استوديو الباليه حكايات ميرا حصري

لمحة نيوز

بعد قبول ملك في البرنامج التدريبي الجديد، افتكرت إن أصعب مرحلة في حياتنا انتهت، وإن بنتي أخيرًا هترجع تعيش حلمها من غير خوف.
لكن بعد أسبوعين، حصلت مفاجأة ما كانتش على بالنا.
كنت راجعة من الشغل، ولقيت ملك قاعدة في الصالة، قدامها ظرف كبير عليه شعار استوديو الباليه.
وشها كان متغير، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الورقة اللي جواه.
سألتها بقلق مالك يا ملك؟ فيه إيه؟
رفعت عينيها ليا وقالت يا ماما، أستاذة نجلاء عايزاني أشارك في عرض خاص، بس فيه مشكلة.
قعدت جنبها وسألتها مشكلة إيه يا حبيبتي؟
طلعت الورقة وادتهالي.
كان الاستوديو بيجهز لعرض كبير هيشارك فيه مجموعة من الراقصات الشابات، وكانوا مختارين ملك تؤدي دورًا أساسيًا في إحدى الفقرات.
لكن التدريبات الإضافية هتكون في مواعيد مختلفة، وفي أيام هتحتاج ترجع فيها متأخر.
ملك بصتلي وقالت أنا نفسي أوافق، بس مش عايزة أتعبكم معايا تاني. وكمان خايفة لو ما قدرتش ألتزم بالمواعيد، يخسروني الفرصة.
ابتسمت وقلت إحنا هنشوف جدول التدريب، وهنرتب أمورنا. مش معنى إن فيه صعوبة إننا نتخلى عن حلمك.
لكن ملك هزت راسها وقالت الموضوع مش المواصلات بس يا ماما.
استغربت وسألتها أمال إيه؟
سكتت شوية، وبعدها قالت أنا خايفة أرجع أغلط قدام الناس، وأحس بنفس الإحساس اللي حسيت بيه يوم الاختبار الأول.
مسكت إيديها وقلت يا ملك، إنتِ مش مطالبة تثبتي إنك ما بتغلطيش. إنتِ مطالبة تدي نفسك فرصة تتعلمي.
في اللحظة دي، أحمد دخل البيت، وسمع آخر كلامنا.
قعد معانا، وقرأ الخطاب، وبعدها قال بحسم خلاص، إحنا هنرتب مواعيدنا من جديد. مش كل يوم هتكون الدنيا سهلة، لكن طول ما إنتِ بتجتهدي وبتحافظي على دراستك، هنعمل اللي نقدر عليه عشان نساعدك.
ملك ابتسمت، لكن المرة دي ما كانش في عينيها خوف زي الأول.
كان فيها أمل.
تاني يوم، راحت ملك الاستوديو وقابلت أستاذة نجلاء.
وافقت على المشاركة في العرض، وبدأت تستعد للتدريبات المكثفة.
ومع مرور الأيام، بدأت تتحسن بشكل ملحوظ.
كانت ترجع البيت تعبانة، لكن أول ما تحط شنطتها، تبدأ تحكيلي عن اللي اتعلمته.
يا ماما، النهارده المدربة خلتنا نعيد نفس الحركة عشر مرات!
أضحك وأسألها وعملتيها كام مرة صح؟
فترد بفخر في الآخر عملتها كلها صح!
وأحمد كان كل ما يشوفها تتمرن، يقول أنا بدأت أقلق، شكلنا هنحتاج نحجز تذاكر العرض من دلوقتي!
فتضحك ملك وترد استنى لما تشوفني على المسرح الأول يا بابا.
وقبل العرض بأيام قليلة، أستاذة نجلاء اتصلت بيا وطلبت مني أروح الاستوديو.
لما وصلت، استقبلتني بابتسامة وقالت يا مدام منى، كنت عايزة أقول لحضرتك إن ملك اتطورت جدًا. مش بس في الرقص، لكن كمان في ثقتها بنفسها وطريقة تعاملها مع الأخطاء.
شكرتها، لكنها أضافت
وفيه حاجة تانية. إدارة الاستوديو قررت تختار واحدة من المشاركات الشابات عشان تحصل على منحة تدريبية إضافية السنة الجاية. والاختيار هيكون بناءً على الأداء والالتزام والتطور خلال البرنامج.
رجعت البيت وأنا بفكر في كلامها.
ما قلتش لملك أي حاجة، لأني ما كنتش عايزاها تحس بضغط جديد.
لكن قبل العرض بيوم، لقيتها قاعدة في أوضتها، بتبص لحذاء الباليه بتاعها.
دخلت وسألتها بتفكري في إيه؟
قالت بفكر في أول يوم اتقبلت فيه في البرنامج، وإزاي كنت فرحانة. وبعدين لما حصلت المشكلة، افتكرت إن كل حاجة انتهت.
