الإهانة حكايات زهره

لمحة نيوز

### الجزء الأول: اليوم اللي الدنيا ردّت فيه الإهانة لصاحبها

عدّى سنتين على مقابلتي لمنال في الكافيه، وكنت نسيت الموضوع تمامًا، أو بالأصح كنت فاكر إني نسيت. شغلي أخد كل وقتي، وقدرت أحقق نجاح كبير، وبعد شهور من الانتظار سافرت برّه مصر، وبدأت حياة جديدة زي ما كنت بحلم.

لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الحياة كانت بتحضّر لي مفاجأة، وإن البنت اللي سخرت منها قدام الناس هتبقى سبب في تغيير حياتي كلها.

وصلت البلد الجديدة، وبدأت أرتب أوراقي وأستقر في شغلي. وبعد حوالي شهر، مديري طلبني في مكتبه وقال لي:

— يا عماد، إحنا مبسوطين جدًا بشغلك، وعندنا مشروع جديد محتاجين حد يمسك إدارته بالكامل. بس فيه نقطة لازم نتكلم فيها.

ابتسمت وقلت له: — اتفضل يا فندم.

فتح ملف قدامه وقال: — الشركة الأم قررت تنقل الإدارة الإقليمية لمصر، وفيه شراكة كبيرة هتتعمل مع مجموعة استثمارية مصرية. إحنا محتاجينك ترجع مصر فترة، وتحضر الاجتماعات، لأنك أكتر واحد فاهم تفاصيل المشروع.

اتضايقت شوية، لأني كنت لسه بادئ حياتي الجديدة، لكن وافقت. رجوعي مصر كان مؤقت، أو على الأقل ده اللي كنت متخيله.

بعد أسبوعين، رجعت القاهرة، واستلمت جدول الاجتماعات. أول اجتماع كان مع وفد من المجموعة الاستثمارية اللي هتدخل شريكة مع شركتنا.

فتحت الملف، وبصيت على أسماء أعضاء مجلس الإدارة، وفجأة عيني وقعت على اسم خلاني أرجع بضهري في الكرسي.

الدكتورة منال محمود عبدالسلام.

فضلت باصص للاسم كذا ثانية، وقلت لنفسي: — مستحيل! هي منال بتاعة موقع الجواز؟

حاولت أقنع نفسي إن فيه ناس كتير اسمها منال، وإن مفيش أي سبب يخليني أربط الاسم بالبنت اللي قابلتها من سنتين.

لكن لما وصلت قاعة الاجتماعات في صباح اليوم التالي، اكتشفت إن الدنيا فعلًا بتلف.

دخلت القاعة مع باقي أعضاء فريقي، وكان فيه مجموعة من المسؤولين قاعدين حوالين ترابيزة طويلة. مدير المجموعة الاستثمارية وقف يرحب بينا، وبعده دخلت ست لابسة بدلة رسمية أنيقة، وشعرها متغطي بحجاب بسيط، ونضارة شيك، وفي إيدها ملف كبير.

كانت ماشية بثقة وهدوء، وكل الموجودين قاموا يسلموا عليها باحترام.

أنا أول ما شفتها، حسيت إن الدم انسحب من وشي.

كانت منال.

لكن مش منال اللي وقفت قدامي في الكافيه من سنتين، وكنت وقتها شايف نفسي أحسن منها لمجرد إن جسمها مش عاجبني.

دي كانت ست مختلفة في حضورها، في طريقتها، وفي نظرة عينيها الواثقة. والأغرب إنها ماكانتش محتاجة تعمل أي حاجة عشان تلفت الانتباه؛ مجرد دخولها خلّى الكل يستعد للاجتماع.

مدير المجموعة ابتسم وقال: — أعرّفكم بالدكتورة منال، مسؤولة تطوير الاستثمارات والشريكة الرئيسية في المشروع الجديد.

