بنت صغيرة حكايات ميراا
جاء الاسم.
والرجل اللي كنت واثق فيه أكتر من أي حد... هو والد كريم منصور.
كريم غمّض عينيه.
سلمى بصت له.
التسجيل كمل
لو حصل لي حاجة، ماتحاوليش تاخدي حقك بالقوة.
سكت ثواني.
كبري الأول.
ثم قال الجملة التي جعلت كريم يفتح عينيه فجأة
ولما تكبري، دوري على ابني.
سلمى همست
ابنه؟
الراجل أوقف التسجيل.
كريم قال
استنى... ابني مين؟
سلمى كانت باصة له.
بابا كان عنده ابن غيري؟
الراجل ما ردش.
أخرج شهادة ميلاد قديمة.
ووضعها أمام سلمى.
إيدها بدأت ترتعش.
قرأت الاسم.
ثم رفعت عينيها ببطء.
يوسف محمود؟
سيف قرب منها.
مين يوسف؟
سلمى ماقدرتش ترد.
لأن الاسم كان مكتوب تحته
تاريخ الميلاد نفس يوم ميلاد التوأم.
كريم بص للشهادة، ثم لسلمى.
إنتِ قولتي إن التوأم كانوا تلاتة.
سلمى هزت راسها.
أيوه.
وقلتي إن واحد مات.
أيوه.
كريم أشار للشهادة.
لكن الورقة دي بتقول إنه ما ماتش.
سلمى حسّت إن رجليها مش شايلينها.
مستحيل.
سيف مسك إيدها.
سلمى...
لكنها كانت بتبص للشهادة وكأنها بتحاول تفهم حياتها من جديد.
وفجأة...
الموبايل الموجود على الترابيزة رن.
رقم مجهول.
سلمى ردت.
ألو؟
صمت.
ثم جاء صوت شاب
سلمى؟
أيوه، مين؟
أنا يوسف.
تجمدت.
سيف قرب من الهاتف.
كريم وقف مكانه.
الصوت كمل
لو إنتِ لسه فاكرة النجمة الورق...
سلمى دموعها نزلت.
إنت فين؟
صمت الطرف الآخر ثواني.
ثم قال
قدام مبنى كريم منصور.
سلمى رفعت رأسها ناحية الزجاج.
وفي الشارع تحت المبنى...
كان فيه شاب واقف لوحده.
شايل في إيده نجمة ورق ثالثة.
وقال عبر الهاتف
وأنا مش جاي آخد فلوس.
أنا جاي أعرف مين قتل أبويا سلمى فضلت ماسكة الموبايل عند ودنها، ومش قادرة تنطق.
صوت يوسف رجع تاني
سلمى... إنتِ سامعاني؟
أيوه.
صوتها خرج ضعيف.
إنت... أخويا؟
ضحك ضحكة قصيرة، لكن كان واضح إن وراها سنين من الوجع.
على حسب مين تسألي.
سلمى بصت لسيف.
سيف كان واقف جنبها، وشه شاحب.
استنى مكانك.
قالتها بسرعة.
أنا نازلة لك.
لكن كريم وقف قدامها.
لأ.
بصت له.
ليه؟
لأننا مانعرفش هو مين بالضبط، ولا مين بعت الراجل ده، ولا إيه اللي حصل لأبوكي.
يوسف سمع كلامه من الهاتف.
وقال
عنده حق.
ثم أضاف
بس أنا عندي حاجة تثبت إني أخوها.
سلمى سألت
إيه؟
علامة.
سكت لحظة.
تحت كتفي الشمال.
سلمى اتجمدت.
لأنها كانت تعرف العلامة.
كانت موجودة في كتف سيف.
وكانت موجودة في كتفها.
علامة صغيرة على شكل هلال، قالت لهم خالتهم زمان إنها اتولدت بيها.
لكنهم كانوا ثلاثة.
ولو يوسف عنده نفس العلامة...
فمفيش مجال للشك.
بعد دقائق، دخل يوسف قاعة الاجتماع.
أول ما وقف قدام سلمى وسيف، التلاتة فضلوا باصين لبعض.
ولا واحد قدر يتحرك.
سيف هو أول واحد قرب.
إنت شبهنا.
يوسف ابتسم ودموعه نزلت.
وأنا طول عمري بدور عليكم.
سلمى جريت عليه.
حضنته بقوة.
ولأول مرة من 19 سنة، حسّت إن العيلة اللي كانت فاكرة إنها اتكسرت بالكامل...
رجعت لها قطعة ناقصة.
لكن الفرحة ماكملتش.
يوسف أبعد عنها وقال
أنا ماجتش لوحدي.
سلمى مسحت دموعها.
مين معاك؟
يوسف بص ناحية الباب.
ودخلت ست كبيرة في السن.
كانت ماسكة عصاية.
