بنتي اتطلقت حكايات ميراا حصري

لمحة نيوز

غير لما قررت هي تغيّر حياتها.
بعد أيام، اتصل أحمد وطلب يقابلها في مكان عام علشان يتكلموا بخصوص سلمى.
مريم وافقت، وراحت المقابلة وهي عارفة إنها مش راجعة تفتح باب الجواز من جديد.
أحمد وصل بدري، وكان معاه ملف صغير.
قال لها راجعت كل الفواتير اللي قدرت أوصل لها، وكتبت قائمة بالحاجات اللي اشتريتيها بفلوسك. عايز نتفق على طريقة عادلة لتقسيم أي ممتلكات شخصية لسه موجودة في البيت، من غير مشاكل.
مريم بصّت له باستغراب.
دي كانت أول مرة تشوفه بيتعامل مع الموضوع بمسؤولية من غير ما يستنى أمه تقرر عنه.
قالت له أنا مش عايزة آخد أكتر من حقي، ولا عايزة أفضل في خلافات معاك. كل اللي محتاجاه إننا نخلص الموضوع باحترام، ونحافظ على نفسية سلمى.
أحمد وافق، واتفقوا إنهم يراجعوا الأوراق مع محامٍ، وإن أي اختلاف يتحل بالقانون.
وقبل ما يمشي، قال لها
أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، ومش هطلب منك ده. بس عايزك تعرفي إن سكوتي زمان كان غلط، وإن بنتنا تستحق تشوفني بتصرف بشكل أحسن.
مريم ردّت التغيير الحقيقي مش كلام يا أحمد. الأيام هي اللي هتثبت.
ومرت الشهور.
مريم استقرت في شقتها، وبدأت شغلها يتحسن، وسلمى اتعودت على بيتها الجديد، وبقت تقضي وقتًا جميلًا في البلكونة وهي بتزرع النباتات مع أمها.
أما الحاجة نادية، فبدأت تتعلم تتعامل مع مريم باحترام، خصوصًا لما فهمت إن علاقتها بحفيدتها مش هتكون على حساب كرامة أمها.
وفي يوم عيد ميلاد سلمى، اتجمعت العيلة في الشقة الجديدة.
كانت مريم واقفة جنب النيش القديم، وبتحط عليه صورة أبوها، لما أحمد قرب منها وقال
عارفة؟ أنا كنت فاكر إن البيت هو الحيطان والعفش، وإن طالما الملكية باسمي يبقى أنا صاحب القرار في كل حاجة.
مريم بصّت له وقالت البيت مش ملكية وبس يا أحمد. البيت أمان، واحترام، وإن كل واحد يحس إن صوته مسموع.
هزّ راسه وقال اتعلمت ده متأخر، بس أتمنى ما أكررش نفس الغلطة مع سلمى.
في اللحظة دي، سلمى جريت عليهم وهي شايلة رسمة عملتها بنفسها.
كانت راسمة بيتًا صغيرًا، قدامه شجرة، وفي الشباك ست وبنت صغيرة مبتسمتين.
قالت بفرحة دي أنا وماما في بيتنا الجديد!
مريم حضنتها، وحست إن كل التعب اللي فات ما راحش هدر.
وبعد ما الضيوف مشيوا، فتحت درج النيش علشان تحط رسمة سلمى في مكان آمن، فلاحظت ورقة صغيرة كانت مستخبية خلف أحد الألواح.
كانت رسالة أخيرة بخط أبوها
يا مريم، لو وصلتي لليوم اللي تقدري فيه تفتحي الرسالة دي وإنتِ مطمئنة، يبقى أهم حاجة كنت بتمناها ليكي اتحققت إنك بقيتي عارفة قيمتك، ومش مستنية حد يثبتها لك.
مريم ضمّت الرسالة لصدرها، وابتسمت وسط دموعها.
لأنها فهمت أخيرًا إن أعظم حاجة سابها لها أبوها ما كانتش شقة ولا فلوس ولا مستندات.
كانت الثقة في نفسها، والشجاعة إنها تبدأ من جديد، حتى لو اضطرت تبدأ من الصفر.
وهكذا، القصة اللي بدأت بإهانة قدام عمال نقل العفش، انتهت بدرس عمره ما هيتنسي مش كل اللي بيخرج من بيت خسران، ساعات بيكون خروجه هو أول خطوة في طريق كرامته وراحته.
الجزء السابع والأخير اليوم اللي رجعت فيه مريم أقوى من الأول
بعد مرور سنة كاملة، كانت مريم واقفة في ورشتها الجديدة للعلاج الطبيعي، بتستقبل أول عميلة في اليوم.
أخيرًا، قدرت تحقق حلم كانت مأجلاه سنين طويلة، وبدأت مشروعها الصغير بمساعدة شريكة قديمة من أيام الشغل.
أما سلمى، فكانت بقت أكثر استقرارًا، ودرجاتها في المدرسة اتحسنت، وبقت بتحكي لأمها كل يوم عن أصحابها والأنشطة اللي بتعملها.
وفي مساء يوم الجمعة، وصل لمريم اتصال من أحمد.
قال لها مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم، بس المرة دي مش بخصوص البيت ولا العفش.
