بعد شهر حكايات ميراا حصري
بعد شهر واحد بس من طلاقي رسميًا، حماتي السابقة اتصلت بيا الساعة 5 الفجر، وطلبت مني بمنتهى الحزم إني أروح أطبخ عشان عيد ميلاد حمايا السابق السبعين.
بعد عشر سنين كاملة وأنا بتعامل معاهم كأني خدامة من غير أجر، مش فرد من العيلة، رديت عليها بأبسط إجابة ممكنة
معلش مين معايا؟
وبعدين قفلت المكالمة، وخدت ملف مهم خاص بفندق، وخرجت من شقتي.
ساعتها ماكنتش أعرف إن قبل ما اليوم يخلص، جوزي السابق وعيلته هيكتشفوا أخيرًا مين اللي كان ماسك حياتهم المريحة على كتافه طول السنين دي.
الجزء الأول
يا سما! بطلي تعملي نفسك نايمة. الساعة بقت خمسة الصبح، والنهارده عيد ميلاد حماكي، وأنا عايزاكي تكوني عندنا بدري كفاية عشان كل حاجة تخلص قبل ما الضيوف يوصلوا.
صحيت مفزوعة.
كام ثانية ماكنتش فاهمة أنا فين.
جزء مني تقريبًا صدّق إني لسه عايشة في بيت عيلة حسام، وبصحى قبل الفجر عشان أقف في المطبخ الساقع، وأجهز الأكل بينما الكل نايم.
لكن بصيت حواليّا.
ستاير بسيطة.
شقة صغيرة.
سقف مش مألوف.
والمكان الفاضي جنبي.
وفجأة افتكرت حاجة نوال، حماتي السابقة، واضح إنها نسيتها.
أنا وحسام بقالنا شهر كامل مطلقين.
يعني هي مش حماتي من الأساس.
رجعت التليفون على ودني وقلت بهدوء
معلش مين معايا؟
سكتت الناحية التانية ثواني.
وكان الصمت ده ممتع بشكل غريب.
يعني إيه مين معايا؟ أنا نوال!
آه
سيبت ثانية صمت.
افتكرت يمكن الرقم غلط. أنا مش مرات ابنك خلاص.
ضحكت ضحكة حادة.
بلاش دراما بقى. حوالي تلاتين واحد جايين النهارده بالليل. وأنا عايزاكي تعملي الروست بالأعشاب، والأرز البري، ولفايف اللحمة المطبوخة، والسلطة، وكيكة الجوز اللي حمدي بيحبها. عايزاكي تكوني هنا الساعة خمسة ونص.
طول عشر سنين، نوال كانت بتكلمني بنفس الطريقة.
في عيد الشكر.
أعياد الميلاد.
العزومات.
الذكرى السنوية.
حتى الغدا العادي يوم الأحد.
الكل كان بيقعد حوالين السفرة، يشرب ويضحك ويستمتع.
وأنا كنت بفضل في المطبخ.
أطبخ.
أقدّم الأكل.
ألمّ الأطباق.
وأغسل المواعين.
ولو قعدت أكتر من كام دقيقة، كانت نوال تظهر ورايا.
الست المحترمة ما ترتاحش طول ما أهلها لسه محتاجين حاجة.
وحسام عمره ما دافع عني.
غالبًا كان حتى مش بيرفع عينه من على تليفونه.
ماما عندها حق يا سما. بطلي تعملي من كل حاجة مشكلة.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني، هي قد إيه أنا ضحيت من نفسي عشان أبقى الست اللي هما عايزينها.
قبل ما أتجوز حسام، كان عندي شغل بحبه فعلًا.
كنت مستشارة في مجال الطهي، وبقدّم ورش لتعليم الأكلات الأمريكية التقليدية.
كان عندي عملاء.
وعلاقات في المجال.
واسم مهني خاص بيا.
لكن حسام كان بيكره ده.
كان بيقول إنه مش بيحب إن مراته تفضل تستعرض نفسها قدام الغرب.
وعدني إن المطعم بتاعه هيبقى مستقبلنا إحنا الاتنين.
وأنا صدقته.
فبدأت واحدة واحدة أبعد عن شغلي، وأحط كل مجهودي في مطعمه.
كنت بطوّر الأطباق.
وأتعامل مع الموردين.