مد إيده ناحيتي وقال: — وده الأستاذ عماد، المسؤول عن إدارة المشروع من طرف شركتنا.

منال بصت لي.

ثانية واحدة بس، لكنها كانت كفاية إني أحس إنها عرفتني من أول نظرة.

مديت إيدي وأنا بحاول أتماسك: — أهلًا بحضرتك يا دكتورة منال.

سلمت عليّ بكل هدوء، وقالت: — أهلًا يا أستاذ عماد. أعتقد إننا اتقابلنا قبل كده.

قلبي بدأ يدق بسرعة، وحاولت أضحك ضحكة مصطنعة: — آه... ممكن، الدنيا صغيرة فعلًا.

ردت بابتسامة هادية: — صغيرة جدًا، وأحيانًا بتجمع الناس تاني في الوقت اللي هما أقل ما يتوقعوه.

قعدت في مكاني وأنا مش عارف أبص في الورق ولا أبص ناحيتها.

بدأ الاجتماع، ومن أول عشر دقايق اكتشفت إن منال مش مجرد واحدة معاها فلوس أو منصب. كانت فاهمة كل تفصيلة في المشروع، بتسأل أسئلة دقيقة، وبتراجع الأرقام بنفسها، وكل ما حد يحاول يلف ويدور، كانت ترجع للنقطة الأساسية بمنتهى الهدوء.

وفي نص الاجتماع، عرضت أنا خطة التنفيذ اللي كنت مجهزها.

سمعتني للآخر، وبعدها قفلت الملف وقالت:

— الخطة فيها مشكلة كبيرة يا أستاذ عماد.

اتوترت وقلت: — مشكلة إيه يا دكتورة؟

فتحت نسخة من الخطة قدامها، وأشارت لرقم معين: — التقديرات دي مبنية على افتراض إن تكاليف التشغيل هتفضل ثابتة لمدة سنة كاملة. وده غير واقعي، لأن فيه تغييرات في السوق حصلت بالفعل. لو نفذنا الخطة بالشكل ده، هنخسر جزء كبير من الميزانية قبل ما نوصل لنص المشروع.

حاولت أدافع عن وجهة نظري، لكنها ردت بأرقام واضحة ومستندات موثقة.

وبعد مناقشة طويلة، اكتشفت إنها عندها حق فعلًا.

مدير شركتي بص لي بجدية، وقال: — يا عماد، محتاجين نراجع النقطة دي قبل ما ناخد قرار نهائي.

حسيت بإحراج شديد، خصوصًا إن ده أول اجتماع ليا بعد رجوعي، وإن كل اللي في القاعة كانوا متوقعين مني أكون جاهز.

أما منال، فما علّقتش على غلطي بطريقة جارحة، ولا سخرت مني، ولا حاولت تقلل مني قدام الموجودين.

وده، لسبب ما، خلاني أحس بإحراج أكبر.

بعد ما الاجتماع خلص، الناس بدأت تخرج، وأنا كنت بجمع أوراقي بسرعة عشان أمشي قبل ما أضطر أتكلم معاها لوحدنا.

لكن صوتها وقفني:

— أستاذ عماد، ممكن دقيقة؟

لفيت ناحيتها، وقلت: — اتفضلي يا دكتورة.

أشارت للكرسي اللي قدامها: — اقعد، لو سمحت.

قعدت وأنا بحاول أخفي توتري.

بصت لي شوية، وبعدها قالت: — فاكر كافيه الزمالك؟

حسيت إن السؤال نزل عليّ زي الحجر.

ماعرفتش أرد.

كملت هي: — فاكر اليوم اللي جيت فيه تقابل واحدة اسمها منال، وقررت إن من حقك تهينها قدام الناس لمجرد إن شكلها ماعجبكش؟

حاولت أتكلم: — بصي يا دكتورة، أنا كنت صغير وقتها، وتصرفي كان غلط، وأنا...

