ي سن الـ63 حكايات_ميراا حصري
المحتويات
يا ماما.
قلت له أوي. واكتشفت إني لسه عندي حاجات كتير أعملها.
ابتسم وقال وده اللي أنا عايزه أشوفه.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد عدة شهور.
نهى اتصلت بيا في يوم، وقالت إنها محتاجة تتكلم معايا لوحدنا.
لما جات، كانت شايلة كراسة كبيرة.
قالت فاكرة لما كنتِ بتحكي لنا إنك كنتِ بتحبي الخياطة والتفصيل، وإن نفسك في يوم تعملي مشروع صغير؟
ابتسمت وقلت طبعًا فاكرة. بس الكلام ده من زمان.
فتحت الكراسة، ولقيت فيها دراسة بسيطة لمشروع ورشة خياطة صغيرة، مع حسابات للمصاريف والمعدات والمكان.
قالت أنا عارفة إنك شاطرة في الخياطة، وفكرت إن ممكن نساعدك تبدئي المشروع اللي بتحلمي بيه. مش علشان تشيلي عننا مسؤوليات، ولا علشان تفضلي متاحة لينا طول الوقت. علشان يبقى عندك حاجة تخصك إنتِ.
فضلت باصة للكراسة من غير كلام.
نهى كملت مش لازم توافقي، ومش لازم تعملي حاجة علشان ترضينا. أنا بس حبيت أقول لك إننا نقدر نبدأ من جديد، بطريقة أحسن.
حسيت إن قلبي بيتحرك بين الفرحة والحذر.
سألتها وإنتِ متأكدة إنك فاهمة إن المشروع ده هيبقى شغلي أنا، وأنا اللي هاخد قراراته؟
قالت من غير تردد أيوه. وإحنا ممكن نساعدك في البداية لو إنتِ حابة، لكن القرار كله ليكي.
ابتسمت وقلت يبقى خلينا ندرس الموضوع كويس.
ما وافقتش فورًا، وما رفضتش.
قررت أراجع التكاليف، وأختار المكان المناسب، وأتأكد إن المشروع مش هيحطني تحت ضغط أكبر من قدرتي.
وبعد شهرين، افتتحت ورشتي الصغيرة.
علقت لافتة فوق الباب مكتوب عليها
ورشة أمينة للخياطة والتفصيل.
في أول يوم، دخلت المكان بدري، ولمست ماكينة الخياطة بإيدي، وحسيت إني بدأت فصلًا جديدًا من حياتي.
ما كانش المشروع كبيرًا، لكنه كان بتاعي.
أنا اللي اخترت مكانه، وأنا اللي حددت مواعيد الشغل، وأنا اللي قررت أقبل أنهي
طلبات وأرفض أنهي طلبات.
ولما أحمد جه يزورني، وقف قدام اللافتة وقال بفخر مبروك يا ماما!
ضحكت وقلت الله يبارك فيك يا حبيبي. المرة دي أنا اللي هبقى مشغولة بالشغل، وإنت اللي هتحتاج تحجز معايا ميعاد!
ضحكنا إحنا الاتنين.
وفي اللحظة دي، عرفت إن العلاقة بيننا بدأت تتغير فعلًا.
مش لأن كل الأخطاء اختفت، لكن لأننا بدأنا نفهم إن الحب الحقيقي مش معناه إن شخص يضحي بكل حاجة، وشخص تاني ياخد كل حاجة من غير ما يحس.
الحب الحقيقي إن كل واحد يشوف التاني، ويحترمه، ويسيب له مساحة يعيش فيها بكرامة.
وأنا أخيرًا بقيت أمينة اللي بحبها مش بس أم أحمد، ولا جدة ملك ويوسف، لكن إنسانة ليها اسمها وحلمها وحياتها.
الجزء الخامس السر اللي ظهر بعد افتتاح ورشتي
عدّت تلات شهور على افتتاح ورشتي، والشغل بدأ يزيد واحدة واحدة. بقيت أستقبل طلبات من ستات المنطقة، وكل واحدة كانت بترجعلي وهي مبسوطة من شغلي.
لكن في يوم، دخلت عليّا سيدة في أواخر الخمسينات، لابسة شيك، وشايلة شنطة جلد قديمة.
