بنت صغيرة حكايات ميراا

لمحة نيوز

بنت صغيرة وعدت راجل ملياردير إنها هترجعله الفلوس اللي دفعها عشان يشتري لبن لإخواتها التوأم الصغيرين...
وبعد 19 سنة، اكتشف إن الوعد اللي قالته وقتها كان معناه أكبر بكتير مما تخيل.
حطّت البنت الصغيرة قدام الكاشير 240 جنيه، كلهم فكة وفلوس ورق متكرمشة، وبصّت لعلبة اللبن اللي مش قادرة تدفع تمنها.
وبعدين قالت جملة خلت الكاشيرة المرهقة تسكت للحظة وكأن نفسها اتقطع
ممكن أجيبلكم الباقي يوم الجمعة؟
وراها، واحد من البيبيهات اللي كانوا مربوطين في شنطة حمل توأم قديمة، بدأ يعيط.
البنت ماكانش عندها أكتر من عشر سنين.
الكاشيرة، منى عبدالسلام، بصّت للعملات المعدنية، وبعدين للعشرينات المتكرمشة، وللورقة اللي طرفها كان مبلول، والبنت كانت فرداها بإيدها بعناية.
وبعدين بصّت للسعر اللي ظاهر على شاشة الكاشير.
415 جنيه.
قالت لها منى بحنان
ناقصك 175 جنيه يا حبيبتي.
البنت بلعت ريقها.
أنا عارفة.
وبعدين قالت بسرعة
هجيبهم. والله هجيبهم. خالتي بتقبض يوم الجمعة.
البيبي عيّط بصوت أعلى.
أما أخوه التوأم، فكان نايم جوه شنطة الحمل القديمة، وفيها حزام مقطوع ومتربط بشريط لاصق فضي.
في سوبر ماركت النور في أطراف القاهرة، كان الطابور ورا البنت بيطول.
كانت الساعة قربت على ستة المغرب.
وديسمبر كان بارد، والهواء بيدخل مع كل فتحة للباب الأوتوماتيك.
ريحة الجواكت المبلولة، والقهوة الرخيصة اللي طالعة من الماكينة، والعيش السخن من المخبز، وصوت عربيات التسوق المعدنية... كل حاجة كانت بتقول إن الناس عايزة تخلص وتمشي.
راجل لابس بالطو رمادي بص في ساعته بضيق.
ست ماسكة سلة تنهدت وراحت لطابور تاني.
وحد همس
وأهلها فين؟
البنت سمعت.
دقنها اتهزت شوية.
لكنها ما بصتش وراها.
قالت لمنى بصوت واطي
إخواتي بقالهم من امبارح مش واكلين كويس.
وبعدين أضافت
كنت بأديهم كمية قليلة عشان اللبن يكفي معانا لأطول وقت.
ملامح منى اتغيرت فورًا.
منى كان عندها طفلين، وكل غريزة أمومة جواها كانت بتصرخ فيها إنها تطلع الفلوس الناقصة من جيبها، وتحاسب البنت، وتديها علبة اللبن وتمشي.
لكن منى كانت فاكرة كويس اللي حصل من تلات شهور.
موظفة تانية اتعاقبت رسميًا لأنها سدّت فرق حساب لزبون من غير إذن المدير.
في سوبر ماركت النور كان فيه قوانين صارمة
مفيش خصومات من عند الموظفين.
مفيش تعديل في الفواتير.
ومفيش أي بضاعة تتاخد من غير دفع.
ومنى كانت محتاجة الشغل ده.
الإيجار متأخر عليها أصلًا.
بصت للبنت وقالت بحزن
معلش يا حبيبتي.
البنت هزت راسها كأنها كانت متوقعة الرد ده.
وبعدين زقّت علبة اللبن ناحيتها بهدوء.
ولا يهمك.
وبدأت تجمع الفلوس اللي حطتها على الكاونتر.
أنا أصلًا ماكانش المفروض أطلب.
وفي اللحظة دي...
كان كريم منصور واقف.
كان ماشي قدام صفوف الكاشير ومعاه مديره التنفيذي، ومش مركز أوي في الكلام اللي بيتقال له عن إصلاحات التلاجات.
كريم كان صاحب المبنى.
وصاحب مئات فروع السوبر ماركت في أنحاء الجمهورية.
وعنده مخازن توزيع.
وشركات نقل ولوجستيات.
وعقود مع مزارع.
وعقارات تجارية.
مجلات البيزنس كانت بتكتب عن ثروته بإعجاب شديد، كأن الأرقام لوحدها دليل على النجاح.
كان يقدر يخسر 175 جنيه كل دقيقة لسنين، وبرضه يفضل ملياردير بشكل يخلّي الرقم نفسه يبدو سخيفًا.
لكن شركته، في اللحظة دي، كانت بتقول لبنت عندها عشر سنين إن 175 جنيه ممكن يكونوا الفرق بين إخواتها ياكلوا... أو يفضلوا جعانين.