وأول ما شافتها سلمى...
وشها اتجمد.
خالتي؟
الست رفعت عينيها.
أيوه يا سلمى.
سلمى قربت منها ببطء.
إنتِ مش متيّة؟
الست دموعها نزلت.
كانوا عايزينك تصدقي إني مت.
كريم سأل
مين؟
الست بصت له.
أبوك.
كريم اتراجع خطوة.
إيه؟
أبوك كان عايز كل الورق يختفي.
ثم بصت لسلمى.
وبعد موت والدك، أخدوا يوسف وهو لسه رضيع.
سيف قال
أخدوه ليه؟
الست ردت
عشان كان فيه مستندات باسم والدكم... وكان يوسف هو الوريث الوحيد اللي ممكن يطالب بيها لما يكبر.
كريم حس إن الدم انسحب من وشه.
يعني يوسف...
كان مفتاح كل حاجة.
سلمى بصت لأخوها.
وإنت عشت فين كل السنين دي؟
يوسف قال
في دار رعاية.
ثم ابتسم بحزن.
كل اللي كان مكتوب في ملفي إن اسمي يوسف، وإن أهلي ماتوا.
كريم قبض إيده.
مين عمل كده؟
يوسف أخرج ظرفًا أسود من جيبه.
الشخص اللي كان بيدور عليّ من سنين.
فتح الظرف.
وكانت بداخله صورة حديثة لرجل كبير.
سلمى قربت.
كريم شاف الصورة...
وتجمد.
مستحيل.
سلمى بصت له.
تعرفه؟
كريم قال بصوت خافت
ده عمي.
يوسف أومأ.
وهو لسه عايش.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
والأخطر...
حطها قدام كريم.
إن والدك ماكانش هو اللي بدأ السر.
قلب الورقة.
وكان اسم واحد مكتوب في الأعلى.
اسم جد كريم منصور.
كريم رفع عينه بصدمة.
يوسف قال
أبويا كان بيحاول يفضح عيلتك من الجيل الأول.
سكت لحظة.
لكن المشكلة إن الشخص اللي قتله...
ابتسم ابتسامة مريرة.
لسه عايش لحد النهارده.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف كريم.
رقم مجهول.
رد.
وجاء صوت رجل عجوز
كريم... لو فتحت الملف ده، هتخسر كل حاجة.
كريم سأل
إنت مين؟
الصوت ضحك.
الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك الحقيقة عن أبوك.
ثم انقطع الخط.
وبعد ثواني، وصلت رسالة إلى هاتف كريم.
صورة قديمة.
والده واقف فيها مع والد سلمى...
وبينهما ثلاثة أطفال رُضّع.
وتحت الصورة جملة واحدة
اسأل والدك لماذا لم يكن هؤلاء الأطفال ثلاثة... بل أربعة سلمى فضلت باصة للصورة، وكأن عقلها رفض يستوعب الجملة.
أربعة؟!
سيف خطف الموبايل من إيد كريم.
إزاي أربعة؟ إحنا كنا توأم!
يوسف كان ساكت.
بس عينيه كانت ثابتة على الصورة.
وبعدين قال بهدوء
مش أربعة أطفال وبس.
رفع صباعه على الصورة.
بصوا كويس.
سلمى قربت من الشاشة.
الأطفال الأربعة كانوا ملفوفين في بطاطين بيضا.
ثلاثة منهم لابسين سوار المستشفى.
أما الطفل الرابع...
كان في حضن والدها.
وعلى البطانية مكتوب بخط واضح
محمود الصغير.
سلمى شهقت.
محمود؟
كريم بص لها.
ده اسم أبوكي.
الست الكبيرة بدأت تبكي.
أيوه.
سيف قال
يعني إيه محمود الصغير؟
الست مسحت دموعها.
لأن أبوكم كان عنده ابن قبل ما تتولدوا.
سلمى اتجمدت.
أخ؟
أخ غير شقيق.
يوسف قرب من الصورة.
ومين الطفل ده؟
الست سكتت.
وبعدين قالت
الطفل الرابع... مش ابن أبوكم.
كريم اتوتر.
أمال مين؟
الست بصت له مباشرة.
ابن أبوك.
الصمت وقع على المكان.
سلمى همست
يعني... عمي؟
الست هزت رأسها.
لأ.
وبصوت مكسور قالت
كريم.
كريم رجع لورا.
إيه؟
أبوك كان عنده طفل من الست اللي في الصورة.
كريم بص للصورة مرة تانية.
والده كان واقف مبتسم...
وبجواره والد سلمى.
وفي حضن والد سلمى طفل رضيع.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في ظهر الصورة.
يوسف قلبها.
وكان مكتوب
لو حصل لي أي حاجة، الطفل ده أمانة عند محمود.
