الإهانة حكايات زهره
— النسخة دي فين؟
قالت: — ماوصلتش لي. الخطاب ده كل اللي عندي.
في نفس الوقت، اتصلت منال وقالت إن خبير المستندات انتهى من الفحص الأولي.
روحت لها على طول.
قالت لي إن توقيع أبويا على الورقة اللي أرسلتها أمي يبدو متوافقًا مبدئيًا مع نماذج توقيعه، لكن النتيجة النهائية لسه محتاجة تقرير مكتوب، وإن ده ما يثبتش وحده صحة كل محتوى الورقة.
وبعدين حطت قدامي مستندًا آخر.
— لقينا سجلًا قديمًا لاستلام الملفات، واسم ياسر موجود فيه. آخر مرة استلم فيها ملف الحسابات كانت قبل التحويل بيومين.
سألتها: — يعني هو اللي كان معاه النسخة الأصلية؟
ردت: — ممكن. لكن فيه توقيع تاني في السجل، لشخص استلم الملف بعده بساعات، من غير ما يرجّعه رسميًا.
قربت من الورقة.
التوقيع كان واضحًا، والاسم مكتوب تحته:
كمال عبدالعزيز.
بصيت لمنال بذهول.
— كمال؟! هو قال لنا إنه ماخدش أي مستند!
منال ردت: — لازم نواجهه بالسجل، ونسمع تفسيره. ممكن يكون استلم الملف بحكم شغله، لكن المهم نعرف حصل إيه بعد كده.
اتصلنا بكمال، لكنه ما ردش.
بعد عشر دقايق، وصل للمكتب بنفسه، ووشه كان متوترًا.
حط سامح السجل قدامه وسأله:
— أستاذ كمال، ممكن تفسر لنا ليه اسمك موجود هنا؟
كمال بص للورقة طويلًا، وبعدها قال:
— لأن محمود طلب مني أستلم الملف وأحفظه في مكان آمن.
سألته: — طب ليه ما قلتش الكلام ده قبل كده؟
كمال رد بصوت منخفض:
— لأن الملف ماوصلش للمكان اللي محمود طلبه مني.
ساد الصمت.
منال سألت: — أمال راح فين؟
كمال رفع عينيه وقال:
— سلّمته لشخص كنت فاكر إنه أمين، وكنت متأكد إنه هيوصله لمحمود في نفس اليوم.
سامح سأله: — مين الشخص ده؟
كمال اتردد، وبعدها مد إيده داخل حقيبته وطلع صورة قديمة، حطها على المكتب.
الصورة كانت لثلاثة أشخاص واقفين قدام مبنى الشركة.
أبويا.
كمال.
والشخص الثالث...
مجدي الراوي.
كمال قال:
— أنا سلّمت الملف لمجدي، بناءً على تعليمات مكتوبة من محمود، لأننا كنا فاكرين إن الصفقة هتتوقف لو وصلته النسخة الأصلية. لكن بعد يومين، مجدي قال لي إنه ما استلمش أي ملف، وإن محمود غيّر رأيه.
صرخت فيه:
— وإنت صدقته؟!
رد بحزن:
— كنت غبي، يا عماد. وبعد وفاة أبوك، فهمت إن فيه حاجة غلط، لكن ماكانش معايا دليل يثبت إن الملف وصل لمجدي فعلًا.
منال قربت من الصورة، ولفّتها ناحية الضوء، وفجأة لاحظت كتابة صغيرة على ظهرها.
قلبتها، وقرأنا الكلمات المكتوبة بخط أبويا:
«الملف الأصلي لم يُسلّم بعد. الشخص الذي سيستلمه هو من سيكشف الحقيقة».
سامح بص لنا وقال:
— معنى كده إن الصورة ممكن تكون أقدم من يوم التسليم، وإننا لسه ما نعرفش مين استلم الملف فعلًا.
وقبل ما نقدر نفكر في الخطوة الجاية، دخلت رسالة على تليفون منال من رقم مجهول.
كان معاها صورة لمستند قديم، وتحت الصورة جملة واحدة:
«لو عايزين تعرفوا مين غيّر العقد، دوروا على النسخة الموجودة في المحكمة... لأن النسخة دي عليها توقيع الشخص الحقيقي، ومش توقيع شريف ولا محمود!»
منال رفعت عينيها ليا وقالت:
— عماد، بكرة الصبح لازم نروح المحكمة ونطلب فحص الملف الأصلي، لو كان لسه محفوظًا.