قاطعتني بهدوء: — كنت صغير؟ أنت كنت راجل بالغ، جاي تدور على زوجة، ولما قابلت واحدة ماعجبتكش، اخترت تكسّرها بدل ما تعتذر عن عدم التوافق وتمشي.

وطّت عينيها للحظة، ثم رجعت بصت لي.

— عارف أكتر حاجة وجعتني يومها إيه؟ مش إنك رفضتني. الرفض حقك، وأنا أصلًا ماكنتش هقدر أجبرك تحبني أو تتجوزني. اللي وجعني إنك اعتبرت كرامتي حاجة رخيصة، وإن وجود ناس بتتفرج كان فرصة ليك تثبت إنك أحسن مني.

حاولت أقول: — أنا فعلًا غلطت، ومش هبرر اللي عملته. أنا آسف.

سكتت شوية، وكأنها بتوزن كلامي، وبعدها قالت: — كويس إنك عارف إنك غلطت. لكن أنا مش مستنياك تعتذر عشان أرد لك إهانتك، ومش داخلة الاجتماع ده عشان أنتقم منك.

استغربت كلامها وسألتها: — أمال إنتِ عايزة إيه؟

فتحت الملف اللي قدامها، وطلعت ورقة فيها تفاصيل المشروع.

— عايزة شغلي يمشي صح، وعايزة أتعامل معاك على أساس كفاءتك والتزامك. لو أنت الشخص المناسب للمشروع، هتاخد فرصتك كاملة. ولو مش مناسب، هنختار غيرك. ماضيك الشخصي مش هو اللي هيحدد القرار.

قمت من مكاني وأنا حاسس إني أصغر بكتير من الصورة اللي كنت رسمتها لنفسي.

لكن قبل ما أمشي، قالت جملة خلتني أقف مكاني:

— وعلى فكرة يا أستاذ عماد، أنا فاكرة كمان جملتك المشهورة.

بلعت ريقي وسألتها بصوت واطي: — أنهي جملة؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:

— «أنا عايز عروسة مش شوال قطن».

وشها رجع جاد، وكملت:

— وقتها كنت فاكر إنك بتقيّمني من فوق، وإن قيمتي كلها متلخصة في شكلي. النهارده أنا مش محتاجة أثبت لك إني ناجحة، ولا إن شكلي اتغير أو ما اتغيرش. أنا محتاجة بس أشوف إذا كنت اتغيرت فعلًا، ولا لسه الشخص اللي بيهين الناس لما يفتكر إن محدش هيقدر يحاسبه.

خرجت من القاعة وأنا حاسس إن الاجتماع الحقيقي ماكانش عن المشروع أصلًا.

كان عني أنا.

ولأول مرة من سنين، بدأت أراجع نفسي بجد. افتكرت ضحكتي العالية في الكافيه، ونظرات الناس، ودموع منال اللي حاولت تخبيها وهي ماشية.

كنت فاكر إن السنتين اللي فاتوا محوا اللي حصل.

لكن الحقيقة إن اللي حصل ماكانش انتهى بالنسبة لها، حتى لو هي اختارت تكمل حياتها من غير ما تلتفت وراها.

وفي اليوم اللي بعده، حصلت المفاجأة اللي ماكنتش في حساباتي.

وصلني إيميل رسمي من إدارة الشركة بيقول إن تقييم أدائي خلال الشهر الأول هيكون جزء أساسي من قرار تعييني مديرًا دائمًا للمشروع، وإن الدكتورة منال هتكون مسؤولة عن مراجعة النتائج واعتماد التوصيات النهائية.

يعني ببساطة، مستقبلي المهني بقى مرتبطًا بتقييم ست أنا جرحتها بإيدي.

فضلت باصص للشاشة، وبعدين همست لنفسي:

— يا ترى دي صدفة؟ ولا دي بداية رد اعتبار عمره ما جه في بالي؟

لكن اللي ماكنتش أعرفه إن منال نفسها كانت مخبية سر أكبر بكتير من حكاية الكافيه.