وقفت قدام ماكينة الخياطة وقالت
إنتِ أمينة؟
ابتسمت وقلت أيوه، اتفضلي يا فندم، أقدر أساعدك إزاي؟
قعدت قدامي وطلعت من شنطتها قطعة قماش قديمة، ملفوفة بعناية في ورق أبيض.
قالت أنا اسمي سعاد، وكنت صاحبة محل ملابس زمان. سمعت عن شطارتك من واحدة صاحبتي، وجاية أطلب منك طلب مختلف شوية.
فردت القماش، ولقيته فستان قديم جدًا، لكنه كان معمول بحرفية غريبة، وفيه تطريز دقيق على الأكمام.
سألتها عايزة أصلحه لحضرتك؟
هزت رأسها وقالت لأ، أنا عايزاكي تعملي نسخة منه. الفستان ده كان بتاع أمي، وهي اللي كانت خيطاه بإيديها من أكتر من أربعين سنة. نفسي أرجع أشوفه بالشكل ده تاني.
مسكت الفستان وبدأت أتأمل تفاصيله، وحسيت إن الشغلانة دي محتاجة صبر وتركيز كبير.
قلت لها هحتاج وقت علشان أعمله بنفس الدقة دي.
ابتسمت وقالت خدي وقتك. أنا مش مستعجلة، والأهم عندي إن اللي تعمليه يكون بحب.
الكلمة دي لمست قلبي.
بدأت أشتغل على الفستان يوم ورا يوم، وكل ما أخلص جزء، أراجع التفاصيل وأقارنها بالأصل.
وبعد أسبوعين، خلصت الشغل.
لما سعاد شافته، فضلت ساكتة للحظات، وبعدها عينيها دمعت.
قالت إنتِ رجعتيلي ذكرى أمي، كأنها لسه موجودة قدامي.
حضنتني، وشكرتني، وبعدها سألتني إذا كنت موافقة أشتغل معاها في مشروع صغير لإعادة تصميم الملابس القديمة وتحويلها لقطع جديدة.
وافقت بعد ما اتفقنا على التفاصيل، وبدأت ورشتي تاخد شكل مختلف.
ما بقيتش مجرد ست بتخيط هدوم للناس؛ بقيت بساعدهم يحتفظوا بذكرياتهم بطريقة جديدة.
لكن النجاح الصغير ده ما عجبش كل الناس.
في يوم، أحمد دخل الورشة وهو متضايق، وقال
يا ماما، فيه كلام بيتقال عنك في العيلة.
حطيت المقص على الترابيزة وسألته كلام إيه؟
قال فيه ناس بتقول إنك اتغيرتي بعد ما استقلّيتي، وإنك بقيتي مشغولة بنفسك ومش بتسألي عن حد.
ابتسمت بهدوء، وقلت وإنت رأيك إيه؟
اتردد شوية، وبعدها قال أنا شايف إنك مبسوطة، وده أهم حاجة. بس كنت عايز أعرف إذا كان الكلام ده مضايقك.
رديت زمان كنت هزعل جدًا، ويمكن كنت هسيب كل حاجة وأجري أرضي الناس. لكن دلوقتي فهمت إن مش كل حد هيوافق على اختياراتي، وده مش معناه إني غلطانة.
أحمد قعد على الكرسي وقال نفسي أتعلم أعمل كده.
ضحكت وقلت ابدأ بأنك متحاولش ترضي كل الناس على حساب نفسك. واسمع كلامهم، لكن فكر قبل ما تقرر.
وقبل ما يمشي، قال لي إنه عايز ياخد ملك ويوسف يزوروني يوم الجمعة.
وافقت، واتفقنا إنهم يقضوا اليوم معايا، وبعدها يرجعوا البيت في معاد مناسب.
يوم الجمعة، ملك دخلت الورشة وهي شايلة كراسة رسم، ويوسف جري ناحية ماكينة الخياطة.
قلت له استنى يا حبيبي، الماكينة دي محتاجة حذر. تعالى أوريك إزاي بنستخدمها بأمان.
قعدت معاهم وبدأت أعلم ملك ترسم تصميمات بسيطة، بينما يوسف كان بيساعدني أرتب بكر الخيط الملونة.
وفجأة، ملك رفعت رأسها وسألتني
تيتة، هو إنتِ كنتِ زعلانة من بابا قبل كده؟
السؤال فاجأني.
