انتهت مراسم الچنازة وذهب المعزون بحلول المساء
أنقذتها يومًا عندما لم يكن أحد مستعدًا لمساعدتها.
لم تستطع سارة منع دموعها.
فبعد كل هذه السنوات، ما زالت آثار ريم تظهر في أماكن لم يتوقعها أحد.
سألت الصبي
وهل تعرف اسمها؟
نعم.
كانت أمي تسميها ملاك الرحمة.
ضحكت سارة من بين دموعها.
لأنها كانت تعرف أن ريم لو سمعت هذا الوصف لاعترضت فورًا.
فقد كانت تقول دائمًا
أنا لست ملاكًا... أنا فقط أرد بعض الخير الذي وصلني.
في ذلك اليوم، وافقت المؤسسة على منحة ياسين كاملة.
ومرت السنوات.
اجتهد الصبي.
وتخرج فعلًا من كلية الطب.
وفي يوم تخرجه وقف أمام صورة كبيرة لريم كانت معلقة في قاعة المؤسسة.
وبجواره سارة التي أصبحت عجوزًا جدًا.
قال لها
لو لم تساعديني لما وصلت إلى هنا.
هزت رأسها مبتسمة.
لم أساعدك أنا.
نظر إليها متعجبًا.
فأشارت إلى الصورة.
البداية كانت هناك.
ثم أضافت
شخص ساعد شخصًا... ثم ساعد ذلك الشخص غيره... ثم استمر الخير ينتقل حتى وصل إليك.
ظل ياسين صامتًا للحظات.
ثم قال
إذن يجب أن أُكمل السلسلة.
ابتسمت سارة.
هذا بالضبط ما كانت تتمناه ريم.
وفي تلك الليلة، بعد انتهاء الاحتفال، وقف ياسين أمام المؤسسة يتأمل اسم ريم المنقوش على المدخل.
كان المكان مليئًا بالأطفال الذين حصلوا على فرص جديدة للحياة.
حينها أدرك أن أعظم إرث لا يُورث بالمال ولا بالعقارات.
بل بالرحمة.
رحمة شخص واحد قد تمتد لمئات الأشخاص الذين لن يراهُم أبدًا.
وربما بعد عشرات السنين، سيقف طفل آخر في المكان نفسه، ويسأل
من كانت ريم؟
وسيجيبه أحدهم
كانت إنسانة عادية...
لكنها اختارت أن يكون قلبها غير عادي.
وهكذا استمرت الحكاية، جيلًا بعد جيل، كأنها نهر بدأ بقطرة صغيرة من الخير، وما زال يجري إلى اليوم. مرت عقود طويلة أخرى...
وأصبح اسم ريم معروفًا في مدن كثيرة بسبب المؤسسة التي حملت اسمها، لكن مع مرور الزمن بدأ الناس ينسون تفاصيل الحكاية الأولى.
لم يبقَ من شهود البداية إلا القليل جدًا.
وفي أحد الأيام، كانت طفلة صغيرة تُدعى ليان تتجول في مكتبة المؤسسة، تبحث عن كتاب لمشروع مدرسي.
فوقعت عيناها على صندوق خشبي قديم موضوع داخل خزانة زجاجية.
وتحته لوحة صغيرة مكتوب عليها
أول مقتنيات ريم.
طلبت من أمينة المكتبة أن تسمح لها برؤيته.
أخرجت المرأة الصندوق بحذر.
فتحته ليان بفضول.
فوجدت أشياء بسيطة جدًا
ملعقة قديمة.
صورة باهتة لوالدي ريم.
دفتر مدرسي.
ومفتاح صغير صدئ.
سألت ليان لماذا يحتفظون بهذه الأشياء العادية؟
ابتسمت أمينة المكتبة.
لأنها ليست عادية.
كيف؟
أشارت إلى المفتاح.
بهذا المفتاح كانت أم سعيد تدخل بيت ريم لتطبخ لها ولأخيها بعد وفاة أمهما.
اتسعت عينا الطفلة.
ثم جلست تستمع للحكاية كاملة.
من أول الجنازة.
إلى طبق الطعام.
إلى أم سعيد.
إلى سارة.
إلى ياسين.
وإلى آلاف الأشخاص الذين تغيرت حياتهم بسبب سلسلة الخير تلك.
عندما انتهت القصة، بقيت ليان صامتة لفترة طويلة.
ثم سألت
وهل يمكن لشخص صغير مثلي أن يبدأ سلسلة جديدة؟
ضحكت أمينة المكتبة.
بل غالبًا تبدأ السلاسل من أشخاص صغار.
في طريق عودتها إلى المنزل، كانت ليان تفكر في السؤال.
وفي اليوم التالي، لاحظت زميلة لها في المدرسة تجلس وحدها في الفسحة.
كانت الفتاة جديدة، ولا أحد يتحدث معها.
تذكرت ليان قصة ريم.
فجلست بجوارها.
وقالت
مرحبًا، هل تريدين أن نصبح صديقتين؟
ابتسمت الفتاة لأول مرة منذ أيام.
وكان ذلك كل ما حدث.
مجرد كلمة بسيطة.
لا أكثر.
لكن ليان لم تكن تعلم أن تلك الفتاة كانت تمر بظروف صعبة جدًا، وأن تلك الصداقة الصغيرة أنقذتها من شعور مؤلم بالوحدة.
وبعد سنوات طويلة...
عندما كبرت تلك الفتاة، ساعدت شخصًا آخر.
ثم ساعد ذلك الشخص غيره.
وهكذا استمرت السلسلة.
دون أن يعرف أحد عدد حلقاتها.
ودون أن يعرف أحد أين ستنتهي.
وربما...
في مكان ما الآن...
هناك شخص يساعد شخصًا آخر بسبب أثر بدأ قبل سنوات طويلة من طبق طعام وُضع على مائدة طفلين يتيمين.
أما ريم، وأم سعيد، وكل من مر في هذه الحكاية...
فقد رحلوا منذ زمن.
لكن الخير الذي تركوه لم يرحل معهم.
لأنه أصبح جزءًا من حياة أناس لم يقابلوهم قط.
وهذا هو السر الحقيقي للحكاية كلها
قد ينتهي عمر الإنسان... لكن أثر الرحمة لا يعرف النهاية.
النهاية التي لا تنتهي.