أستاذ كريم؟ ناداه مديره محمود شوقي. هنتأخر على المعاينة.
كريم ما ردش.
كان شايف البنت وهي بتبعد عن الكاشير.
البيبي اللي كان بيعيط كان حاطط قبضته الصغيرة عند رقبتها.
وهي بتهدهده وهي ماشية ببطء.
بحذر.
كأنها هي الكبيرة المسؤولة عن كل حاجة.
خلاص يا سيفو... همست للبيبي. خالتو هتتصرف.
الجملة دي ضربت كريم أقوى من منظر علبة اللبن.
مش أنا هتصرف.
لكن
خالتو هتتصرف.
كأن البنت كانت بتحاول تقنع البيبي إن لسه فيه شخص كبير في الدنيا يقدر يخليها أمان.
كريم اتحرك ناحيتها.
معلش.
البنت لفت بسرعة.
وأول حاجة عملتها إنها غطّت البيبيهات بإيدها.
الحركة دي خلت كريم يقف مكانه.
الأطفال ماينفعش يبصوا للغرباء بالطريقة دي.
والأطفال ماينفعش يكونوا اتعلموا بدري أوي إزاي يحموا اللي أصغر منهم.
قال لها كريم
أنا مش هعملك حاجة وحشة.
البنت ردت فورًا
أنا عارفة.
لكن نظرتها كانت بتقول إنها مش عارفة خالص.
سألها
اسمك إيه؟
سلمى.
سلمى إيه؟
سلمى محمود.
كريم بص ناحية علبة اللبن.
إخواتك محتاجين اللبن ده؟
هزت راسها.
أيوه.
خلاص، خديه.
البنت هزت راسها بسرعة.
لأ.
كريم رمش باستغراب.
لأ؟
حضنت شنطة الحمل أكتر.
أنا ما باخدش حاجة من حد ببلاش.
دي مش حاجة ببلاش... دي مساعدة.
طيب اكتب إني مديونة لك.
مدير كريم، محمود شوقي، طلع منه ضحكة صغيرة من وراه، لكنه سكت فورًا لما كريم بص له.
رفعت سلمى دقنها وقالت
هرجعهالك.
سكتت لحظة، وبعدين أكملت
مش دلوقتي... بس هرجعهالك.
وبصت في عينيه بثبات غريب على طفلة في سنها.
ولو إنت نسيت... أنا مش هنسى.
كريم كان عايز يقول لها إن 175 جنيه مايساووش حاجة بالنسبة له.
لكنه ماقدرش.
لأن البنت كانت بتبص له كأن الموضوع مش موضوع فلوس أصلًا.
مد إيده وأخذ الإيصال.
قلبه على ضهره، وكتب عليه
المبلغ 175 جنيه.
التاريخ.
الساعة 548 مساءً.
المكان الكاشير رقم 4.
وبعدين كتب
دين سلمى محمود 175 جنيه ثمن لبن أطفال.
سلمى أخدت الإيصال بصوابعها الاتنين، كأنه عقد رسمي.
وبعدين مدت إيدها في جيب هدومها.
طلعت نجمة ورق صغيرة مقصوصة بإيد طفلة، أطرافها مش متساوية، وحطتها قدامه.
ودي... ضمان.
كريم بص للنجمة.
وبعدين بص للبيبي اللي نايم.
وبعدين للبنت.
بنت لسه مش طويلة كفاية إنها توصل لرف العيش بسهولة...
لكنها كانت بالفعل بتعرف إزاي تعمل اتفاق مع الدنيا.
ولأول مرة من سنين طويلة...
كريم منصور حس بالخجل وهو واقف جوه واحد من محلاته.
لأنه فهم في اللحظة دي إن وعد البنت الصغيرة...
كان أثقل بكتير من 175 جنيه.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا لكن كريم ماكنش يعرف إن اللحظة دي هتفضل محفورة في ذاكرته 19 سنة كاملة.
حطّ النجمة الورق في جيبه، ومدّ إيده للمدير محمود.
خلّص حساب العلبة دي.
محمود اتردد.
أستاذ كريم، حضرتك عايز تسجلها على حساب الشركة؟
كريم هز راسه.
لأ. على حسابي.
وبعدين بص لسلمى وقال
بس بما إنك قلتي إنك هترجعي الفلوس...
سكت لحظة، وطلع كارت صغير من محفظته، وكتب عليه رقم مكتبه.
لما تكبري وتقدري ترجعيهم، ابقي كلميني.
سلمى مسكت الكارت.
بصت للاسم المكتوب عليه
كريم منصور.
وبعدين سألت بجدية
يعني حضرتك هتستنى لحد يوم الجمعة؟
كريم ابتسم لأول مرة.
هستنى.
طيب.
حطت الكارت جنب الإيصال، وبعدها رجعت تبص له.
بس أنا هرجّعهم.
مصدقك.