سر لو عرفته، كنت هفهم إن السنتين اللي فاتوا ماكانوش مجرد فترة نجحت فيها هي وفشلت أنا في الاعتذار...

لأن منال ماوصلتش للمكانة دي بالطريقة اللي كنت متخيلها، والسبب الحقيقي وراء دخولها عالم الاستثمار كان مرتبطًا بحكاية قديمة، لسه ماحدش حكالي عنها.
### الجزء الثاني: السر اللي قلب حياتي

تاني يوم الصبح، وصلت الشركة بدري، وقررت إني هثبت لمنال إني اتغيرت، وإن اللي حصل في الكافيه كان غلطة وانتهت.

لكن أول ما دخلت مكتبي، لقيت إيميل جديد من إدارة المشروع، فيه دعوة لاجتماع طارئ الساعة عشرة، بحضور الدكتورة منال ومجلس الإدارة.

دخلت الاجتماع، ولقيت منال قاعدة في مكانها، قدامها مجموعة ملفات، وعلى وشها نفس الهدوء اللي بقى بيستفزني من غير ما تعمل أي حاجة.

مدير الشركة بدأ الكلام وقال:

— عندنا مشكلة في الميزانية، وفيه بند اتصرف فيه مبلغ كبير من غير موافقة نهائية. محتاجين نعرف مين المسؤول عن القرار ده.

فتحوا الملف، ولما شفت اسمي مكتوب على المستند، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي!

قلت بسرعة: — أنا ماوافقتش على الصرف ده، ومفيش أي توقيع مني على المستند!

منال رفعت عينيها وقالت: — محدش اتهمك يا أستاذ عماد. إحنا بنراجع المستندات، وعايزين نسمع توضيحك.

بدأت أشرح لها إن فيه موظف كان مسؤول عن تجهيز الأوراق، وإن التوقيع الموجود مش توقيعي، لكن مدير الشركة قال إن الموضوع لازم يتراجع رسميًا قبل ما أي حد يقدر يحكم.

بعد الاجتماع، خرجت وأنا في قمة غضبي، وحسيت إن منال بتتعمد تحطني تحت ضغط، رغم إنها ماقالتش كلمة واحدة ضدي.

استنيتها لحد ما خرجت من مكتبها، ووقفت قدامها.

— ممكن أفهم إنتِ بتعملي معايا كده ليه؟

بصت لي باستغراب: — بعمل إيه؟

— كل يوم مشكلة، وكل يوم تحقيق، وكل شوية اسمي يبقى في موضوع مش مسؤول عنه!

ردت بمنتهى الهدوء: — لو عندك دليل يثبت إنك مش مسؤول، قدّمه. وأنا أول واحدة هتدافع عن حقك. لكن لو متوقع إني أعدّي أخطاء في المشروع عشانك، فإنت فاهمني غلط.

سكت لحظة، وبعدها قلت: — يعني إنتِ مش ناسية اللي حصل بينا؟

بصت لي نظرة طويلة وقالت: — أنا مش محتاجة أنسى عشان أكون عادلة معاك. بس خليني أسألك سؤال يا عماد: لو أنا كنت وقتها بنت جميلة على مزاجك، كنت هتضحك عليّ قدام الناس برضه؟

ماعرفتش أرد.

هزت راسها وكملت: — المشكلة عمرها ما كانت في وزني. المشكلة كانت في الطريقة اللي شوفت بيها نفسك، والطريقة اللي شوفتني بيها.

وسابتني ومشيت.

رجعت مكتبي، وبدأت أراجع المستندات بنفسي. وبعد ساعات من البحث، اكتشفت إن الموظف المسؤول عن الملف ارتكب خطأ فعلًا، وإن اسمي اتحط على المستند بالغلط. جمعت الأدلة وقدمتها للإدارة، وبعد المراجعة اتأكدوا إني مش مسؤول عن الصرف.

