انتهت مراسم الچنازة وذهب المعزون بحلول المساء

لمحة نيوز

ريم وهي تنظر إلى صورة أمها المعلقة على الجدار
لا... بل بدأت قبلنا بوقت طويل.
وفي ليلة هادئة، جلست ريم وحدها تتأمل السنوات التي مرت.
تذكرت يوم الجنازة.
تذكرت خوفها وهي في السابعة عشرة من عمرها.
تذكرت الطعام الذي كانت تجده على المائدة دون أن تعرف من أعده.
وتذكرت أم سعيد.
أغمضت عينيها وهمست
لو كنتِ هنا الآن لرأيتِ كم امتد أثر ذلك الطبق البسيط الذي كنتِ تتركينه لنا.
طبق طعام واحد تحول إلى حياة كاملة.
مساعدة صغيرة صنعت طبيبة.
وطبيبة ساعدت فتاة يتيمة.
وفتاة يتيمة ساعدت طفلًا مشردًا.
وربما ذلك الطفل سيساعد غيره يومًا ما.
في تلك اللحظة أدركت ريم أن الإنسان لا يعرف أبدًا إلى أين يصل أثر الخير الذي يفعله.
قد يظنه شيئًا بسيطًا وينساه بعد أيام.
لكن أثره قد يبقى حيًا لعشرات السنين.
وربما لهذا السبب كانت أمها تردد دائمًا
لا تحتقر معروفًا مهما كان صغيرًا، فقد يكون بداية معجزة في حياة شخص آخر.
ابتسمت ريم، ونظرت إلى السماء المليئة بالنجوم.
ولأول مرة منذ وفاة والديها قبل كل تلك السنوات، شعرت أن الرسالة اكتملت.
لكن الخير... لم يكتمل بعد. 
لأن هناك دائمًا شخصًا جديدًا ينتظر يدًا تمتد إليه، تمامًا كما امتدت يد أم سعيد إلى طفلين وحيدين منذ زمن بعيد. مرت الأعوام، وكبرت الأجيال التي جاءت بعد ريم وأحمد وسارة.
وفي أحد الأيام، كانت ريم قد تجاوزت الستين من عمرها، وأصبحت تميل إلى الهدوء أكثر من العمل، فقللت ساعات وجودها في العيادة.
وفي مساء دافئ، جلست في شرفة منزلها تقلب ألبوم الصور القديم.
صورة لأبيها.
صورة لأمها.
صورة لأم سعيد.
صورة لأحمد يوم تخرجه.
وصورة لسارة وهي تقف على منصة التكريم.
ابتسمت وهي تنظر إليها جميعًا.
لكن انتباهها توقف عند ظرف صغير لم تره من قبل.
كان عالقًا بين صفحات الألبوم.
فتحت الظرف ببطء.
وفي داخله وجدت ورقة كتبتها أم سعيد قبل وفاتها بسنوات.
بدأت تقرأ
إلى ريم...
إذا وصلتك هذه الرسالة يومًا، فأريدك أن تعرفي سرًا لم أخبرك به أبدًا.
في ذلك اليوم الذي طبخت لكم فيه أول وجبة بعد وفاة أمك، لم أكن أنوي الاستمرار.
كنت أعتقد أنني سأساعدكما يومًا أو يومين فقط.
لكن في الليلة الأولى، عدت إلى بيتي وبكيت كثيرًا.
لأنني رأيت فيكما ابني الصغير الذي فقدته قبل سنوات.
كنت أساعدكما ظنًا مني أنني أنقذكما.
لكن الحقيقة أنكما أنقذتماني أنا أيضًا من وحدتي وحزني.
توقفت ريم عن القراءة.
وامتلأت عيناها بالدموع.
وأكملت
لهذا لا تقولي يومًا إنك مدينة لي.
نحن البشر ننقذ بعضنا أكثر مما نتصور.
أغلقت الرسالة ووضعتها على قلبها.
وفي تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم تفهمه طوال حياتها.
كانت تظن أن أم سعيد هي البطلة التي غيرت مصيرهم.
لكن أم سعيد نفسها كانت بحاجة إليهم.
وكما ساعدتهم، كانوا قد أعطوا لحياتها معنى جديدًا.
وفي الأسبوع التالي، دعت ريم أبناءها وأحفادها وأبناء أحمد وسارة إلى اجتماع عائلي.
اجتمع الجميع في الحديقة.
وكان بينهم أطفال لم يعرفوا شيئًا عن بداية القصة.
وقفت ريم وقالت
أريد أن أحكي لكم حكاية قديمة.
ثم بدأت من أول يوم.
من يوم الجنازة.
ومن طبق الطعام الغامض.
ومن أم سعيد.
ومن كل ما حدث بعد ذلك.
استمع الجميع في صمت.
وبعضهم بكى.
وبعد أن انتهت، سألت حفيدتها الصغيرة
جدتي... ما أهم شيء تعلمته من كل هذا؟
ابتسمت ريم ونظرت إلى الوجوه المحيطة بها.
ثم قالت
أن الإنسان قد يغيّر حياة شخص بكلمة أو وجبة أو موقف بسيط... دون أن يدرك أن أثره سيبقى لعشرات السنين.
سكتت قليلًا ثم أضافت
وأن الخير الحقيقي لا يموت بموت أصحابه.
في تلك الليلة، وبعد أن عاد الجميع إلى منازلهم، بقيت ريم وحدها تنظر إلى السماء.
كانت النجوم تتلألأ كما كانت يوم كانت فتاة صغيرة خائفة تبكي على وسادتها.
لكنها لم تعد خائفة.