قعدت جنبها، فقالت
عارفة يا ماما، لو كنت استسلمت اليوم ده، ما كنتش وصلت للي أنا فيه دلوقتي.
ابتسمت وقلت الحمد لله إنك اديتي نفسك فرصة.
قالت وعشان كده، بكرة مش هفكر في النتيجة. هفكر بس إني أقدم أحسن حاجة أقدر عليها.
وفي اللحظة دي، حسيت إن بنتي كبرت فعلًا.
مش لأنها بقت راقصة أفضل، لكن لأنها بدأت تفهم إن قيمتها مش مرتبطة بتقييم حد ليها.
جه يوم العرض أخيرًا.
القاعة كانت مليانة، والأهالي قاعدين مستنيين بداية الفقرات.
أنا وأحمد كنا قاعدين في الصفوف الأولى، وإيدينا في إيد بعض من شدة التوتر.
ولما المذيع أعلن اسم ملك، الموسيقى بدأت، وظهرت بنتي على المسرح.
كانت لابسة ملابس العرض، وشعرها مربوط بعناية، ووشها هادي بشكل خلاني أبتسم.
بدأت الرقصة.
كانت بتتحرك بثقة، وكل خطوة كانت بتفكرني بالساعات اللي قضتها في التدريب، وبالليالي اللي نامت فيها وهي خايفة من بكرة.
ولما وصلت للحركة الصعبة، نفس الحركة اللي كانت بتخاف منها، قدرت تنفذها بإتقان.
أحمد مسك إيدي وضغط عليها، وأنا حسيت إن دموعي هتنزل.
ولما خلصت الرقصة، القاعة كلها صفقت.
ملك انحنت للجمهور، وبعدها بصت ناحيتنا.
رفعت إيدي وصفقت بكل قوتي، وهي ابتسمتلي من فوق المسرح.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش انتهت لسه.
بعد انتهاء العرض، طلبت إدارة الاستوديو من المشاركات التجمع في القاعة الرئيسية لإعلان أسماء المختارات للمنحة الإضافية.
وقفت ملك وسط البنات، وأنا وأحمد وراها.
بدأت المديرة تعلن الأسماء، لحد ما وصلت للاسم الأخير.
وبعدين قالت
والحاصلة على المنحة التدريبية الإضافية لهذا العام، بعد تقييم تطورها والتزامها خلال البرنامج، هي... ملك أحمد!
ملك حطت إيديها على بقها من الدهشة.
وبعدين بصت لنا، وجريت ناحيتنا وهي بتعيط من الفرحة.
قلت لها ألف مبروك يا حبيبتي! تستاهلي كل خير.
لكنها قالت وسط دموعها
يا ماما، أنا فرحانة بالمنحة، بس أنا فرحانة أكتر إني ما استسلمتش.
وقفت جنبها وأنا فخورة بيها، وعرفت إن دي كانت اللحظة اللي بنتي محتاجاها من البداية.
مش عشان تثبت للناس إنها الأفضل، لكن عشان تعرف هي بنفسها إنها أقوى مما كانت فاكرة.
وفي طريق رجوعنا للبيت، أحمد سألها طب يا نجمة المسرح، إيه أول حاجة هتعمليها بعد كل النجاح ده؟
ضحكت ملك وقالت هروح أنام! أنا مش قادرة أحرك رجلي!
انفجرنا كلنا في الضحك.
وبعدها، وهي مسندة راسها على كتفي في العربية، قالتلي
شكرًا يا ماما إنك ما سبتيش خوفي يخليني أسيب الباليه.
بصيت من الشباك وأنا بدعي ربنا يحفظها، وقلت لنفسي إن أجمل حاجة ممكن نعملها لأولادنا مش إننا نمهد لهم الطريق ونمنع عنهم كل عقبة، لكن إننا نعلمهم إنهم يقدروا يواجهوا الصعوبات، وإن البيت هيفضل دايمًا المكان اللي يلاقوا فيه الأمان والدعم.
ومن يومها، بقت ملك كل ما تشوف بنت صغيرة بتتعلم الباليه وتغلط، تبتسم لها وتقول
كملي، الغلطة مش نهاية الطريق. ساعات بتكون أول خطوة في أحلى حكاية.
بعد ما ملك حصلت على المنحة التدريبية، افتكرت إن حياتنا أخيرًا هتستقر، وإن بنتي هتقدر تركز في حلمها من غير مفاجآت جديدة.
لكن بعد حوالي شهر، رجعت ملك من التدريب وهي شايلة ظرف أبيض، ووشها مليان حيرة.
أول ما دخلت، سألتها مالك يا ملك؟ إيه اللي في الظرف ده؟
حطته قدامي وقالت يا ماما، إدارة البرنامج اختارتني أمثل الاستوديو في مسابقة باليه دولية، بس فيه شرط أنا مش عارفة أوافق عليه ولا لأ.
فتحت الظرف بسرعة، وبدأت أقرأ الخطاب.