وأتابع المشتريات.
وأراجع المخزون.
وأحل مشاكل المطبخ الطارئة.
وأصلّح مشاكل محدش غيري كان حتى بياخد باله منها.
حسام كان بياخد المدح كله.
وأنا اختفيت في الخلفية.
لكن في الصبح ده، ولأول مرة تقريبًا من عشر سنين، نوال سمعت مني كلمة عمرها ما كانت متوقعة تسمعها.
لأ.
ضحكتها اختفت.
إنتي قولتي إيه؟
مش جاية.
ليه؟
عندي شغل.
ضحكت تاني.
إنتي؟ شغل؟
السخرية في صوتها كانت واضحة جدًا.
حسام قالي إنك عايشة لوحدك في شقة كئيبة كده. تعالي، اتصرفي بأدب، ويمكن نقنعه يرجعك تاني.
وفجأة سمعت صوت حسام من بعيد
هاتي التليفون.
بعد لحظات، جه صوته على الخط.
سما، بطلي تكسفينا.
سكت.
إنتي مش هتعرفي تعيشي لوحدك. تعالي ساعدي ماما تجهز كل حاجة، وبطلي تعملي نفسك فجأة عندك شغل كبير ومستقلة.
بصيت للكرسي اللي جنب السرير.
كان عليه فستان أوف وايت متكوي بعناية.
وجنبه ملف رسمي عليه لوجو واحد من أشهر وأرقى الفنادق في بالتيمور.
فعلًا مش هقدر أجي، عندي اجتماع مهم الصبح.
ضحك.
فين؟ في مطعم شعبي ولا إيه؟
ابتسمت.
لأ.
حطيت إيدي على الملف.
في مكان إنت بتحاول تدخل فيه بقالك سنين.
ضحك أكتر.
آه طبعًا وأنا كمان مالك دار الأوبرا.
قفلت المكالمة.
الساعة 520 الصبح، ركبت تاكسي.
لكن ماكنتش رايحة بيت عيلة حسام.
كنت رايحة فندق جراند بلازا.
بعد وقت قصير، كنت هقف قدام مستثمرين، وطهاة معروفين، ومديرين كبار في مجال الأعمال، بصفتي المديرة التنفيذية لقسم الطهي في مشروع ضخم تابع لمجموعة فنادق عالمية.
نوال ماكانتش تعرف أي حاجة.
وحسام كان يعرف أقل منها.
طول السنين اللي فاتت، هما كانوا بيتعاملوا معايا كأني معنديش شغل، ولا تأثير، ولا مستقبل بره عيلتهم.
لكن اللي عمرهم ما فهموه، إن جزء كبير من النجاح اللي كانوا بيتباهوا بيه، كان قائم في هدوء على مجهودي أنا.
شغلي.
علاقاتي المهنية.
أفكاري.
فلوسي.
واسمي.
وأنا في التاكسي وسط شوارع بالتيمور، موبايلي رن تاني.
رسالة أخيرة من نوال
لو ماكنتيش هنا خلال عشرين دقيقة، هنروح على طول لبيت أهلك.
فضلت أبص للشاشة.
ولأول مرة الصبح ده، ثقتي في نفسي اهتزت.
أهلي ماكانوش يعرفوا قد إيه حسام ونوال عاملوني وحش طول سنين الجواز.
أنا تعمدت أخبي عنهم كل حاجة.
وحسام كان عارف ده.
معدتي اتقبضت.
لأن لو نوال فعلًا ناوية تروح بيت أبويا الصبح، فهي ماكانتش تعرف خالص هي داخلة على إيه.
وحسام
ماكانش عنده أي فكرة مين اللي كان مستنيهم
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا الجزء الثاني
فضلت باصة للرسالة ثواني، وبعدها قفلت الموبايل من غير ما أرد.
لأول مرة، ماحسّتش إني مطالبة أشرح نفسي لحد.
لو نوال عايزة تروح لأهلي، تروح.
لكن كان عندي إحساس غريب إن أول ما تدخل بيت أبويا، كل الأكاذيب اللي اتقالت عني طول السنين هتبدأ تقع واحدة ورا التانية.
وصلت الفندق الساعة 610 الصبح.
أول ما دخلت، موظفة الاستقبال ابتسمت أول ما شافتني.
