انتهت مراسم الچنازة وذهب المعزون بحلول المساء
المحتويات
المنزل وهي تحمل الصورة، وعندما رآها أحمد اتسعت عيناه هو الآخر.
هل كان لأبي أخ؟
لا أعلم.
بدأ الشقيقان يبحثان بين الأوراق القديمة ويسألان الأقارب الكبار في السن.
وبعد أيام طويلة عرفا الحقيقة.
كان لوالدهما أخ أكبر يُدعى يوسف، لكنه سافر منذ أكثر من ثلاثين عاماً بعد خلاف عائلي كبير، وانقطعت أخباره تماماً.
قال أحد الأقارب
آخر ما سمعناه عنه أنه استقر في مدينة بعيدة وافتتح مشروعاً ناجحاً هناك.
شعرت ريم بشيء يدفعها للبحث عنه.
وبعد أسابيع من المحاولات، عثرت أخيراً على عنوانه.
سافرت هي وأحمد لمقابلته.
وعندما فتح الرجل المسن الباب ونظر إليهما، ظل صامتاً لعدة ثوانٍ.
ثم قال بصوت مرتجف
أنتما... تشبهان أخي كثيراً.
لم تتمالك ريم نفسها.
هل أنت عمي يوسف؟
اغرورقت عينا الرجل بالدموع.
نعم... وأنا أبحث عنكما منذ سنوات.
جلسوا ساعات طويلة يتحدثون.
حكى لهم كيف ندم طوال عمره على خصامه مع أخيه، وكيف حاول بعد وفاة والدهما العودة، لكنه لم يعرف أين أصبح أبناء أخيه.
وفي نهاية اللقاء، أخرج صندوقاً صغيراً احتفظ به لعقود.
وقال
هذا كان أمانة عندي من والدكما.
فتحت ريم الصندوق.
لم يكن بداخله مال ولا مجوهرات.
بل عشرات الرسائل والصور العائلية القديمة.
صور لأيام الطفولة، ورسائل كتبها والدها لأخيه عندما كانا صغيرين.
ابتسمت ريم وهي تمسح دموعها.
وأدركت أن أغلى ميراث يمكن أن يتركه الإنسان ليس المال...
بل الذكريات والمحبة التي تبقى بعد رحيله.
أما العم يوسف، فلم يغادر حياتهما بعدها أبداً.
وأصبح أحمد يناديه
جدي يوسف.
فيضحك الرجل ويجيبه
وأنا فخور بذلك يا بني.
وهكذا، بعد سنوات من اليتم والوحدة، اكتشفت ريم وأحمد أن العائلة التي ظنا أنهما فقداها كانت ما تزال موجودة... تنتظر فقط أن تجد طريق العودة.
تمت فعلاً هذه المرة. لكن الحياة لا تعرف النهايات الكاملة...
في أحد الأيام، وبينما كان العم يوسف يقلب ألبوم الصور القديم مع ريم وأحمد، سقطت ورقة مطوية من بين صفحاته.
التقطها أحمد وفتحها.
كانت خريطة مرسومة باليد، ومعها جملة قصيرة
إلى يوسف... إذا عدت يوماً، فاذهب إلى شجرة التوت خلف بيت جدنا.
نظر الثلاثة إلى بعضهم بدهشة.
قال العم يوسف
هذا خط أخي... خط والدكما.
سألت ريم
وما قصة شجرة التوت؟
ظل يوسف صامتاً للحظات ثم ابتسم.
عندما كنا صغاراً، كنا ندفن أشياءنا الثمينة هناك ونعتبرها كنوزاً.
ضحك أحمد
لا تقل إننا سنذهب للبحث عن كنز الآن!
لكن الفضول كان أقوى منهم جميعاً.
وفي صباح اليوم التالي سافروا إلى القرية القديمة التي نشأ فيها والدهم.
كان البيت مهجوراً منذ سنوات طويلة، لكن شجرة التوت ما زالت واقفة رغم الزمن.
بدأ أحمد يحفر عند العلامة المرسومة على الخريطة.
مرّت دقائق...
ثم اصطدمت المجرفة بصندوق معدني صغير.
تسارعت دقات قلوبهم.
فتحوا الصندوق بحذر.
في داخله كانت هناك ألعاب طفولة قديمة، ودفاتر مدرسية، وصور باهتة، ورسالة مغلفة بعناية.
فتحت ريم الرسالة وبدأت تقرأ بصوت مرتجف
إذا وجد أحد هذا الصندوق بعد سنوات طويلة، فأرجو أن يتذكر أن السعادة لم تكن يوماً في المال. أجمل أيام حياتي كانت مع أخي يوسف تحت هذه الشجرة.
انهمرت دموع العم يوسف.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة بكى دون أن يخفي دموعه.
قال بصوت مكسور
قضيت نصف عمري أندم على خلاف لم يعد أحد يتذكر سببه.
وضعت ريم يدها على كتفه.
المهم أنك عدت.
جلسوا تحت الشجرة حتى غروب الشمس، يتبادلون القصص والذكريات.
