يا ماما؟! إنتِ اشتريتي الشقة دي؟!
هزيت رأسي بهدوء.
أيوه يا أحمد. اشتريتها من فلوسي اللي وفرتها على مدار السنين.
نهى خطفت العقد من إيده، وبدأت تقرأ العنوان والتفاصيل بسرعة.
وشها اتغير تمامًا.
الشقة كانت أوسع وأحسن من الشقة اللي كانوا باعتين لي إعلاناتها، وفي منطقة هادية، وكل حاجة فيها مناسبة لاحتياجاتي.
قالت بحدة
يعني إنتِ كان معاكي فلوس طول الوقت، وكنتي ساكتة؟!
بصيت لها باستغراب وقلت
فلوسي تخصني يا نهى، وأنا مش مطالبة أشرح لحد أنا بصرفها إزاي.
أحمد تدخل بسرعة
يا ماما، إحنا مش بنحاسبك، بس كنا فاكرين إنك محتاجة حد يساعدك.
قلت له
وأنا كنت فاكرة إنكم عايزيني أعيش معاكم علشان أنا أمك، مش علشان أوصل العيال وأعمل طلبات البيت.
ساد الصمت في الصالة.
نهى حطت العقد على الترابيزة بعصبية وقالت
يعني إنتِ ناوية تمشي وتسيبينا في الوقت ده؟! إحنا عندنا شغل والتزامات، والعيال متعودين عليكي!
بصيت لها وقلت
العيال أحفادي، وهفضل أحبهم وأشوفهم. لكن أنا مش مسؤولة عن تنظيم حياتكم بدل منكم.
وفجأة، نهى وقفت وقالت بصوت عالي
لو خرجتي من البيت ده، متفكريش إنك هتقدري ترجعي وقت ما تحبي! وإحنا كمان ممكن نخليكي تندمي على القرار ده!
أحمد بص لها بصدمة وقال
نهى! إنتِ بتقولي إيه؟!
لكنها ما اهتمتش، وكملت كلامها وهي بتبص لي
إنتِ فاكرة إن الشقة والفلوس دول هيخلّوكي تقدري تستغني عن ابنك وأحفادك؟!
بصيت لها، وبعدها بصيت لأحمد، اللي كان واقف ساكت ومش عارف يقول إيه.
أخدت عقد الشقة من على الترابيزة، وحطيته في شنطتي، وقلت بهدوء
أنا عمري ما استغنيت عن ابني، ولا هتخلى عن أحفادي. لكن من النهارده، مش هسمح لحد يخليني أحس إني عبء علشان أنا اخترت أساعده.
اتجهت ناحية أوضتي علشان أجهز باقي حاجتي.
لكن قبل ما أوصل، سمعت أحمد بيناديني
استني يا ماما، لازم نتكلم.
وقفت مكاني، ولفيت ناحيته.
كان واقف ووشه مليان ارتباك، وقال جملة ما كنتش متوقعة أسمعها منه أبدًا
ماما، قبل ما تمشي، لازم تعرفي إن نهى مخبية عنك حاجة بقالها شهور وحاجة لو عرفتيها، ممكن تغيّر رأيك في كل اللي حصل.
يتبع
الجزء التالت السر اللي ابني خبّاه عني
بصيت لأحمد، وحسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
سألته وأنا بحاول أتماسك
إيه الحاجة اللي نهى مخبياها عني يا أحمد؟ اتكلم، أنا سامعاك.
أحمد بص لمراته، ونهى وشها اتغير في لحظة، وصرخت فيه
إنت اتجننت؟! إوعى تفكر تقول أي حاجة!
لكن أحمد المرة دي ما سكتش.
قال بصوت متردد
يا ماما، من حوالي ست شهور، نهى عرفت إن بابا كان سايب مبلغ من الفلوس في حساب قديم، وإن المبلغ ده من حقك إنتِ.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
فلوس أبوك؟! إنت بتقول إيه؟!
كمل أحمد
بعد وفاة بابا، المحامي كان بيجمع أوراق التركة، واكتشف إن فيه حساب توفير قديم باسمك وباسم بابا، وكان فيه مبلغ محترم. نهى عرفت بالموضوع لما ساعدتني أرتب بعض الأوراق.
بصيت لنهى، وقلت
وإنتِ عرفتي من ست شهور، ومقولتيليش؟
نهى اتوترت، لكنها حاولت تتكلم بثقة
أنا مكنتش مخبية حاجة. الموضوع كان محتاج مراجعة، ومكنش فيه داعي نقلقك بيه.
رد أحمد بسرعة
بس إنتِ قلتيلي وقتها إن الأفضل ما نفتحش الموضوع دلوقتي، وإن ماما مش محتاجة تعرف لحد ما نشوف الإجراءات.
حسيت بوجع كبير جوايا.
أنا عمري ما كنت بطلب منهم فلوس، ولا كنت مستنية منهم يساعدوني ماديًا. لكن إنهم يعرفوا إن ليا حق مالي ويسكتوا عني، دي كانت صدمة مختلفة تمامًا.
سألت أحمد
طيب، الفلوس دي موجودة لحد دلوقتي؟
هز رأسه وقال
أيوه يا ماما، موجودة. وأنا غلطان إني ما قلتلكيش من البداية.
نهى قربت منه وقالت بعصبية
إنت بتكبر الموضوع ليه؟! إحنا كنا بنحاول نرتب أمورنا، ومفيش حد أخد منها حاجة!
بصيت لها وقلت
أنا مش بتكلم عن إن حد أخد فلوسي. أنا بتكلم عن حقي إني أعرف اللي يخصني.
نهى سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مستعدة تعترف بأي خطأ.
في اللحظة دي، أخدت قراري.
قلت لأحمد
بكرة هروح للمحامي، وهراجع كل أوراق الحساب بنفسي. من النهارده، أي حاجة تخصني هعرفها من مصدرها،

تم نسخ الرابط