صباح الخير يا أستاذة سما. المدير التنفيذي مستني حضرتك في قاعة الاجتماعات.
هزيت راسي ودخلت.
على الترابيزة كان فيه سبع ملفات، وكل ملف عليه اسمي.
مش اسم حسام.
مش اسم مطعمه.
اسمي أنا.
جلست قدام المستثمرين، وبدأ الاجتماع.
بعد حوالي عشر دقايق، دخل الشيف الفرنسي المسؤول عن المشروع، ومد إيده لي.
أخيرًا قابلتك يا سما. سمعت كتير عن شغلك.
ابتسمت.
أتمنى أكون عند حسن ظنكم.
فتح ملف قدامه وقال
إحنا مش مهتمين بس بخبرتك في الطهي. إحنا مهتمين بالشبكة المهنية اللي بنيتيها خلال السنين اللي فاتت.
وقتها حسيت بحاجة غريبة في صدري.
طول عشر سنين، كنت بسمع إن اللي بعمله مساعدة لجوزي.
إن علاقاتي معارف عادية.
إن أفكاري حاجات ستات.
لكن دلوقتي، نفس الحاجات دي كانت سبب وجودي في الغرفة دي.
وبينما الاجتماع مستمر، موبايلي اهتز.
رقم أبويا.
تجمدت.
أبويا نادرًا ما بيتصل بيا.
فتحت الرسالة.
سما، نوال وحسام هنا.
وبعدها مباشرة
محتاج أفهم حاجة واحدة هو إنتي كنتي مخبية عننا إيه؟
قلبي دق بسرعة.
ما لحقتش أرد.
وصلت رسالة تانية.
هما بيقولوا إنك سيبتي جوزك من غير سبب، وإنك طول عمرك قاعدة في البيت.
غمضت عيني.
طبيعي.
دي كانت رواية حسام المفضلة.
إنه هو اللي كان بيصرف.
وإن أنا ست فاضية.
وإنه هو اللي مستحملني.
لكن الرسالة الأخيرة من أبويا كانت مختلفة.
دخلت على اللابتوب اللي معاهم ولقيت اسمك في مستندات المطعم.
اتعدلت في الكرسي.
أستاذة سما؟
رفعت عيني.
مدير الفندق كان بيتكلم.
محتاجين نعرف هل حضرتك مستعدة توقعي العقد النهارده؟
بصيت للورق قدامي.
عقد بقيمة ضخمة.
منصب رسمي.
وسلطة كاملة على تشغيل مشروع المطاعم الجديد.
حطيت القلم على الورق.
مستعدة.
وقعت.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
حسام.
بصيت للاسم.
المكالمة الأولى.
رفضتها.
رن تاني.
رفضتها.
المرة التالتة.
رديت.
ألو؟
صوته كان منفعل.
إنتي عملتي إيه؟
ولا حاجة.
ماما راحت عند أبوكي، وأبوكي طردها من البيت!
سكت.
وقال لها كلام غريب جدًا!
ابتسمت لأول مرة.
بابا قال إيه؟
سكت حسام ثانيتين.
وبعدين قال
قال لها إنتي جاية تسألي بنتي ليه ماجتش تطبخ؟
ضحكت رغمًا عني.
وبعدها؟
صوته اتغير.
أبوكي فتح اللابتوب قدامهم.
قلبي وقف لحظة.
لقى إيه؟
لقى كشوفات التحويلات.
سكت.
تحويلات إيه؟
قالها بصوت منخفض
الفلوس اللي كانت بتدخل المطعم من حسابك.
بصيت قدامي.
طول السنين دي، كنت فاكرة إني بحمي جوازنا لما أخلي كل حاجة باسمه.
لكن كان عندي نسخ من كل المستندات.
كل عقد.
كل تحويل.
كل فاتورة.
كل وصفة طورتها.
وكل مورد أنا اللي جبته.
حسام اتنفس بعصبية.
سما، ماما بتقول إنك كنتي بتديري المطعم من ورايا.
مش من وراك.
سكت.
كنت بديره قدامك. إنت بس ماكنتش بتبص.
إنتي عارفة إن المطعم ممكن يقع لو سحبتي نفسك؟
رفعت عيني عن العقد الجديد.
عارفة.
يعني إنتي قاصدة؟
لأ.
وقفت.