أخدت علبة اللبن، وشالت شنطة الحمل، ومشيت ناحية الباب.
قبل ما تخرج، وقفت.
لفت وشها لكريم وقالت
حضرتك ماتنساش النجمة.
كريم لمس جيبه.
مستحيل.
خرجت سلمى من السوبر ماركت، واختفت وسط زحمة الشارع.
كريم فضل واقف مكانه ثواني.
وبعدين سأل محمود
مين البنت دي؟
محمود هز كتفه.
معرفش.
دور عليها.
عشان إيه؟
كريم بص ناحية الباب اللي خرجت منه.
عشان أعرف خالتها بتقبض يوم الجمعة ولا لأ.
لكن لما بحثوا في كاميرات المراقبة وسألوا العمال، اكتشفوا حاجة أغرب.
سلمى ماكانتش ساكنة في المنطقة أصلًا.
كانت جاية من شارع بعيد، ماشية مسافة طويلة وهي شايلة أخواتها.
ومحدش كان عارف عنوانها.
كريم حاول ينسى الموضوع.
لكن النجمة الورق فضلت في جيبه.
أسبوع.
شهر.
سنة.
وبعدها الحياة أخدت كل واحد في طريق.
كريم دخل في توسعات ضخمة، وفتح فروع جديدة، وسافر، وخسر صفقات وكسب غيرها.
أما سلمى...
فكانت بتكبر في صمت.
كبرت وهي شايلة مسؤولية أخواتها.
اشتغلت بعد المدرسة.
دخلت الجامعة بمنحة.
وكانت كل مرة تحتاج فيها فلوس، تفتكر ال جنيه.
مش لأنها كانت قيمة كبيرة.
لكن لأنها كانت أول مرة حد صدق وعدها وهي طفلة.
مرت خمس سنين.
عشر سنين.
وبعدين خمسة عشر.
وفي السنة التاسعة عشرة...
كان كريم منصور داخل اجتماع مهم جدًا.
قدامه مجموعة من المستثمرين ومحامين ومستشارين.
واحد منهم قال
الشركة دي محتاجة تمويل ضخم، ومفيش حد يقدر ينقذها غير حضرتك.
كريم قلب الملف.
اسم الشركة؟
المستشار رد
ميرا للتكنولوجيا المالية.
كريم رفع عينه.
صاحبتها مين؟
فتح المستشار الصفحة الأخيرة.
المهندسة سلمى محمود.
إيد كريم وقفت فوق الورق.
الاسم.
نفس الاسم.
سلمى محمود.
حس بقلبه دق مرة واحدة بقوة.
مد إيده لمحفظته القديمة.
كان محتفظ بالنجمة الورق 19 سنة.
طلعها.
كانت متنية ومتغيرة لونها، لكن لسه موجودة.
في اليوم التالي، دخلت سلمى قاعة الاجتماع.
بنت صغيرة بقت شابة في التاسعة والعشرين.
بدلة بسيطة.
ملامح هادية.
وثقة ماكانتش موجودة وهي طفلة.
وقفت قدامه وقالت
أستاذ كريم منصور؟
كريم قام من مكانه.
سلمى؟
ابتسمت.
أخيرًا افتكرتني.
سكت كريم.
وبعدين قال
ال جنيه.
سلمى ضحكت بهدوء.
لأ.
قربت ملف وحطته قدامه.
أنا جاية أسدد الدين كله.
كريم فتح الملف.
وشه اتغير.
الأرقام اللي قدامه كانت بالملايين.
مش 175 جنيه.
قال بصوت منخفض
إيه ده؟
سلمى بصت له في عينه.
الشركة اللي حضرتك هتشتري جزء منها دلوقتي... أنا أسستها عشان أقدر أوفي بوعدي.
كريم ما اتكلمش.
سلمى طلعت من شنطتها ورقة قديمة.
نفس الإيصال.
نسخة كانت محتفظة بيها 19 سنة.
وكان مكتوب فيها
دين سلمى محمود 175 جنيه ثمن لبن أطفال.
حطتها قدامه وقالت
أنا وعدتك إني هرجعهملك.
وبعدين ابتسمت وقالت
بس أنا ماقولتش إني هرجعهملك زي ما أخدته.
كريم فضل باصص لها.
ولأول مرة فهم معنى الجملة اللي قالتها وهي طفلة
الوعد اللي بيتقال وقت الاحتياج... ممكن يغيّر حياة كاملة كريم فضل ساكت وهو بيقلب في الملف صفحة ورا التانية.
الأرقام كانت ضخمة.
استثمارات.
أسهم.
عقود.
وأسماء مستثمرين كبار.
لكن وسط كل ده، كانت عينه واقفة عند رقم واحد
175 جنيه.
رفع عينه لسلمى.
إنتِ عملتي كل ده عشان ترجعيلي 175 جنيه؟
سلمى ابتسمت.
لأ.
أمال عشان إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين

تم نسخ الرابط