بصيت لها وقلت أوقات كنت بزعل، يا حبيبتي، لكن ده مش معناه إني مش بحبه.
قالت طب ليه كنتِ عايشة معانا وبعدين روحتي بيت تاني؟
قعدتها جنبي وقلت لها علشان كل واحد فينا محتاج يكون عنده مكان يرتاح فيه، وماما وبابا محتاجين ينظموا حياتهم، وأنا كمان محتاجة أعيش حياتي. بس ده عمره ما هيمنعني إني أحبك إنتِ ويوسف.
فكرت شوية، وبعدها حضنتني وقالت أنا بحب بيتك يا تيتة، علشان بنقعد نرسم فيه ومحدش بيكون مستعجل.
ضحكت وقلت يبقى لازم نخلي لنا يوم للرسم كل أسبوع.
بعد فترة، أحمد بدأ يلاحظ إن ملك ويوسف بقوا بيحبوا يزوروني، مش علشان أعمل لهم أكل أو أساعد في واجباتهم بس، لكن علشان نقضي وقت مع بعض.
وفي يوم، قال لي
يا ماما، أنا اكتشفت إن لما كنتِ بتعملي كل حاجة لينا، إحنا ما كناش بندي لنفسنا فرصة نتعلم نتحمل مسؤولياتنا.
قلت له بالضبط يا أحمد. المساعدة حلوة، لكن لما حد يشيل عننا كل حاجة طول الوقت، ممكن نتعود على ده وننسى إن المسؤولية مشتركة.
هز رأسه وقال أنا مش عايز أرجع للغلط ده تاني.
ومن يومها، بقينا نتفق على الزيارات والمواعيد بوضوح، وكل واحد بقى مسؤول عن بيته وأولاده، وأنا بقيت أساعدهم وقت ما أقدر وأحب، من غير ما أحس إني مضطرة.
وفي ليلة هادية، وأنا بقفل الورشة، لقيت ظرفًا صغيرًا تحت الباب.
فتحته، ولقيت جواه ورقة مكتوب فيها
أستاذة أمينة، إحنا مجموعة من أصحاب المحلات في المنطقة، وعجبنا شغلك جدًا. بنجهز لمعرض للمشروعات الصغيرة، وعايزين نديكي مكان مميز تعرضي فيه تصميماتك.
فضلت أبص للورقة وأنا مش مصدقة.
تاني يوم اتصلت بالرقم المكتوب، وعرفت تفاصيل المعرض.
كان أكبر من أي حاجة تخيلتها لنفسي، وفيه مشروعات كتير من ستات بدأوا من الصفر، وكل واحدة بتحاول تثبت إن العمر أو الظروف مش لازم يكونوا نهاية الأحلام.
وافقت أشارك، وبدأت أجهز تصميماتي.
ولما أحمد عرف، جه الورشة ومعاه ملك ويوسف، وقال
إحنا جايين نساعدك في التجهيزات، لو إنتِ موافقة طبعًا.
بصيت لهم وابتسمت موافقة، بس كل واحد فيكم له شغل محدد، ومفيش حد هيتحكم في شغلي غيري!
ضحكوا كلهم، وبدأنا نشتغل.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن عيلتي بتقف جنبي علشان تشوفني أنجح، مش علشان تستفيد من تعبي.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن المعرض ده هيكون بداية لمفاجأة أكبر بكتير، وإن رسالة هتوصلني قبل افتتاحه بيوم واحد هتخليني أعيد التفكير في كل اللي كنت فاكرة إني عرفته عن ماضي عيلتي...
يتبع...
الجزء السادس الرسالة اللي قلبت كل حاجة
قبل افتتاح المعرض بيوم واحد، كنت قاعدة في الورشة براجع التصميمات، وفجأة تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت راجل كبير بيقول
مساء الخير يا مدام أمينة، أنا الأستاذ محمود، محامي المرحوم جوز حضرتك. محتاج أقابلك في موضوع مهم جدًا يخص أوراق قديمة ظهرت عندي بالصدفة.
قلبي اتقبض.
سألته موضوع إيه يا أستاذ محمود؟
قال أفضل أقابلك وأشرحلك بنفسي. الموضوع مش خطر، لكن فيه معلومة من حقك تعرفيها.
اتفقنا نتقابل تاني يوم الصبح، قبل افتتاح المعرض.