لكن قبل ما نتحرك، وصلت رسالة تانية من نفس الرقم:
«خلي بالك... الشخص اللي بعتلكم الصور موجود معاكم في نفس المبنى، وبيسمع كل كلمة بتقولوها».
### الجزء التاسع: الخاين كان واقف وسطنا!
أول ما قرأت الرسالة، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
رفعت عيني وبصيت حواليا. أنا ومنال والمستشار سامح وكمال كنا قاعدين في المكتب، والباب مقفول.
قلت بصوت واطي:
— محدش يتحرك... فيه حد بيراقبنا!
منال أخدت تليفونها بسرعة، وصورت الرسالة، وبعدها قالت:
— محدش يرد على الرقم ده، ومحدش يتهم حد. لو الشخص ده فعلًا موجود هنا، لازم نعرف الحقيقة من غير ما نضيّع الدليل.
سامح طلب من موظف الاستقبال يتأكد إن محدش دخل المكتب من غير تسجيل، وفي نفس اللحظة سمعنا صوت باب بيتقفل في آخر الممر.
كمال قام من مكانه وقال بارتباك:
— أنا لازم أمشي!
وقفت قدامه.
— ليه؟! إنت خايف من إيه يا كمال؟
رد بعصبية: — أنا مش خايف، لكن واضح إن فيه حد عايز يلبّسني القضية كلها!
منال تدخلت وقالت: — محدش اتهمك. لو عندك معلومات، قولها، ولو مش عندك، سيب التحقيق ياخد مجراه.
كمال بص لها، وبعدها خرج من المكتب من غير ما يقول كلمة تانية.
فضلت باصص للباب، لحد ما سامح قال:
— عندي اقتراح. بكرة نروح المحكمة، ونطلب مراجعة ملف القضية بالطريق القانوني. لكن اللي بعت الرسائل دي لازم نحتفظ بكل حاجة منه، من غير ما نحاول نستدرجه بطريقة ممكن تضر التحقيق.
هزيت راسي بالموافقة، لكن كان عندي إحساس إننا بنقرب من الحقيقة، وإن فيه ناس مش عايزة السر يخرج للنور.
تاني يوم الصبح، رحنا المحكمة ومعانا المحامي.
بعد مراجعة بيانات القضية القديمة، قدر سامح يوصل لملف محفوظ في الأرشيف، وطلب الاطلاع على المستندات المتاحة وفق الإجراءات الرسمية.
قعدنا ساعات بنراجع الأوراق، لحد ما منال وقفت عند صفحة في آخر الملف.
— عماد، تعالى شوف التوقيع ده!
قربت منها.
كانت الصفحة عبارة عن إقرار باستلام نسخة من العقد المعدّل، ومكتوب فيها إن جميع الشركاء وافقوا على التغييرات.
لكن توقيع واحد كان مختلفًا بوضوح عن التوقيعات الموجودة في بقية الصفحات.
سامح قال:
— ده محتاج فحص متخصص، ومش هنقدر نجزم بالتزوير من مجرد النظر. لكن لو ثبت إن الإقرار غير صحيح، ممكن يغيّر مسار القضية بالكامل.
سألت الموظف المسؤول عن الملف إذا كانت فيه مرفقات تانية.
بعد مراجعة الفهرس، اكتشفنا إن فيه ملحقًا مذكورًا في السجل، لكنه مش موجود ضمن الأوراق المتاحة.
منال قالت: — الملحق ده ممكن يكون أهم من العقد نفسه، لأنه المفروض يوضح مين وافق على التعديل ومين اعترض.
سامح بدأ يقدم طلبًا رسميًا للبحث عن الملحق، وفي أثناء ما كنا مستنيين، وصلني اتصال من أمي.
رديت فورًا.
قالت بصوت قلق:
— عماد، فيه راجل جه البيت وسأل عن الورقة اللي بعتها لمنال. ما رضيتش أدخله، لكنه ساب لي ظرف وقال لي أوصلهولك.
سألتها: — اسمه إيه؟
قالت: — ماقالش اسمه، لكن كتب رقم تليفونه على الظرف.
طلبت منها ما تفتحش الظرف، وإنها تحتفظ بيه لحد ما نرجع ونتعامل معاه بالطريقة المناسبة.
بعد ما خرجنا من المحكمة، رجعنا البيت.
أمي كانت مستنيانا، والظرف على الترابيزة.
سامح فحصه من الخارج، وبعدها فتحه بحذر. جواه كان فيه مفتاح صغير، وورقة مكتوب عليها عنوان مخزن قديم في منطقة صناعية.
