مواعيد وقواعد زوجي
مين نفّذ التحويل، ومين كان عنده حق الوصول للحساب.
أدهم أخرج تليفونه، واتصل بمسؤول قانوني يعرفه، وطلب منه يراجع بيانات التحويل.
بعد دقائق، رجع لنا الرد.
التحويل اتنفذ بتوكيل رسمي قديم، صادر قبل ۏفاة والدتك، لكن التوكيل نفسه اتلغى قبل تنفيذ العملية بأيام.
يعني التحويل تم باستخدام مستند ما كانش من المفروض يبقى صالحًا!
خالي عادل بص لي وقال
لازم نعرف مين كان معاه نسخة من التوكيل.
قبل ما أرد، موبايل أدهم رن.
بص للشاشة، ورد فورًا.
سمعنا صوت الراجل من الناحية التانية
يا فندم، وصلنا لاسم الشخص اللي استخدم التوكيل. لكن فيه مشكلة كبيرة.
أدهم سأله
إيه المشكلة؟
الراجل رد
الشخص ده اتوفى من سبع سنين، والتوقيع اللي على أمر التحويل اتأكد إنه مزور.
أدهم سكت لحظة، وبعدها سأله
اسمه إيه؟
الراجل قال الاسم.
محمود المنشاوي.
أبويا.
بصيت لأدهم، وبعدها للمحامي، وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
أبويا ماټ من خمس سنين، يعني قبل اكتشافنا التحويل بوقت طويل.
إزاي يكون هو اللي نفّذ عملية اتسجلت باسمه بعد إلغاء التوكيل؟
وفجأة، فهمت إن فيه احتمال أخطر بكتير من كل اللي تخيلته.
الشخص اللي زوّر توقيع أبويا ما كانش بيحاول يسرق فلوس أمي بس.
كان بيحاول يخلينا كلنا نصدق إن أبويا هو المسؤول، عشان الحقيقة الحقيقية تفضل مستخبية.
وفي اللحظة دي، المحامي شريف فتح الملف الطبي اللي كان في الخزنة، وطلع منه ورقة صغيرة ملزوقة في الغلاف الداخلي.
قرأها، وملامحه اتغيرت.
يا جماعة الورقة دي بتقول إن محمود المنشاوي زار المستشفى قبل ۏفاته بيومين، وطلب تعديل بيانات شخص كان مسجل باعتباره متوفى.
بصيت له پصدمة.
مين الشخص؟
المحامي رفع عينيه ليا، وقال
والدك البيولوجي.
اتجمدت مكاني.
يعني أبويا الحقيقي كان عايش وقت ۏفاة محمود؟
هز رأسه.
والأغرب من كده، إن فيه توقيع على سجل الزيارة بيؤكد إنه خرج من المستشفى مع شخص تاني.
سألته بسرعة
مين الشخص التاني؟
المحامي قلب الورقة، وبص على الاسم المكتوب.
وبعدين قال بصوت منخفض
منصور البدري.
في اللحظة دي، أدهم قبض على حافة الترابيزة، وقال
يبقى لازم نعرف منصور أخفى والد ليلى فين، وليه كان محتاج يزوّر كل المستندات دي.
لكن قبل ما نقدر نتحرك، وصلني على تليفوني إشعار برسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت صورة حديثة لرجل كبير في السن، قاعد على كرسي متحرك، قدام شباك مستشفى.
وتحت الصورة، جملة واحدة
لو عايزة تقابلي أبوكي الحقيقي قبل ما يفوت الأوان، تعالي لوحدك الليلة وإلا مش هتعرفي أبدًا مين اللي تسبب في مۏت أمك.
بصيت لأدهم، وقلبي بيدق پعنف.
لأن الصورة اللي قدامي ما كانتش لرجل اختفى من حياتي من تمانية وعشرين سنة وبس.
كانت لرجل كنت فاكرة إنه ماټ من سنين طويلة
وكان لسه عايش!
يتبع
النهاية الحقيقة اللي كسرت كل الأسرار!
فضلت باصة للصورة اللي وصلتني، وإيدي بتترعش.
أبويا الحقيقي عايش؟! وبعد كل السنين دي، وبعد ما صدقت إنه اختفى ومش هيرجع أبدًا، أكتشف إنه موجود في مستشفى، وإن فيه حد مخبيه عني؟
أدهم لاحظ إني سرحت، فسألني
ليلى، إيه اللي حصل؟
وريته الرسالة والصورة.
أول ما شافها، ملامحه اتغيرت.
مش هتروحي لوحدك.
بصيت له بحدة.
مش إنت اللي هتقرر يا أدهم. أنا مش هفضل طول عمري عايشة تحت حماية الناس اللي بتخبي عني الحقيقة.
رد بهدوء
عندك حق. مش همنعك، لكن لازم نتصرف بعقل. لو فيه حد بيهددك، لازم نضمن سلامتك.
المرة دي ما اعترضتش، لأن كلامه كان منطقي، واتفقنا نتأكد من مكان الرجل عن طريق المحامي، ونبلغ الجهات المختصة بالرسالة قبل ما نتحرك.