كنت متوقع إن منال هتتجاهل الموضوع أو تحاول تقلل من نجاحي، لكنها بعتت لي رسالة قصيرة:

«تم تصحيح التقرير بعد مراجعة المستندات. شكرًا لتقديم الأدلة المطلوبة.»

وقتها بدأت أحس إن أنا اللي كنت بحكم عليها من غير ما أعرفها، وإنها رغم كل اللي حصل، بتتعامل معايا باحتراف أنا نفسي ماكنتش قادر أتعامل بيه معاها.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

بعد يومين، الشركة نظمت حفلًا كبيرًا للإعلان عن تفاصيل المشروع الجديد. حضرت الحفل، ولقيت رجال أعمال ومسؤولين وصحفيين، وكل الناس بتتكلم عن منال باعتبارها واحدة من أنجح الوجوه الشابة في مجال الاستثمار.

وأنا واقف بعيد، سمعت رجل كبير في السن بيقول للي جنبه:

— البنت دي تستحق كل خير. بعد مرض والدتها ووفاتها، قدرت تقف على رجليها وتبني كل ده بنفسها، من غير ما تعتمد على حد.

الكلام شد انتباهي.

والدتها كانت مريضة فعلًا وقت ما قابلتها! يعني السبب اللي حكيته لي يومها ماكانش حجة ولا تمثيل زي ما كنت شاكك.

فضلت أبص لمنال وهي بتتكلم على المسرح عن المسؤولية، وعن إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير في حياته، لكن ماينفعش يخسر احترامه لنفسه أو للناس.

وفجأة، قالت جملة خلتني أحس إنها بتتكلم عني، رغم إنها ماجابتش سيرتي:

— النجاح الحقيقي مش إنك توصل لمكان يخلي الناس تحترمك غصب عنها، النجاح الحقيقي إنك تفضل محترم حتى مع الشخص اللي مش محتاج منه أي مصلحة.

الناس صقفت بحرارة، وأنا فضلت واقف مكاني، مش قادر أصفق ولا أتحرك.

بعد الحفل، قررت أواجه نفسي وأطلب منها فرصة أعتذر لها بشكل يليق باللي عملته.

لقيتها واقفة في البهو، فاقترَبت منها وقلت:

— دكتورة منال، ممكن أتكلم معاكي خمس دقايق بعيد عن الشغل؟

بصت لي وقالت: — اتفضل.

أخدتها ناحية مكان هادي، ووقفت قدامها وأنا لأول مرة مش عارف أختار كلامي.

قلت: — أنا عارف إن اعتذاري مش هيمسح اللي حصل، وعارف إني جرحتك بطريقة ماكنتش تستاهليها. أنا وقتها كنت مغرور، وكنت فاكر إن الفلوس والشغل والمظهر بيدوني الحق أحكم على الناس. بس لما شوفتك النهارده، فهمت قد إيه كنت غلطان.

منال سمعتني للآخر، وبعدها سألتني: — إنت بتعتذر عشان فعلًا فهمت غلطك، ولا عشان بقيت محتاج موافقتي في المشروع؟

السؤال وجعني، لأن الحقيقة إني ماكنتش قادر أثبت حتى لنفسي الإجابة.

قلت لها بصراحة: — يمكن في البداية كنت خايف على شغلي، لكن لو كنت عايز أرضيكي لمجرد مصلحة، كنت حاولت أجاملك من أول يوم. أنا مش طالب منك تسامحيني، بس مش عايز أفضل الشخص اللي كنت عليه زمان.

منال سكتت شوية، وبعدها قالت: — الاعتذار مش كلام يا عماد. التغيير بيبان لما تتعامل مع الناس اللي مالهمش أي مصلحة عندك، ولما تقدر تحترم حد حتى لو مختلف عنك.

هزيت راسي وقلت: — عندك حق.