أنا بس أخيرًا بطلت أنقذه.
سكت.
وقبل ما يقفل، سمعته بيقول
استني في مشكلة أكبر.
إيه؟
المستثمر اللي كان المفروض يقابلني النهارده في الفندق
صوته ارتجف.
ألغى الاجتماع.
بصيت لمدير الفندق اللي كان واقف بعيد عني.
وبعدين سألت
ليه؟
قال
لأنه قال إن الشخص الوحيد اللي عايز يتفاوض معاه هو سما.
اتجمد حسام.
وأنا لأول مرة حسيت إن السنين اللي فاتت كلها بدأت ترجعلي في لحظة واحدة.
قلت بهدوء
حسام؟
أيوه؟
عيد ميلاد أبوك سعيد.
وقبل ما يرد
قفلت المكالمة.
لكن موبايلي رن تاني.
المرة دي كان رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت رجل كبير جه من الناحية التانية
أستاذة سما؟
أيوه.
أنا محامي والد حسام.
سكت لحظة.
وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما تكملي شغلك النهارده.
قبضت إيدي على الموبايل.
حاجة إيه؟
قال
أبو حسام كتب وصية جديدة من شهرين.
سكت.
وفيها اسمك.
رفعت عيني ببطء عن العقد.
اسمي أنا؟
أيوه.
صوته بقى أخفض.
وفي شرط غريب جدًا الشرط ده لو اتنفذ، هيغير ملكية جزء كبير من ممتلكات العيلة.
ولأول مرة من ساعة ما صحيت الساعة خمسة الفجر
حسيت إن مكالمة نوال ماكنتش بداية انتقامي.
كانت بداية سر أكبر بكتير.
وماحدش في عيلة حسام كان مستعد يعرفه الجزء الثالث
فضلت ساكتة.
ماعرفتش أقول إيه.
اسمِي في وصية حمايا السابق؟
ده آخر شيء ممكن أتوقعه.
قلت للمحامي
حضرتك متأكد إنك بتتكلم عني أنا؟
متأكد تمامًا. اسمك الكامل موجود في الوصية، وتاريخ ميلادك كمان.
وليه؟
سمعت تنهيدة طويلة.
دي بالضبط الحاجة اللي والد حسام عايز يقولها لك بنفسه.
بصيت للساعة.
الاجتماع لسه مستمر، لكن عقلي خرج منه تمامًا.
هو فين؟
في البيت.
سكت لحظة، وبعدين قال
والنهارده عيد ميلاده السبعين.
اتجمّدت.
يعني الراجل اللي حماته السابقة كانت عايزاني أقف في مطبخه من الفجر عشان أطبخ له
هو نفسه اللي كتب اسمي في وصيته.
قلت
هو عايز يقابلني؟
من فترة طويلة.
ليه ماطلبش يقابلني قبل كده؟
المحامي سكت.
لأن حسام ونوال كانوا دايمًا بيقولوا له إنك مشغولة وإنك مش عايزة تشوفي العيلة.
ضحكت بسخرية.
طبعًا.
كنت بدأت أفهم.
طول السنين، كل ما كنت أقول إني عايزة أقابل حمايا لوحدنا، حسام كان يقول
بابا تعبان.
بابا مشغول.
بابا مش عايز يدخل في مشاكلنا.
واضح إن حد كان بيمنعنا عن بعض.
قلت للمحامي
أنا جاية.
بعد حوالي ساعة، وصلت قدام بيت عيلة حسام.
العربية وقفت.
بصيت للمبنى اللي دخلته أول مرة وأنا عروسة عندي خمسة وعشرين سنة.
كنت فاكرة إني داخلة بيت هعيش فيه.
ماعرفتش وقتها إني هقضي عشر سنين بحاول أثبت إني أستحق أقعد على نفس السفرة.
نزلت.
أول ما فتحت الباب، لقيت نوال واقفة في الصالة.
وشها كان متغير.
حسام واقف جنبها.
وأبويا كان قاعد على الكنبة، ومعاه أختي.
نوال أول ما شافتني قالت
أخيرًا شرفتي!
بصيت لها.
أنا ماجتش عشان عيد الميلاد.
حسام اتحرك ناحيتي.
سما، إحنا محتاجين نتكلم.
وأنا كمان.
دخلت.
كان فيه حوالي