الإهانة حكايات زهره
قلت بصدمة: — إنتِ كمان تعرفي حاجة؟
أمي قعدت قدامي، وقالت:
— فيه حقيقة ماكنتش عايزة أحكيها لك، لأن أبوك طلب مني ما أدخلكش في مشاكل قديمة. لكن بعد ما وصلت للمرحلة دي، مابقاش ينفع أفضل ساكتة.
وبعدين بصت لعمي وقالت:
— قول له مين اللي كان آخر واحد معاك يوم اختفت الملفات.
عمي وشه اصفر، وبص لأمي بغضب:
— إنتِ وعدتيني إن الموضوع ده مش هيتفتح تاني!
أمي ردت بحزم: — أنا وعدتك إني مش هتكلم من غير سبب، لكن دلوقتي ابن أخوك بقى طرف في الموضوع، ولازم يعرف الحقيقة.
قلبي كان بيدق بسرعة.
قلت لعمي: — مين الشخص اللي كان معاك؟
عمي نزل عينيه للأرض، وبعد لحظات قال اسمًا واحدًا.
اسم خلاني أقف من مكاني من الصدمة.
«الأستاذ سامح البدري... المحامي اللي إنت قابلته النهارده!»
تاني يوم، رحت مكتب المستشار سامح من غير ما أبلغه إني جاي.
لقيته قاعد بيقرأ أوراقًا، ولما شافني، قفل الملف بسرعة.
قلت له: — عمي شريف قال لي إنك كنت آخر شخص شاف الملفات قبل ما تختفي.
رفع عينيه ليا، وبعدها قال بهدوء غريب:
— كنت عارف إنك هتسأل السؤال ده يومًا ما.
حسيت بغضب شديد.
— يعني إنت كنت مخبي الحقيقة عني وعن منال؟
رد: — أنا ماخبيتش الحقيقة. أنا كنت ملتزمًا بسرية قانونية، وفيه فرق كبير بين الاتنين.
حطيت إيدي على المكتب وقلت: — أنا مش جاي أسمع كلام قانوني. أنا عايز أعرف مين أخفى الأوراق، وليه أبويا كتب الرسالة دي!
المستشار سامح فتح درجًا جانبيًا، وطلع ظرفًا قديمًا عليه ختم رسمي.
قال: — قبل ما أحكيلك، لازم تعرف إن المستندات اللي بتدوروا عليها مش كلها تخص مشروع والد منال. فيه مستند واحد بالذات، لو ظهر، ممكن يغيّر حقوق الملكية في جزء من المشروع بالكامل.
سألته: — ومين المستفيد من اختفائه؟
رد وهو بيبص لي مباشرة:
— الشخص اللي كان هيكسب أكتر لو فضل المستند ده مختفيًا... مش عمي شريف، ولا منال، ولا حتى والدك.
سكت لحظة، وبعدها قال:
— المستفيد الحقيقي هو الشخص اللي اشترى حصة المشروع بعد الأزمة، وبنى عليها إمبراطورية مالية كاملة.
قلت: — مين هو؟
المستشار سامح دفع الظرف ناحيتي، وقال:
— اقرأ الاسم بنفسك.
فتحت الظرف، وطلعت منه صورة عقد قديم، وفي آخر صفحة كان فيه اسم المشتري.
«مجدي الراوي».
الاسم ماكانش غريب عليّ؛ ده رجل الأعمال اللي شركتنا بتستعد تدخل معاه في أكبر صفقة خلال السنة دي!
وفي اللحظة نفسها، وصلني اتصال من مديري، وصوته كان متوترًا جدًا:
— عماد، لازم ترجع الشركة فورًا. الصفقة اتوقفت، وفيه محامي بعت إخطارًا رسميًا بيطالب بتجميد كل الإجراءات لحين مراجعة ملكية بعض الأصول.
سألته: — مين المحامي؟
رد بجملة واحدة:
— الدكتورة منال بنفسها... وبتقول إن عندها مستند جديد يثبت إن الصفقة كلها مبنية على حقوق متنازع عليها!
قفلت المكالمة، وبصيت للمستشار سامح.
فجأة فهمت إن الموضوع ماكانش مجرد سر قديم بين عيلتين.