وتحت العنوان جملة:
«هتلاقوا هناك الدليل اللي يثبت إن محمود ما غيّرش العقد، وإن الشخص اللي وقّع بدلًا منه لسه بيستفيد من الصفقة لحد النهارده».
بصيت لمنال.
— هنروح العنوان ده؟
ردت: — بعد ما نتأكد إن المكان مرتبط بالقضية، ونبلّغ المحامي المسؤول. مش هنعرّض نفسنا للخطر عشان ورقة مجهولة.
سامح احتفظ بالظرف والمفتاح، وبدأ يتحقق من العنوان وسجلات المخزن.
وبعد ساعات، اتصل بينا وقال إن المكان مرتبط بالفعل بشركة كانت بتحتفظ بمستندات المشروع القديم، وإنه هيطلب فحصه بشكل رسمي.
في اليوم التالي، وبعد استكمال الإجراءات اللازمة، وصلنا للمخزن برفقة المسؤولين المختصين.
المكان كان قديمًا ومليان رفوف وصناديق، لكن المفتاح فتح خزانة صغيرة في آخر الغرفة.
جواها لقينا ملفًا عليه اسم المشروع، وبداخله نسخة من العقد الأصلي، وكشف حساب، وخطاب مختوم بختم الشركة.
سامح بدأ يراجع الأوراق، وبعد دقائق قال:
— العقد الأصلي مختلف فعلًا عن النسخة اللي اتقدمت في الصفقة. لكن لازم نفحص المستندات ونراجع مصدرها قبل ما نعتبرها دليلًا نهائيًا.
منال قلبت الخطاب، وفجأة اتغيرت ملامحها.
— عماد... الخطاب ده موجّه لأبوك، ومكتوب قبل وفاته بأسبوع واحد!
مديت إيدي وأخدته منها.
كان مكتوبًا فيه:
«أستاذ محمود، أؤكد لك أنني اكتشفت تعديلًا في نسخة العقد بعد اعتمادها. حاولت الوصول إليك أكثر من مرة، لكن أحدهم أبلغني أنك وافقت على التغيير. أرجو ألا تعتمد على أي نسخة أخرى قبل مراجعة النسخة الأصلية».
وفي آخر الخطاب، كان فيه توقيع صاحب الرسالة.
ياسر، محاسب الشركة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في ظهر الورقة.
كان فيه سطر إضافي مكتوب بخط مختلف:
«لو وصلت الرسالة دي لابنك عماد، قوله إن الشخص اللي أنقذ المستندات مش كمال... ومش مجدي».
سألت بصوت مرتفع:
— أمال مين؟!
سامح قلب الورقة، وبدأ يفحص الختم الموجود أسفل السطر.
منال قربت منه، وقالت:
— استنى... الختم ده مش ختم الشركة. ده ختم مكتب محاماة قديم!
سامح قرأ الاسم بصوت مسموع.
مكتب المستشار سامح البدري.
بصينا كلنا للمحامي اللي واقف جنبنا.
وشه شحب، وفضل ساكت ثواني طويلة، قبل ما يقول:
— أنا أعرف الختم ده... لكنه مش ختم مكتبي الحالي.
سألته: — يعني إيه؟
أخد نفسًا عميقًا، وقال:
— قبل عشرين سنة، كنت شغال في مكتب محاماة أكبر، وكان فيه شريك اسمه فريد منصور. هو اللي كان مسؤول عن ملفات مشروع والدك وقتها.
منال سألته: — وفريد منصور ده فين دلوقتي؟
سامح رد:
— مات من خمس سنين.
حسيت إننا رجعنا لنقطة البداية، لكن منال لاحظت إن فيه رقم صغير مكتوب تحت الختم.
رقم ملف قديم.
سامح قال إنه ممكن يقودنا إلى سجل المراسلات الأصلي للمكتب، لو كان محفوظًا.
وبينما كان بيصور الورقة، رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فورًا.
قال لنا:
— ده اتصال من مكتب أرشيف المحاماة. لقوا ملفًا قديمًا باسم والدك، وفيه إقرار موقّع من الشخص اللي استلم العقد المعدّل.
سألته: — مين الشخص ده؟
سامح سكت لحظة، وبعدها قال:
— الإقرار موقّع باسم فريد منصور... لكن فيه حاجة أخطر: فريد ماكانش بيتصرف لوحده، وكان عنده توكيل رسمي من شخص من عيلتكم!
منال بصت لي، وأنا حسيت إن السر قرب ينكشف أخيرًا.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحدًا:
مين من عيلتنا ادّى فريد التوكيل، وليه سمح له يتصرف في حقوق أبويا من غير علمه؟