المسابقة كانت هتتعمل في القاهرة، وكان مطلوب من ملك تدخل معسكر تدريبي لمدة أسبوعين قبلها، مع مجموعة من الراقصات اللي اتختاروا من أكتر من محافظة.
بصيتلها بفرحة وقلت دي فرصة كبيرة يا بنتي! إيه اللي مخوفك؟
نزلت عينيها وقالت المعسكر هيبدأ وقت امتحانات المدرسة، وأنا خايفة لو غبت عن الدروس أتأخر في دراستي. وكمان مش عايزة أخليكم تتحملوا مصاريف زيادة.
في اللحظة دي، عرفت إن ملك لسه بتفكر بنفس الطريقة القديمة، وإنها بتحاول تشيل مسؤولية كل حاجة لوحدها.
قلت لها يا حبيبتي، إحنا مش هنقرر دلوقتي بالرفض أو الموافقة. هنكلم المدرسة، ونسأل عن كل التفاصيل، وبعدها ناخد القرار المناسب.
تاني يوم، أحمد اتصل بإدارة المدرسة، وأنا اتواصلت مع أستاذة نجلاء عشان نفهم نظام المعسكر.
وبعد ما جمعنا المعلومات، اكتشفنا إن المدرسة ممكن تساعد ملك في تنظيم امتحاناتها، وإن المنحة هتغطي تكاليف التدريب والإقامة، فمبقاش فيه داعي إنها تقلق من الناحية المادية زي ما كانت متخيلة.
لما قلتلها الخبر، فضلت ساكتة شوية، وبعدين سألتني يعني أقدر أروح يا ماما؟
ابتسمت وقلت لو إنتِ فعلًا عايزة تروحي، ومستعدة تلتزمي بدراستك وتدريبك، إحنا هنساندك.
المرة دي، ملك ما ترددتش.
قالت بثقة أنا عايزة أروح. مش عشان لازم أكسب، لكن عشان عايزة أعرف أنا ممكن أوصل لفين.
بعد أسبوع، سافرنا القاهرة عشان نوصلها للمعسكر.
كان المكان كبير، وفيه قاعات تدريب مجهزة، ومدربين من مدارس باليه مختلفة.
قبل ما تدخل، بصتلي ملك وقالت يا ماما، لو ما كسبتش المسابقة، هتكوني زعلانة؟
بصيتلها باستغراب وقلت هو إنتِ لسه ما اتعلمتيش الدرس ده؟ أنا هكون فخورة بيكي طول ما إنتِ بتجتهدي وبتعملي اللي عليكي.
ابتسمت، وشالت شنطتها، ودخلت القاعة.
الأيام الأولى كانت صعبة جدًا.
كانت بتتمرن ساعات طويلة، وتتعلم حركات جديدة، وتشتغل مع بنات عندهم خبرة كبيرة.
وفي نهاية اليوم التالت، اتصلت بيا وهي مرهقة وقالت يا ماما، أنا حاسة إن كل البنات أحسن مني. ساعات بحس إني مش في مكاني الصح.
حاولت أطمنها وقلت يا ملك، إنتِ مش مطالبة تكوني أحسن من كل اللي حواليكي. ركزي على نفسك، وشوفي إنتِ اتعلمتي إيه النهارده.
ردت بصوت هادي هحاول يا ماما.
عدت الأيام، وبدأت ملك تستعيد ثقتها بنفسها.
لكن قبل المسابقة بيوم واحد، حصلت مشكلة غير متوقعة.
أثناء التدريب الأخير، لاحظ أحد المدربين إن ملك بتعاني من ألم في كاحلها، وإنها بتحاول تخبيه عشان ما تتستبعدش من المسابقة.
لما المدرب طلب منها توقف وتكشف عند الطبيب، رفضت في البداية.
وقالت أنا تعبت كتير عشان أوصل لهنا، ومش ممكن أسيب الفرصة تضيع مني.
لكن المدرب رد بحزم المشاركة في المسابقة مش أهم من سلامتك. لازم نعرف سبب الألم الأول.
ولما عرفت باللي حصل في مكالمة منها، قلبي اتقبض.
اتصلت بيها وقلت يا ملك، اسمعي كلام المدرب. صحتك أهم من أي مسابقة.
سكتت شوية، وبعدها قالت بس أنا خايفة أرجع البيت من غير ما أشارك.
قلت لها إنتِ مش راجعة من غير إنجاز يا بنتي. إنتِ وصلتي لمكان ناس كتير بتحلم توصل له، وده في حد ذاته نجاح. ما تخليش خوفك من الخسارة يخليكي تضرّي نفسك.
في اليوم التالي، كشف الطبيب على كاحلها، ونصحها بالراحة وعدم المشاركة لحد ما الألم يتحسن.
القرار كان صعب عليها، لكنها وافقت في النهاية.
ولما رجعت من

تم نسخ الرابط