أنا بقيت واقف في نص معركة مالية ضخمة، والشخص اللي كنت فاكره مجرد بنت قابلتها في موقع جواز، بقى صاحب أقوى موقف قانوني في القضية كلها.
لكن قبل ما أخرج من المكتب، المستشار سامح وقفني وقال:
— استنى يا عماد... فيه حاجة أخطر لازم تعرفها.
لفيت ناحيته.
قال بصوت منخفض:
— مجدي الراوي مش بس شريك الصفقة الجديدة. ده الشخص اللي أبوك رفض يشهد لصالحه في قضية قديمة قبل وفاته بشهور... وبعدها مباشرة، بدأت مشاكل أبوك المالية.
حسيت ببرودة في أطرافي.
سألته: — إنت بتقول إن مجدي الراوي كان سبب في اللي حصل لأبويا؟
رد بحذر:
— أنا بقول إن فيه أسئلة كتير لسه من غير إجابات، وإننا محتاجين أدلة قبل ما نتهم أي حد.
خرجت من المكتب وأنا عارف إن لازم أواجه منال، لكن المرة دي مش عشان أطلب منها فرصة أو أعتذر عن الماضي.
كنت محتاج أفهم ليه اختارتني أنا بالذات، وهل كانت عارفة من البداية إن شركتي هتدخل في صفقة مع مجدي الراوي.
ولما وصلت الشركة، لقيتها مستنياني في قاعة الاجتماعات، وقدامها ملف أحمر.
رفعت عينيها وقالت:
— أخيرًا وصلت يا عماد. فيه مستند لازم تشوفه بنفسك.
فتحت الملف، ودفعت الورقة ناحيتي.
أول ما قرأت أول سطر، حسيت إن قلبي وقف.
لأن الورقة كانت تحمل توقيع أبويا، وتاريخها كان قبل وفاته بشهر واحد فقط.
أما مضمونها، فكان صادمًا:
«أقر أنا محمود عماد بأن مجدي الراوي استولى على مستندات تخص المشروع دون موافقة الشركاء...»
رفعت عيني لمنال وسألتها بصوت مرتعش:
— إنتِ جبتي الورقة دي منين؟
ردت بهدوء:
— وصلتني من شخص كان محتفظًا بنسخة منها طوال السنين اللي فاتت.
قلت: — مين الشخص ده؟
منال سكتت لحظة، وبعدها قالت:
— أمك يا عماد... هي اللي بعتتهالي من يومين!
### الجزء السادس: أمي كانت عارفة كل حاجة!
فضلت باصص لمنال وأنا مش قادر أصدق اللي سمعته.
أمي هي اللي بعتت المستند؟! أمي اللي طول عمرها بتقول إن أبويا مات وهو مرتاح الضمير، وإن مفيش حاجة تستاهل نفتكرها من الماضي؟!
قمت من مكاني وقلت لمنال بعصبية:
— إنتِ متأكدة إن أمي هي اللي بعتت الورقة دي؟ يمكن حد بيحاول يوقع بينا!
منال ما اتعصبتش، ولا حتى حاولت تدافع عن نفسها.
قالت: — أنا فكرت في الاحتمال ده، وعشان كده طلبت من المحامي يتأكد من مصدر المستند. أنا مش هتهم حد من غير دليل، حتى لو الموضوع يخص عيلتي.
سحبت الورقة ناحيتي، وبصيت لتوقيع أبويا. كان شبه توقيعه فعلًا، لكني ماكنتش خبير عشان أحكم إذا كان أصلي ولا لأ.
قلت: — أنا لازم أروح لأمي حالًا.
ردت منال: — روح، بس أرجوك ما تواجههاش باتهام قبل ما تسمع منها. ممكن يكون عندها سبب ما نعرفوش.
خرجت من الشركة، وركبت عربيتي، وطول الطريق كنت بفكر في سؤال واحد: ليه أمي استنت كل السنين دي عشان تطلع الورقة؟
ولما وصلت البيت، لقيتها قاعدة في الصالة، وكأنها مستنياني.
حطيت المستند قدامها وقلت:
— يا أمي، إنتِ اللي بعتّي الورقة دي لمنال؟
بصت للورقة، وقفلت عينيها لحظة، وبعدها قالت:
— أيوه يا عماد. أنا اللي بعتها.
حسيت بغضب شديد.