كنت فاكر إن الكلام انتهى هنا، لكنها فجأة سألتني:

— إنت لسه ناوي تكمل في شغلك برّه مصر بعد المشروع؟

قلت: — أيوه، دي خطتي.

فتحت شنطتها وطلعت ظرفًا أبيض، وناولتهولي.

— اقرأ الورق ده، وبعدها قرر إذا كنت لسه عايز تمشي.

فتحت الظرف، ولقيت عرض عمل رسمي لمنصب إداري كبير في شركة جديدة تابعة للمجموعة الاستثمارية، بمرتب أعلى بكتير من مرتبي الحالي، وصلاحيات واسعة.

رفعت عيني ليها بذهول: — إنتِ بتعرضي عليّا الشغل ده؟

قالت: — العرض مبني على خبرتك، وعلى تقييم شغلك في المشروع. مش هديك منصب عشان ترضيني، ومش هحرمك منه عشان موقف شخصي. القرار ليك، والاختيار لازم يكون على أساس الكفاءة.

كنت لسه بحاول أستوعب كلامها، لما أضافت جملة غريبة:

— بس فيه شرط واحد.

قلبي اتقبض، وسألتها: — شرط إيه؟

بصت لي مباشرة وقالت:

— قبل ما توافق، لازم تعرف أنا ليه وافقت أصلًا إننا نشتغل مع بعض، مع إني كنت أقدر أختار أي مدير تاني للمشروع.

وقبل ما أقدر أسألها عن السبب، قرب منها رجل في الخمسينات، وسلّم عليها باحترام، وبعدها بص لي وقال:

— أستاذ عماد، أخيرًا قابلتك. أنا سمعت عنك كتير من الدكتورة منال.

مد إيده يصافحني، ثم ابتسم وقال:

— بالمناسبة، هي اللي رشحت اسمك من البداية. لكن قبل ما تستغرب، فيه حكاية لازم تعرفها عن والدك.

اتجمدت مكاني.

— أبويا؟! إيه علاقة أبويا بمنال؟

الرجل بص لمنال، وهي هزت راسها كأنها بتديله الإذن إنه يكمل.

أخد نفسًا عميقًا وقال:

— والدك قبل وفاته بسنة تقريبًا، ساعد والدتها في موقف صعب جدًا، وكان السبب في إنه ينقذ مستقبل منال من أزمة كبيرة. وهي فضلت طول عمرها تدور على فرصة ترد له الجميل.

حسيت إن كل حاجة حواليا وقفت.

منال كانت تعرف اسمي قبل ما تدخل الاجتماع، وكانت عارفة أنا ابن مين... لكن السؤال اللي جنني: هل اختارتني عشان ترد جميل أبويا، ولا كان عندها سبب تاني مخبياه عني؟
### الجزء الثالث: الحقيقة اللي خلتني أندم أكتر

فضلت واقف مكاني، مش مستوعب الكلام اللي سمعته. أبويا؟ وإيه اللي ممكن يكون عمله لمنال وأمها؟ وليه محدش حكالي عن الموضوع ده قبل كده؟

بصيت لمنال وقلت لها بتوتر:

— إنتِ تعرفي أبويا منين؟ وإزاي رشحتيني للشغل وإنتِ عارفة أنا مين؟

منال أشارت للرجل إنه يسيبنا شوية، وبعدها قالت:

— والدك كان اسمه محمود عماد، صح؟

هزيت راسي بدهشة.

— أيوه، بس إنتِ عرفتيه إزاي؟

قالت بهدوء: — من حوالي سبع سنين، والدتي كانت شريكة في مشروع صغير مع مجموعة من المستثمرين. المشروع اتعرض لأزمة مالية كبيرة، وفيه ناس حاولت تحملها مسؤولية خسائر ماكانتش هي السبب فيها. والدك كان واحد من المحاسبين اللي راجعوا الحسابات، واكتشف مستندات أثبتت إن والدتي مالهاش ذنب.

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

تم نسخ الرابط