وفي نفس الليلة، وصلنا للمستشفى.
كان فيه رجل مسن قاعد على كرسي متحرك، وشعره أبيض بالكامل، وملامحه مرهقة.
أول ما دخلت الأوضة، رفع عينيه ليا.
فضل يبص لي فترة طويلة، وبعدها دموعه نزلت.
ليلى؟
قربت منه ببطء.
حضرتك عارف اسمي؟
هز رأسه.
أنا عارف اسمك من يوم ما اتولدتي. أنا والدك، يحيى الراوي.
حسيت بغصة في حلقي.
كنت متخيلة اللحظة دي ألف مرة، لكن عمري ما تخيلت إني هقف قدام الراجل ده وأنا مش عارفة أقول له إيه.
سألته بصوت مرتعش
ليه سبتني؟ وليه خليتني أعيش عمري كله فاكرة إن محمود أبويا الحقيقي؟
غمض عينيه پألم.
أنا غلطت يا بنتي. يوم ما اتولدتِ، كنت شريكًا في شركة كبيرة مع والدتك، وحصل خلاف بيننا على مستقبل الشركة. بدل ما أواجه المشاكل، سافرت، وافتكرت إن الفلوس والشغل أهم من إني أفضل جنبكم. وبعد فترة، حاولت أرجع، لكن لقيت نفسي داخل في قضية مالية كبيرة، وبدأت توصلني تهديدات.
مين كان بيهددك؟
منصور البدري. كان عايز يستولي على أسهم الشركة، وكان عارف إن وجودك هيخلي ليكي حق قانوني في جزء كبير منها.
بصيت له بۏجع.
وبدل ما ترجع وتحارب عشاني، اختفيت؟
نزل عينيه.
أيوه. ومفيش عذر يبرر اللي عملته.
الكلمة دي وجعتني، لكنها كانت أول مرة حد يعترف بغلطه من غير ما يحاول يقنعني إنه كان بيعمل ده لمصلحتي.
سألته عن أمي، وعن اللي حصل ليلة ۏفاتها.
أخد نفسًا عميقًا، وقال
أمك كانت اكتشفت إن منصور بيزور عقود الشركة. جمعت الأدلة، وطلبت مني أساعدها. لكن قبل ما نقدر نقدم المستندات، حصلت لها أزمة صحية، ودخلت المستشفى.
يعني منصور هو اللي قټلها؟!
رفع إيده بسرعة.
لأ يا ليلى، ما تقوليش كده من غير دليل. أمك كانت مريضة فعلًا، ومفيش عندي إثبات إن حد تسبب في ۏفاتها. لكن عندي دليل إن منصور استغل مرضها، وزوّر مستندات بعد ۏفاتها عشان يستولي على الأسهم.
سكت لحظة، وبعدها كمل
ومحمود عرف الحقيقة، لكنه خاف إنك تخسري كل حاجة لو دخل في مواجهة مباشرة مع منصور. فقرر يحتفظ بالمستندات ويخبيها لحد ما يبقى فيه دليل كافي.
بصيت له.
طب ليه خلاني أتجوز أدهم؟
يحيى رد
لأن أدهم كان عنده القدرة يساعد في كشف التزوير، وعيلته كانت طرفًا في اتفاق قديم متعلق بالشركة. محمود اعتقد إن الجواز هيحمي حقوقك، لكنه أخطأ لما خلى الاتفاق سرًا عنك.
الټفت ناحية أدهم، اللي كان واقف بعيد بيسمع الكلام.
قلت له
وإنت كنت عارف إن الجواز مرتبط بالشركة؟
رد بصراحة
كنت عارف إن فيه ڼزاع قانوني، ووافقت على الجواز عشان أساعد في حماية حقوقك. لكني ما كنتش أعرف كل تفاصيل التزوير، ولا كنت أعرف إن الاتفاق اتستخدم بالشكل ده.
بصيت له طويلًا.
وإيه عن مريم؟ كنت بتحبها، صح؟
هز رأسه.
أيوه. كنت بحبها، وكنت فاكر إن فقدانها معناه إني مش هقدر أحب حد تاني. ولما اتجوزتك، تعاملت معاكي كأنك جزء من مسؤولية لازم أؤديها، بدل ما أشوفك إنسانة ليها قلب ومشاعر.
سكت، وبعدها قال
مريم رجعت لحياتي لأنها كانت شاهدة على جزء من القضية، مش عشان أرجع لها. وأنا عارف إن ده ما يمسحش وجعك، ولا يبرر الطريقة اللي عشتك بيها.
لأول مرة، حسيت إن أدهم بيتكلم من غير ما يختبئ ورا البرود والانضباط.
لكن الاعتراف جه متأخر.
بصيت له وقلت
أنا صدقتك سبع سنين يا أدهم. كنت كل شهر بستنى اليوم اللي تقرر فيه تقرب مني، وكنت بفتكر إن المشكلة فيا. عمري ما تخيلت إنك كنت قادر تحب بالشكل اللي شوفته مع مريم، وإنك اخترت تحرمني حتى من فرصة أعرف حقيقتك.
رد بصوت منخفض
أنا آسف يا ليلى.