— ليه؟! ليه خبيتي عني كل ده؟ وليه دخلتيني في موضوع أنا ماليش دعوة بيه؟
أمي رفعت عينيها ليا، وقالت بصوت مكسور:
— لأن أبوك مات وهو شايل هم إن الحق يضيع، وأنا فضلت سنين خايفة إن فتح الموضوع يهدد حياتك ومستقبلك.
قعدت قدامها وقلت: — إنتِ بتقولي إيه؟ مين ممكن يهدد حياتي بسبب ورقة قديمة؟
أمي اترددت، وبعدها بدأت تحكي.
قبل وفاة أبويا بشهور، اكتشف إن مجدي الراوي بيحاول يشتري حصص بعض الشركاء في المشروع بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، مستغلًا إنهم مش عارفين إن فيه مستندات بتثبت حقوق إضافية ليهم.
أبويا اعترض، وطلب مراجعة العقود قبل ما أي حد يبيع حصته.
لكن مجدي ماعجبوش الكلام، وبدأ يضغط على الشركاء عشان يقفلوا الملف بسرعة.
أمي قالت:
— أبوك ماكانش بيخاف على فلوسه قد ما كان بيخاف إن ناس تتظلم. وكان عنده مستندات تثبت إن فيه حقوق مالية ما اتحسبتش صح. قبل ما يتوفى، سلّمني نسخة من ورقة مهمة، وقال لي احتفظي بيها، ولو في يوم ظهر حد بيحاول يدفن الحقيقة، سلّميها للمحامي.
سألتها: — طب ليه ما سلمتيهاش للمحامي وقتها؟
نزلت دموعها وقالت:
— لأن بعد وفاة أبوك، جالي اتصال من رقم مجهول، والشخص اللي كلمني قال لي إن أي محاولة لفتح الملف ممكن تسبب لنا مشاكل كبيرة. أنا كنت لوحدي، وخايفة عليك، وخفت أخسرك إنت كمان.
غصب عني، غضبي بدأ يهدأ، لكن الأسئلة زادت.
— وليه بعتّي الورقة لمنال دلوقتي؟
أمي مسحت دموعها وقالت:
— لأن منال بعتت لي رسالة، قالت فيها إنها بتراجع ملف المشروع، وإن فيه مستندات ناقصة ممكن تضيع حقوق ناس كتير. وقتها افتكرت كلام أبوك، وحسيت إني لو فضلت ساكتة أكتر من كده، هبقى بظلم ناس مالهمش ذنب.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت:
— وأنا عارفة إنك هتزعل مني، بس أنا ماكنتش عايزة أحطك في خطر. كنت فاكرة إن السكوت هيحميك.
قربت منها، وقعدت جنبها.
لأول مرة، فهمت إن أمي ماكنتش بتخبي الحقيقة عشان تستفيد منها. كانت خايفة، ويمكن خوفها خلاها تتصرف بطريقة غلط.
لكن كان لازم نعرف إذا كانت الورقة أصلية، وإذا كان مجدي فعلًا استولى على مستندات الشركاء.
تاني يوم، قابلت منال والمستشار سامح في مكتب محاماة متخصص في فحص المستندات القديمة.
الخبير استلم الورقة، وطلب نماذج أصلية من توقيع أبويا عشان يقارن بينها وبين التوقيع الموجود في المستند.
قال لنا إن النتيجة مش هتطلع في يوم وليلة، وإنه لازم يفحص الورق والحبر والتوقيع بعناية.
وأثناء ما كنا مستنيين، منال طلبت مني نتكلم على انفراد.
قالت: — يا عماد، فيه حاجة لازم تعرفها عن مجدي الراوي.
سألتها: — إيه هي؟
فتحت تليفونها وورّتني صورة لرسالة قديمة.
الرسالة كانت بين مجدي وأحد مساعديه، ومكتوب فيها:
«لازم ملف محمود يختفي قبل ما أي حد يربط المستندات بالصفقة الجديدة. مش عايزين المشاكل القديمة ترجع تاني».
حسيت بصدمة.
— الرسالة دي حقيقية؟
ردت: — لسه بنتأكد من مصدرها وسياقها. ومش هستخدمها كدليل قبل ما المحامي يراجعها. لكن فيه حاجة تانية ظهرت في التحقيق.