نمت الليلة دي وأنا بفكر في كل الاحتمالات، ولما وصلت لمكتبه، استقبلني وطلع ملف قديم من الدرج.
قال فاكرة البيت اللي كنتِ عايشة فيه في المنصورة قبل ما تنتقلي للقاهرة؟
قلت طبعًا فاكره، ده البيت اللي عشت فيه مع جوزي سنين طويلة.
فتح الملف ووراني صورة من عقد قديم، وبعدها قال زوج حضرتك كان اشترى حصة إضافية في قطعة أرض مجاورة للبيت، من سنين طويلة، وكان محتفظ بالأوراق دي. لكن الحصة دي ما اتضافتش بشكل واضح لملف التركة وقتها.
بصيت له باستغراب.
يعني إيه؟ الأرض دي لسه موجودة؟
قال حسب المستندات اللي معايا، فيه حصة مسجلة باسمه، ولازم نراجع السجلات الحالية علشان نحدد وضعها القانوني بدقة.
حسيت بصدمة كبيرة.
سنين طويلة وأنا فاكرة إني بعت البيت وكل حاجة مرتبطة بالماضي انتهت، وفجأة ظهر موضوع جديد محتاج مراجعة.
سألته طب ليه محدش قال لي الكلام ده من زمان؟
رد الأوراق كانت ضمن مستندات قديمة غير مكتملة، ومحدش انتبه ليها إلا أثناء مراجعة ملف آخر.
أخدت نسخة من المستندات، وقررت ما أستعجلش في أي قرار قبل ما أفهم كل التفاصيل.
لكن قبل ما أمشي، المحامي قال جملة فضلت ترن في وداني
يا مدام أمينة، أهم حاجة إنك ما توقعيش على أي ورقة تخص الأرض دي قبل ما تتأكدي من كل حقوقك.
خرجت من عنده واتجهت للمعرض.
كنت بحاول أركز في تجهيزات الجناح، لكن عقلي كان مشغولًا بالموضوع الجديد.
أحمد لاحظ إني ساكتة، فقرب مني وسأل
مالك يا ماما؟ حصل حاجة؟
حكيت له اللي عرفته.
اتغيرت ملامحه، وقال أنا أول مرة أسمع عن الأرض دي.
قلت له وأنا كمان. وعلشان كده هراجع كل حاجة بنفسي.
ما حاولش يضغط عليّا أو يقنعني أتصرف بسرعة، وده خلاني أحس إنه فعلًا اتغير عن زمان.
قال لو احتجتي مساعدة في مراجعة الأوراق، أنا موجود. لكن القرار قرارك.
ابتسمت وقلت وده كل اللي كنت محتاجاه منك يا أحمد.
افتتاح المعرض كان أجمل مما توقعت.
ناس كتير وقفت قدام تصميماتي، وسعاد كانت موجودة وبتعرف الزوار على شغلي.
واحدة من المنظمات سألتني عن بداية مشروعي، فحكيت لها إزاي بدأت بماكينة خياطة بسيطة، وإزاي قررت أدي نفسي فرصة جديدة بعد سنين من تأجيل أحلامي.
في نهاية اليوم، أعلنوا عن جائزة لأفضل مشروع نسائي ناشئ.
ولما سمعت اسمي ضمن الفائزات، فضلت واقفة مكاني مش مصدقة.
كنت كسبت جائزة تقديرية، ومعاها فرصة للمشاركة في برنامج تدريب يساعدني أطور ورشتي.
ملك جريت عليّا وهي بتقول
تيتة! إنتِ كسبتي!
حضنتها وقلت إحنا لسه في أول الطريق يا حبيبتي.
أحمد ونهى كانوا واقفين بعيد شوية، وبيصفقوا لي.
نهى قربت مني وقالت أنا فخورة بيكي يا أمينة.
المرة دي، ابتسامتها كانت هادية وصادقة، وأنا رديت عليها بابتسامة من غير ما أرجع أفكر في الماضي.
مش كل حاجة بتتصلح في يوم وليلة، لكن أحيانًا تغيير التصرفات بيكون بداية حقيقية.
بعد أسبوع، رجعت للمحامي علشان نكمل مراجعة أوراق الأرض.
اكتشفنا إن الموضوع محتاج استخراج مستندات إضافية ومراجعة التسجيلات،
متابعة القراءة