سلمى بدأت تقرأ بصوت مرتجف
ماتسلموش الطفل لعيلة منصور مهما حصل...
رفعت عينيها.
ليه؟
الست قالت
لأن والدك اكتشف إن عيلة منصور ماكانتوش بس عايزين شركته.
سكتت لحظة.
كانوا عايزين ابنهم.
كريم قال
ليه؟
الست بصت له بحزن.
لأنك كنت الورقة الوحيدة اللي ممكن تخلّي أبوك يخضع.
كريم اتنفس بصعوبة.
أنا؟
أيوه.
ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ملفًا قديمًا.
والدك أخدك من أمك وأخفى الموضوع عن الكل.
سلمى قربت منها.
وأمي؟
الست قالت
أمك ماتت وهي بتحاول ترجعك.
سلمى غمضت عينيها.
لكن قبل ما تنهار، يوسف مسك إيدها.
استني.
وأشار للملف.
لسه في حاجة أهم.
فتح الصفحة الأخيرة.
كان فيها اسم الطبيب.
وتاريخ.
وتوقيع.
كريم قرأ الاسم...
وشه اتغير.
الدكتور ده...
سيف سأله
تعرفه؟
كريم قال
ده كان طبيب العيلة.
يوسف ابتسم بسخرية.
ولسه عايش.
سلمى رفعت رأسها.
فين؟
يوسف أشار للعنوان المكتوب.
في مستشفى خاصة على طريق إسكندرية الصحراوي.
سلمى قامت فورًا.
هنروح له دلوقتي.
كريم مسك الملف.
لأ.
ليه؟
لأن لو الطبيب ده هو اللي كتب شهادة وفاة أبوكي...
سكت.
ثم قال
يبقى هو كمان يعرف مين الطفل الرابع.
سلمى بصت له.
وإيه المشكلة؟
كريم رفع عينيه.
المشكلة إن اسم الطفل الرابع...
وأشار للسطر الأخير.
مش موجود في شهادة الميلاد.
يوسف قال
لأنه اتسجل باسم تاني.
سلمى سألت
اسمه إيه؟
يوسف قلب الورقة.
وسكت.
سيف قرب منه.
قول.
يوسف رفع عينيه لسلمى.
الاسم اللي اتكتب للطفل الرابع...
ثم قال الجملة اللي خلت سلمى تحس إن الأرض بتتهز تحت رجليها
كريم منصور.
كريم تجمد.
مستحيل.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة جديدة على هاتفه.
صورة لشهادة ميلاد قديمة.
وتحتها جملة
لو عايز تعرف ليه أبوك سرق هويتك... تعالى لوحدك الليلة.
لكن الرسالة انتهت بعنوان واحد
المقبرة اللي اتدفن فيها محمود والد سلمى.
وتحت العنوان...
موعد
الساعة 12 منتصف الليل.
وسطر أخير
ومتجيبش سلمى... لأن الحقيقة المرة دي هتقتلها الساعة كانت 1137 بالليل.
سلمى كانت واقفة قدام مكتب كريم، ماسكة الموبايل في إيدها، وعينيها على الرسالة.
ومتجيبش سلمى... لأن الحقيقة المرة دي هتقتلها.
رفعت عينيها لكريم.
إنت مش هتروح لوحدك.
كريم رد بسرعة
لأ، أنا لازم أروح.
وأنا لازم أعرف الحقيقة.
سلمى، الراجل ده عارف اسمك وعارف كل حاجة عن أبوكي. لو عايز يأذينا، دي أسهل طريقة.
سيف تدخل
يبقى مانروحش.
يوسف هز رأسه.
لأ... لازم نروح.
سلمى بصت له.
ليه؟
يوسف قال
لأن الشخص اللي بعت الرسالة عايز كريم يروح لوحده.
وسكت.
وده معناه إنه خايف من حاجة.
كريم سأله
من إيه؟
يوسف رد
من إننا نكون كلنا مع بعض.
قبل منتصف الليل بعشر دقايق، خرج كريم من المبنى.
كان فاكر إنه محدش شايفه.
لكن على بعد أمتار، كانت عربية سوداء ماشية وراه.
وفيها سلمى وسيف ويوسف.
سلمى قالت
أول ما يدخل المقبرة، نستناه خمس دقايق.
سيف بص لها.
وإنتِ واثقة؟
لأ.
ابتسمت بحزن.
بس أنا بطلت أثق في أي حاجة.
وصل كريم للمقبرة.
نزل من العربية.
الجو كان هادي بشكل غريب.
مشى بين القبور لحد ما وصل لقبر محمود.
وقف.
أنا جيت.
ولا رد.
فجأة سمع صوت من وراه
كنت عارف إنك هتيجي.
كريم لف.
رجل عجوز واقف في الظلام.
إنت مين؟
الرجل قرب خطوة.
أنا آخر شخص شاف أبوك