سألتها: — إيه؟
قالت: — من شهر تقريبًا، حد حاول يشتري أرشيف شركة قديمة كانت محتفظة بنسخ من عقود المشروع. الشركة رفضت البيع، لكن بعدها بأيام حصل تسريب لعدد من الملفات.
قلت: — وعرفتم مين اللي حاول يشتري الأرشيف؟
منال بصت لي بجدية:
— الشخص اللي قدم العرض كان اسمه شريف محمود عبدالسلام.
اتجمدت مكاني.
شريف؟ عمي شريف؟!
منال لاحظت الصدمة على وشي، فقالت بسرعة:
— أنا مش بقول إن عمك ارتكب جريمة. ممكن يكون فيه تفسير تاني، وممكن يكون الاسم لشخص آخر. لازم نتأكد الأول.
لكن أنا كنت محتاج أسمع الحقيقة من عمي نفسه.
اتصلت به وطلبت منه يقابلني في نفس اليوم. ولما وصل، وريته الرسالة واسم الشخص اللي حاول يشتري الأرشيف.
عمي فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال:
— أيوه، أنا اللي قدمت العرض.
حسيت إن أعصابي هتنهار.
— ليه يا عمي؟! إنت كنت بتدور على إيه في الأرشيف؟
عمي حط إيده على وشه وقال:
— كنت بدور على مستند يثبت إن أبوك كان مظلومًا في القضية دي، وإن مجدي الراوي استخدم معلومات غير صحيحة عشان يسيطر على المشروع.
قلت له: — طب ليه ما قلتليش من البداية؟
رد بحزن: — لأن فيه حاجة ماكنتش عايزك تعرفها.
رفعت صوتي: — إيه هي؟!
بص لي مباشرة وقال:
— قبل وفاة أبوك بأيام، هو طلب مني أروح أقابله لوحدنا. سلّمني مفتاح خزنة صغيرة، وقال لي إن فيها مستندًا مهمًا لازم أحافظ عليه. لكن بعد وفاته، لما رحت أفتح الخزنة، لقيتها فاضية.
سألته: — وإنت شكيت في مين؟
عمي تردد، وبعدها قال:
— شكيت في شخص كان عنده مفتاح البيت، وكان بيزور أبوك باستمرار في أيامه الأخيرة.
حسيت بقلق شديد.
— مين الشخص ده؟
عمي نزل عينيه وقال:
— مش مجدي الراوي... ومش المحامي سامح. الشخص ده كان أقرب واحد لأبوك في آخر أيامه، وكان الوحيد اللي يقدر يدخل مكتبه من غير ما حد يسأله عن السبب.
قلت له: — مين يا عمي؟ قول الاسم!
رفع عينيه ليا، وقال:
— مدير أعمال أبوك القديم... الأستاذ كمال.
وفي اللحظة نفسها، تليفوني رن.
كان رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول:
— أستاذ عماد، أنا كمال. عارف إنك بتدور على الحقيقة، وعندي حاجة تخص والدك لازم تشوفها بنفسك.
سألته: — إنت كنت تعرف إن فيه مستندات اختفت؟
رد بصوت متوتر:
— أنا عارف مين أخد المستند الأصلي، وعارف كمان ليه أبوك كان مصمم إنه ما يوصلش لمجدي الراوي.
وقبل ما أقفل، قال جملة خلتني أحس إن كل اللي عرفته لحد دلوقتي مجرد بداية:
— بس قبل ما أقابلك، لازم تعرف إن المستند ده مش هيكشف ظلم أبوك وبس... ده ممكن يكشف إن فيه شخص من عيلتك لسه بيخبي الحقيقة لحد النهارده!
### الجزء السابع: السر اللي خبّاه كمال 20 سنة!
قفلت المكالمة وأنا حاسس إن الأرض بتتهز من تحتي.
بصيت لعمي شريف وقلت له:
— كمال اتصل بيا، وبيقول إنه عارف مين أخد المستند الأصلي!
عمي وشه اتغير، وقام من مكانه بسرعة.
— كمال لسه عايش؟! أنا كنت فاكر إنه سافر ومارجعش مصر!
بصيت له باستغراب.
— إنت تعرف إنه سافر ليه؟
عمي سكت، وبعدها قال:
— كمال اختفى بعد وفاة أبوك بشهرين. وقتها قالوا إنه سافر يشتغل بره، لكن الحقيقة إن محدش كان عارف هو راح فين بالضبط.