فقد أدركت أن قصة حياتها لم تكن قصة يتمٍ وفقدان...
بل كانت قصة رحمة انتقلت من قلب إلى قلب، حتى أصبحت شجرة ضخمة بدأت ببذرة صغيرة جدًا.
بذرة اسمها الخير. 
النهاية وبعد سنوات قليلة من ذلك اللقاء العائلي، رحلت ريم بهدوء في نومها، كما كانت تتمنى دائمًا.
اجتمع أبناؤها وأحفادها وأحمد وسارة وكل من عرفها في جنازة كبيرة.
وكان الجميع يتحدث عن الطبيبة التي ساعدت الفقراء، وعن المرأة التي لم ترد محتاجًا يومًا.
لكن أكثر من بكى يومها لم يكن من أقاربها.
كانت امرأة في الأربعين من عمرها تقف بعيدًا وهي تحمل باقة زهور بيضاء.
لم يكن أحد يعرفها.
وبعد انتهاء مراسم الدفن، اقتربت من أحمد.
قالت بصوت مرتجف
هل أنت أخو الدكتورة ريم؟
أجاب نعم.
ناولته ظرفًا صغيرًا.
أرجوك اقرأ هذا عندما تعود إلى البيت.
ثم غادرت قبل أن تسأله أي شيء.
في المساء، فتح أحمد الظرف.
كانت بداخله رسالة.
اسمي نادية.
قبل عشرين عامًا كنت فتاة فقيرة أعمل بعد المدرسة لأساعد أمي المريضة.
في أحد الأيام أغمي عليّ في الشارع.
والشخص الذي أخذني إلى المستشفى وعالج أمي مجانًا كان الدكتورة ريم.
لم تخبر أحدًا بما فعلته.
ولم تطلب شيئًا بالمقابل.
بسبب مساعدتها أكملت تعليمي.
وأصبحت معلمة.
واليوم هناك مئات الأطفال الذين تعلموا على يدي بسبب فرصة واحدة منحتها لي أختك.
أردت فقط أن تعرفوا أن أثرها ما زال حيًا.
أغلق أحمد الرسالة ودموعه تنهمر.
ولم تكن تلك الرسالة الوحيدة.
خلال الأسابيع التالية وصلت عشرات الرسائل.
من مرضى.
ومن طلاب.
ومن أسر كاملة.
كل رسالة تحكي عن موقف صغير قامت به ريم وغير حياة شخص ما.
عندها أدرك أحمد شيئًا عجيبًا.
حتى ريم نفسها لم تكن تعرف حجم الخير الذي زرعته.
وفي الذكرى الأولى لرحيلها، قررت العائلة إنشاء منحة تعليمية باسمها لمساعدة الطلاب الأيتام.
تولت سارة الإشراف عليها.
وفي أول يوم لتقديم المنح، حضر عشرات الأطفال.
وبينهم كان هناك طفل صغير وقف يسأل
من هي ريم التي سميت المنحة باسمها؟
ابتسمت سارة.
وجلست بجواره.
ثم قالت
كانت فتاة صغيرة فقدت أمها وأباها يومًا ما.
وماذا حدث لها بعد ذلك؟
نظرت سارة نحو صورة ريم المعلقة على الحائط.
ثم أجابت
شخص طيب ساعدها عندما كانت بحاجة للمساعدة.
فكبرت وهي تساعد الآخرين.
وهؤلاء ساعدوا غيرهم.
وهكذا استمرت الحكاية.
رفع الطفل رأسه وسأل ببراءة
وهل انتهت القصة؟
ابتسمت سارة وهي تنظر إلى الأطفال الموجودين في القاعة.
وقالت
لا يا بني...
طالما يوجد إنسان يفعل خيرًا مع إنسان آخر، فالقصة لا تنتهي أبدًا. 
وهكذا، بعد أن بدأت الحكاية بفتاة خائفة تقف أمام مسؤولية أكبر من عمرها، تحولت إلى إرث من الرحمة امتد عبر أجيال كاملة.
ولم يعد أحد يتذكر طبق الطعام الأول فقط...
بل تذكروا السلسلة الطويلة من القلوب التي أنقذت بعضها بعضًا.
تمت الحكاية... لكن الخير ما زال يكتب فصوله الجديدة كل يوم. وبعد مرور أعوام على إنشاء منحة ريم التعليمية، أصبحت مؤسسة كبيرة تساعد مئات الأطفال كل سنة.
وفي أحد الأيام، كانت سارة، وقد شاب شعرها، تجلس في مكتبها تراجع طلبات المنحة الجديدة.
لفت انتباهها ملف لطفل اسمه ياسين.
كان متفوقًا جدًا، لكنه يعيش في ظروف قاسية بعد وفاة والديه.
شعرت بشيء غريب وهي تقرأ قصته.
فطلبت مقابلته.
دخل الصبي المكتب بخطوات مترددة.
كان يحمل حقيبة قديمة، ويحاول إخفاء توتره.
ابتسمت له سارة وسألته
ما حلمك يا ياسين؟
أجاب دون تردد
أريد أن أصبح طبيبًا.
ابتسمت.
ولماذا طبيب بالتحديد؟
سكت قليلًا ثم قال
لأن طبيبة ساعدت أمي قبل أن تموت.
رفعت سارة رأسها فجأة.
وما اسمها؟
أخرج الطفل صورة قديمة مطوية بعناية من جيبه.
نظرت سارة إليها...
وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
كانت صورة ريم.
قال ياسين
أمي كانت تحتفظ بهذه الصورة دائمًا.
كانت تقول إن هذه السيدة
تم نسخ الرابط