وافقت تقابله في كافيه قريب من مدرسة سلمى.
لما وصل، لاحظت إنه كان متوترًا، لكنه بدأ كلامه بهدوء
أنا عارف إنك بنيتي حياة جديدة، ومش جاي أطلب منك ترجعي. أنا بس عايز أقولك إني أخيرًا بدأت أفهم حجم الغلط اللي عملته لما سبت أمي تتدخل في كل تفاصيل حياتنا.
مريم سألته وإيه اللي خلاك تفهم ده دلوقتي؟
ردّ لما بقيت مسؤول عن كل قراراتي بنفسي، اكتشفت إن أسهل حاجة كانت إني أقولك اصبري، وأصعب حاجة كانت إني أواجه المشكلة. وأنا اخترت الأسهل كل مرة.
سكت شوية، وبعدها أضاف
أنا بدأت أروح لمختص يساعدني أتعلم إزاي أحط حدود صحية في علاقتي بعيلتي، وإزاي أكون أب أفضل لسلمى.
مريم استمعت له من غير ما تقاطعه، ثم قالت
أنا سعيدة إنك بتحاول تتغير، بس عايزاك تعرف إن التغيير ده لازم يكون علشان نفسك وبنتك، مش علشاني. إحنا انتهينا كزوجين، لكن هنفضل مسؤولين عن تربية سلمى مع بعض.
أحمد هزّ راسه موافقًا.
فاهم، وده اللي هحاول ألتزم بيه.
ولما رجعت مريم البيت، لقت سلمى مستنياها، وجنبها النيش القديم اللي كانت جدتها قد رممته من جديد.
سلمى قالت بحماس ماما، تيتة فاطمة قالت إنها هتعلمني أرمم الخشب زيها! وأنا هعمل صندوق صغير أحط فيه رسوماتي.
مريم ضحكت وقالت فكرة جميلة يا حبيبتي، بس خلي بالك، الخشب القديم محتاج صبر واهتمام.
سلمى ردّت ببراءة زي الناس بالظبط يا ماما؟
مريم وقفت لحظة، وبعدين ابتسمت.
أيوه يا سلمى، زي الناس بالظبط. بس فيه حاجات لما تتكسر، بنقدر نصلحها، وفيه حاجات لازم نتعلم منها ونبدأ من جديد.
وفي اليوم التالي، زارت الحاجة نادية شقة مريم، وجابت معاها بعض الصور القديمة لسلمى وهي صغيرة.
قعدت مع حفيدتها، وحكت لها ذكريات لطيفة من طفولتها، من غير ما تتدخل في قرارات أمها أو تنتقدها.
وقبل ما تمشي، قربت من مريم وقالت
أنا عارفة إن اعتذاري مش هيمسح اللي حصل، بس أنا بحاول أكون أحسن. ومش هطلب منك تنسي، كل اللي بطلبه إنك تسيبي الأيام تثبتلك إني اتغيرت.
مريم ردّت بهدوء الوقت هيبين يا حاجة نادية. أهم حاجة إن الاحترام يفضل موجود، مهما اختلفنا.
وبعد ما الباب اتقفل، رجعت مريم للنيش، وفتحت الدرج اللي احتفظت فيه برسالة أبوها.
قرأت آخر سطر مرة تانية
يا بنتي، ما تخليش خوفك من خسارة البيت يخليكي تخسري نفسك.
مريم ابتسمت، وقفلت الدرج برفق.
كانت عارفة إن حياتها مش بقت مثالية، وإن قدامها أيام صعبة ومسؤوليات كتير، لكن الفرق إنها مبقتش خايفة من البداية الجديدة.
لأنها اتعلمت إن كرامة الإنسان مش مرتبطة بحجم البيت اللي عايش فيه، ولا بكمية العفش اللي يملكه، ولا برضا الناس عنه.
وأحيانًا، أصعب قرار في حياتنا بيكون هو القرار اللي بينقذنا.
أما النيش القديم، ففضل في مكانه جنب الشباك، وعلامة الحرق الصغيرة لسه موجودة.
لكن مريم ما حاولتش تشيلها أبدًا؛ لأنها بقت بالنسبة لها ذكرى بتفكرها إن حتى الحاجات اللي بتتعرض للتلف ممكن تفضل جميلة، وإن الماضي مهما كان مؤلمًا، مش لازم يمنعنا من بناء مستقبل أفضل.
النهاية.
حكاية جديدة الظرف اللي وصل بعد وفاة أبوها
في ليلة شتوية، كانت مريم بتقفل محلها الصغير في دمياط، لما لقت راجل كبير في السن واقف قدام الباب، ماسك ظرف بني قديم، وبيسأل عنها بالاسم.
قال لها إنتِ مريم بنت الحاج عبد الرحمن؟
ردت بحذر أيوه، حضرتك مين؟
مدّ إيده بالظرف وقال أبوكي سلّمني الأمانة دي من سنين، ووصاني ما أسلّمهالكش غير لما توصلي لسن معين بس فيه حاجة حصلت، ولازم تعرفي الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
مريم بصّت للظرف، ولما شافت خط أبوها على الغلاف، إيديها بدأت ترتعش.
كان مكتوب عليه جملة واحدة
لمريم وحدها افتحي الرسالة لما تفتكري إنك عرفتي كل حاجة عن عيلتك.
رف

تم نسخ الرابط