اتفقنا نقابل كمال في مكتب المحامي سامح، عشان كل الكلام يتوثق ومايبقاش فيه فرصة إن حد يغيّر روايته بعد كده.
وصلت قبل المعاد بعشر دقايق، ولقيت منال هناك. كانت معاها ملف كبير، وعلى وشها علامات القلق.
قالت لي: — أنا راجعت المعلومات اللي قدرت أوصل لها عن كمال. كان فعلًا مدير أعمال والدك، لكنه استقال فجأة بعد وفاته، ومن وقتها مفيش أي تعاملات موثقة بينه وبين الشركة.
سألتها: — تفتكري هو اللي أخد المستند؟
ردت بهدوء: — مش هقدر أحكم قبل ما أسمعه.
بعد شوية، الباب اتفتح، ودخل راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض وملامحه مرهقة. كان ماسك حقيبة جلد قديمة، وفضل واقف لحظة وهو باصص لي.
قال بصوت مبحوح:
— إنت شبه أبوك أوي يا عماد.
حسيت بغصة في حلقي.
— إنت تعرف الحقيقة يا أستاذ كمال؟
قعد، وحط الحقيبة قدامه.
— أعرف جزءًا منها، والجزء ده فضلت شايله سنين طويلة. أنا غلطت لما سكت، حتى لو كنت فاكر إني بحمي أبوك.
فتح الحقيبة وطلع منها ظرف بني قديم، عليه اسم أبويا بخط إيده.
منال قربت من الظرف، لكن كمال طلب مننا نستنى لحد ما المحامي يصوره ويسجل محتوياته.
بعد ما اتأكدنا إن مفيش مشكلة في فحصه، فتحه سامح.
جواه كان فيه خطاب، وصورة من عقد شراكة قديم، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط أبويا:
«لو وصل المستند ده لابني عماد، يبقى الحقيقة اتأخرت، لكنها ما ضاعتش. أهم حاجة ما يظلمش حد عشان ينتصر لنفسه».
حسيت إن عيني دمعت.
أبويا، حتى بعد كل السنين دي، كان بيوصيني إني ما أظلمش حد.
بدأ سامح يقرأ الخطاب بصوت مسموع.
كان أبويا كاتب إنه اكتشف وجود اختلاف بين النسخة اللي اتعرضت على الشركاء والنسخة الأصلية للعقد. الاختلاف كان متعلقًا بحصة مالية كبيرة وحقوق ملكية بعض الأصول، لكن الخطاب ماكانش بيحدد بشكل قاطع مين المسؤول عن التغيير.
وبعدين وصلنا لآخر سطر:
«كمال يعرف مكان النسخة الأصلية، لكنه لا يعرف أنني احتفظت بصورة أخرى خارج الشركة».
رفعت راسي بسرعة.
— يعني فيه نسخة تانية؟!
كمال هز راسه.
— أيوه. أبوك سلّمني نسخة، لكن قبل وفاته بأيام طلب مني أرجعها له. ولما رحت مكتبه، لقيته تعبان جدًا، فسيبتها في درج المكتب وخرجت أجيب له الدوا. لما رجعت، المستند كان اختفى.
سألته بعصبية:
— وإنت ليه ما قلتش الكلام ده من زمان؟
كمال نزل عينيه.
— لأن بعد وفاة أبوك، مجدي الراوي عرض عليّ فلوس مقابل إني أوقّع على إقرار إن كل العقود اتراجعت واتسلمت كاملة. رفضت في البداية، لكن لما عرفت إن فيه ناس ممكن تتضرر، خفت إن شهادتي لوحدها ما تكفيش، وإن الموضوع يتحول لقضية من غير دليل واضح.
منال قالت بحزم:
— خوفك مفهوم، لكن سكوتك عطّل الوصول للحقيقة. دلوقتي لازم نعرف إذا كانت النسخة الأصلية لسه موجودة.
كمال فتح الحقيبة مرة تانية، وطلع منها إيصال قديم لمخزن مستندات في القاهرة.
وقال:
— قبل ما أختفي من الشركة، أبوك طلب مني أحفظ مجموعة من الأوراق في المخزن ده. أنا ما فتحتش الصندوق من يومها، لكن عندي مفتاحه، وممكن نلاقي فيه النسخة التانية.