قلت له
أنا مصدقة إنك ندمان، لكن الندم مش معناه إني لازم أرجع لك.
ما اعترضش.
وفي اليوم التالي، قدم يحيى المستندات الأصلية للجهات المختصة، وبدأ التحقيق في التزوير والتحويلات المالية. وبعد مراجعة الحسابات والتوقيعات، اتكشف إن منصور البدري كان بيستخدم شركات وسيطة عشان يستولي على أسهم مملوكة لعيلتي.
أما خالي عادل، فاعترف إنه أخفى بعض الأوراق خوفًا من تهديدات منصور، لكنه سلّم كل المستندات اللي كانت معاه، وبقى جزءًا من التحقيق بدل ما يفضل يقرر لوحده إيه الحقيقة اللي من حقي أعرفها.
وبعد شهور من الإجراءات القانونية، اتثبت التزوير، ورجعت الأسهم اللي اتنقلت بطرق غير قانونية إلى ملكيتها الصحيحة، واتحاسب المسؤولون عن التلاعب حسب ما أثبتته التحقيقات.
أما أنا، فكان عندي قرار أهم من الفلوس كلها.
قررت أنهي جوازي من أدهم.
المرة دي، ما كانش القرار بسبب مريم، ولا بسبب غيرة، ولا حتى بسبب أسرار عيلته.
كان بسبب إني أخيرًا فهمت إن الحب مش اختبار لازم أفضل أقدّم فيه لحد ما يقرر إني أستحقه.
يوم الطلاق، أدهم استناني قدام مكتب المحامي، ومد لي ورقة، وقال
وقّعت على كل التنازلات المطلوبة عشان حقوقك تفضل محفوظة. مش عايزك تخسري حاجة بسبب جوازنا.
بصيت للورق، وبعدها له.
شكرًا.
سكت لحظة، وبعدين سألني
عمرك كرهتيني يا ليلى؟
فكرت شوية، وقلت
لأ. أنا کرهت إحساسي وأنا معاكي. کرهت إني كنت بحاول أبقى كفاية لراجل عمره ما قال لي أنا محتاجك. وکرهت إني كنت بفسر صمتك على إنه قوة، مع إنه كان بيكسرني كل يوم.
عينيه اتمَلَت بالدموع.
لو الزمن رجع بيا، كنت هختارك من البداية، بس كنت هقولك الحقيقة.
ابتسمت بحزن.
المشكلة يا أدهم إن الزمن ما بيرجعش. وإحنا ما ينفعش نبدأ حياة جديدة على أساس إننا نتمنى نمسح اللي فات.
وقّعت أوراق الطلاق، وخرجت من المكتب وأنا حاسة إني لأول مرة من سنين مش مطالبة أستنى حد يختارني.
بعد ست شهور، كنت في حفل افتتاح مؤسسة خيرية باسم أمي، قررت أخصص جزءًا من أرباح أسهمي لدعم تعليم الأطفال ومساعدة العائلات اللي بتواجه أزمات قانونية.
كنت واقفة وسط الحضور، لابسة فستان أحمر، وبضحك من قلبي، لما شفت أدهم داخل القاعة.
كان جاي مع وفد رسمي، ولما عيوننا اتقابلت، ابتسم ابتسامة هادية.
بعد انتهاء الحفل، قرب مني وقال
إنتِ اتغيرتي يا ليلى.
ضحكت.
لأ، أنا بس بطلت أحاول أغيّر نفسي عشان أرضي حد.
هز رأسه بإعجاب.
تستاهلي تكوني سعيدة.
قلت له
وإنت كمان تستاهل تتعلم إزاي تكون صريح مع الناس اللي بتحبهم.
اتبادلنا السلام، وبعدها كل واحد فينا مشي في طريقه.
ما رجعتش لأدهم، وما حاولتش أرجع للماضي.
أما يحيى، فبدأنا علاقتنا من جديد ببطء، من غير ما أسمح له يفرض عليّا دور الأب اللي غاب عني. قلت له بوضوح إن الثقة مش هترجع بكلمتين، وإنه لازم يثبت وجوده بالأفعال، مش بالوعود.
ومحمود؟
فضل أبويا اللي رباني، واللي حبيته، حتى بعد ما عرفت إنه أخفى عني جزءًا كبيرًا من الحقيقة. سامحته على خوفه، لكن ما نسيتش إن الحب من غير صراحة ممكن يتحول لسجن، حتى لو كانت نية صاحبه الحماية.
وفي ليلة هادية، رجعت البيت، ووقفت قدام المراية، وبصيت لنفسي.
افتكرت البنت اللي كانت بتستنى يوم واحد ويوم خمستاشر من كل شهر، عشان تحس إن جوزها اختارها ولو لساعات قليلة.
ابتسمت، وقلت لنفسي
يا ليلى، أخيرًا بقيتي حرة.
ومن يومها، ما بقيتش الوردة اللي صعب حد يوصلها بقيت الوردة اللي عرفت إن قيمتها مش في مين يختارها، لكن في إنها ما تتنازلش عن نفسها عشان أي حد.
تمت النهاية.