تاني يوم، رحنا المخزن ومعانا المحامي، وبعد إجراءات إثبات الهوية وفتح الصندوق، لقينا مجموعة ملفات قديمة، وصور عقود، ودفتر حسابات عليه ختم الشركة الأصلي.
سامح بدأ يراجع الأوراق، وبعد أقل من ساعة، وقف فجأة.
— استنوا... فيه حاجة هنا مش طبيعية.
قربنا منه.
كان فيه كشف حساب يوضح تحويل مبلغ كبير من أموال المشروع إلى شركة وسيطة قبل بيع الحصص بفترة قصيرة.
لكن المفاجأة ماكانتش في المبلغ نفسه.
المفاجأة كانت في اسم الشخص اللي وقّع على أمر التحويل.
شريف محمود عبدالسلام.
عمي شريف!
بصيت له وأنا مش قادر أتكلم.
هو نفسه اتصدم، وقعد يقلب الورقة بين إيديه.
— التوقيع ده مش بتاعي! أنا عمري ما شفت الكشف ده!
منال طلبت من سامح يفحص الورقة، وقالت:
— ممكن يكون التوقيع مزورًا، وممكن يكون فيه تفسير آخر. لازم نراجع أصل التحويل وسجلات البنك قبل ما نوجّه أي اتهام.
كمال كان واقف بعيد، ووشه شاحب.
فجأة قال:
— أنا فاكر اليوم ده... أنا اللي استلمت أمر التحويل من المكتب، لكن الورقة كانت متوقعة قبل ما توصل لي.
سألته: — مين اللي سلّمهالك؟
كمال فتح بقه عشان يرد، لكن تليفونه رن.
بص للشاشة، وارتبك بشكل واضح.
سامح قال له: — مين بيتصل؟
كمال قفل التليفون من غير ما يرد، وبعد لحظات وصلته رسالة. قرأها، وإيده بدأت ترتعش.
مدّ التليفون ناحيتي.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
«لو فتحت الصندوق، يبقى لازم تقول لعماد الحقيقة كاملة. مش كل اللي اتعمل كان بأمر مجدي».
رفعت عيني لكمال.
— مين اللي بعت الرسالة دي؟
كمال بلع ريقه، وقال:
— الشخص اللي كتبها هو الوحيد اللي يقدر يفسر ليه اسم عمك موجود على التحويل... وليه أبوك مات وهو فاكر إن أقرب الناس ليه خانه.
سكت لحظة، وبعدها قال الاسم اللي قلب كل توقعاتي:
— والدتك يا عماد... هي اللي كانت موجودة في المكتب يوم التحويل!
بصيت لمنال، وبعدين لكمال، وأنا مش عارف أصدق إيه.
أمي؟!
أمي اللي فضلت سنين خايفة علينا، واللي سلّمت منال المستند بنفسها؟
هل كانت شاهدة على حاجة؟ ولا حد استغل وجودها؟ ولا فيه سر تاني محدش عرفه لحد دلوقتي؟
مسكت تليفوني واتصلت بيها فورًا.
أول ما ردت، سألتها من غير مقدمات:
— يا أمي، إنتِ كنتِ موجودة في مكتب أبويا يوم تحويل الفلوس؟
سكتت.
ثواني طويلة عدّت من غير ما أسمع غير نفسها المتقطع.
وبعدين قالت بصوت خافت:
— أيوه يا عماد... كنت موجودة.
حسيت بقلبي وقع.
لكن قبل ما أسألها عن أي حاجة تانية، قالت جملة ماكنتش مستعد أسمعها أبدًا:
— وأنا اللي طلبت من أبوك يغيّر العقد... بس مش عشان أسرق حق حد. أنا عملت كده عشان أنقذ إنسانًا كان هيتسجن ظلم!
### الجزء الثامن: أمي اعترفت بالسر اللي دفنته سنين!
فضلت ماسك التليفون ومش قادر أنطق.
أمي هي اللي طلبت من أبويا يغيّر العقد؟! يعني كل الخيوط اللي كنا بنجمعها رجعت في الآخر ليها؟!
قلت بصوت مرتعش:
— تنقذي مين يا أمي؟! وإيه علاقة ده بالفلوس اللي اتحولت من الشركة؟!
سمعتها بتعيط، وبعدها قالت:
— تعالى البيت يا عماد، وأنا هحكيلك كل حاجة من أولها. بس أوعدني إنك تسمعني للآخر قبل ما تحكم عليّا.
قفلت معاها، وبصيت لمنال.
قلت: — أنا لازم أروح لها.
منال ردت بهدوء: — روح، وأنا هكمل مراجعة المستندات مع الأستاذ سامح. بس افتكر إن الاعتراف لوحده مش دليل على جريمة، ولازم نعرف إيه اللي حصل فعلًا.
رجعت البيت، ولقيت أمي قاعدة قدام صورة أبويا القديمة، وحاطة على رجليها صندوق خشب صغير.
أول ما شافتني، قالت:
— أبوك كان بيحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا، وكان نفسه تشيل اسمه من غير ما تضطر تدفع تمن أخطاء حد تاني.
قعدت قدامها وقلت:
— احكي يا أمي.
فتحت الصندوق، وطلعت منه صورة قديمة لأبويا، وعمي شريف، ومجدي الراوي، وراجل رابع ماعرفتوش.
أشارت للصورة وقالت:
— الراجل ده اسمه ياسر. كان محاسب الشركة، وكان مسؤول عن مراجعة الحسابات قبل إتمام صفقة بيع الحصص.
سألتها: — وإيه اللي حصل له؟
قالت:
— ياسر اكتشف تحويلات مالية مش مفهومة، ورفض يوقّع على تقرير بيقول إن كل الحسابات سليمة. بعدها اتهموه إنه هو اللي سرّب بيانات الشركة، وبدأت تظهر مستندات بتحمّله مسؤولية عجز مالي كبير.
بدأت أفهم جزءًا من الحكاية.
— وأبويا كان مصدقه؟
هزت راسها.
— أبوك كان متأكد إن فيه حاجة غلط، وبدأ يدور على المستندات الأصلية. وفي الوقت ده، ياسر كان ممكن يخسر شغله ويتحبس بسبب اتهام ماكانش عادل.
سكتت شوية، وبعدها كملت:
— أنا طلبت من أبوك إنه يعيد ترتيب بعض بنود العقد، مش عشان يغيّر الحقائق، لكن عشان يوقف تنفيذ صفقة البيع مؤقتًا لحد ما الحسابات تتراجع. المشكلة إن النسخة اللي اتقدمت بعد كده ماكنتش مطابقة للنسخة اللي وافق عليها كل الشركاء.
سألتها: — مين اللي غيّرها؟
ردت بسرعة: — والله ما أعرف يا ابني. أبوك كان فاكر إن تعديل العقد هيكسبنا وقت، لكن حد استغل التعديل، وغيّر بنود تانية من غير موافقة أصحابها.
حطيت إيدي على رأسي.
— طب ليه ما قولتيش الكلام ده للمحامي من زمان؟
أمي بصت لي بحزن.
— لأن ياسر اختفى فجأة بعد ما ساب الشركة، وبعدها وصلني خطاب بيقول إنه سافر بره مصر. وأبوك مات قبل ما يقدر يثبت الحقيقة. خفت أتكلم، خصوصًا لما بدأت توصلني رسائل تهديد مبطنة.
قلت لها: — وإنتِ دلوقتي متأكدة إن ياسر ماكانش هو اللي غيّر العقد؟
أمي سكتت، وبعدها فتحت ظرفًا قديمًا من الصندوق.
— أنا مش متأكدة من كل حاجة، لكن عندي الخطاب ده، ووصلني من ياسر بعد اختفائه بشهور.
فتحت الخطاب وبدأت أقرأ.
كان مكتوبًا فيه:
«مدام سلوى، أنا ماخنتش محمود، وماسرقتش فلوس الشركة. أنا خرجت من المكتب يومها ومعايا نسخة من كشف الحساب الأصلي، والنسخة دي تثبت إن التحويل تم بناءً على أمر مكتوب، لكن توقيع صاحب الأمر مختلف عن التوقيع الموجود في الملف الرسمي. لو حصل لي أي شيء، سلّموا النسخة للمحامي، وما تتهموش حد قبل ما تتأكدوا».
رفعت عيني لأمي.