وفي طريق العودة، شعر الجميع بشيء من السلام.
سلام لم تمنحه لهم الأموال، ولا النجاح، ولا السنوات.
بل منحته لهم المصالحة.
وبعد عامين، رحل العم يوسف بهدوء أثناء نومه.
لكن هذه المرة لم يكن هناك شعور بالندم أو الفراق القاسي.
فقد أمضى آخر سنوات حياته محاطاً بالعائلة التي ظن أنه خسرها إلى الأبد.
وعندما وقف أحمد وريم أمام قبره، وضعا صورة قديمة له مع والدهما تحت شجرة توت صغيرة زرعاها بجوار المقبرة.
وقالت ريم
الآن اجتمع الشقيقان من جديد.
ابتسم أحمد وهو ينظر إلى السماء.
وشعرا معاً أن بعض الروابط الحقيقية لا يقطعها الزمن، ولا الموت، ولا المسافات... بل تبقى ممتدة ما دام هناك من يتذكرها.
النهاية الأخيرة. مرت سنوات أخرى...
تزوج أحمد، وأصبحت ريم من أشهر الأطباء في مدينتها. ومع انشغالات الحياة، بقيت عادة واحدة لا يتخلون عنها زيارة شجرة التوت كل عام في ذكرى رحيل والديهما.
وفي إحدى تلك الزيارات، كانت ريم ترتب بعض الأزهار حول الشجرة عندما لاحظت شيئاً غريباً.
كانت هناك فتاة صغيرة لا تتجاوز الثانية عشرة تجلس بالقرب من القبرين.
بدا عليها الفقر الشديد، وكانت تحمل حقيبة مدرسية قديمة ممزقة.
اقتربت منها ريم بلطف.
مرحباً يا صغيرتي، هل تبحثين عن أحد؟
هزت الفتاة رأسها.
لا.
إذن لماذا تأتين إلى هنا؟
أجابت بخجل
لأن المكان هادئ... وأستطيع المذاكرة فيه.
تبادلت ريم وأحمد النظرات.
شعرا وكأنهما يريان نفسيهما قبل سنوات طويلة.
سألتها ريم
وما اسمك؟
سارة.
وأين والدك ووالدتك؟
انخفض رأس الطفلة.
توفيا منذ عامين.
ساد الصمت.
شعرت ريم بقشعريرة تسري في جسدها.
كان المشهد يشبه قصتهما بشكل مؤلم.
وبعد حديث طويل، عرفا أن سارة تعيش مع جدتها المريضة، وأنها متفوقة في دراستها لكنها تفكر في ترك المدرسة لتعمل وتساعد جدتها.
في تلك الليلة لم تستطع ريم النوم.
كانت تتذكر نفسها وهي تبكي على وسادتها بعد وفاة أمها.
وفي الصباح قالت لأحمد
أتذكر وعد أمي لأم سعيد؟
نعم.
أعتقد أن دورنا قد حان لنكون نحن أم سعيد لشخص آخر.
ابتسم أحمد فوراً.
كنت أفكر في الأمر نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، تكفلت ريم وأحمد بمصاريف دراسة سارة دون أن يشعرها أحد بأنها تتلقى صدقة.
كانا يقدمان لها الدعم والاهتمام، ويشجعانها على تحقيق أحلامها.
ومرت السنوات...
كبرت سارة، وتخرجت بتفوق.
وفي يوم تخرجها وقفت على المنصة وألقت كلمة قصيرة أمام الحضور.
ثم قالت
هناك شخصان علّماني أن الخير لا ينتهي بموت أصحابه.
ونظرت نحو ريم وأحمد الجالسين في الصف الأول.
عندما كنت وحيدة، منحاني فرصة جديدة للحياة كما منح شخص ما لهما فرصة من قبل.
امتلأت عينا ريم بالدموع.
فهمت في تلك اللحظة معنى كل ما حدث منذ سنوات طويلة.
أم سعيد ساعدتهما لأن والدتهما طلبت منها ذلك.
وهما ساعدا سارة.
وربما تساعد سارة شخصاً آخر يوماً ما.
وهكذا تستمر الرحمة من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل.
فبعض الأعمال الطيبة لا تنتهي عند صاحبها، بل تتحول إلى سلسلة من النور تمتد لسنوات طويلة بعد رحيله.
وهذه ليست نهاية قصة ريم وأحمد... بل بداية قصة جديدة لشخص آخر. وبعد تخرج سارة بسنوات، أصبحت مهندسة ناجحة، وكان أول راتب كبير حصلت عليه سببًا في اتخاذ قرار غيّر حياة شخص آخر.
في أحد أيام الشتاء، وبينما كانت عائدة من عملها، رأت طفلًا صغيرًا يبيع المناديل عند إشارة المرور.
كان المطر يتساقط بغزارة، والطفل يرتجف من البرد.
توقفت سارة وسألته
لماذا لا تذهب إلى بيتك؟
أجاب بصوت خافت
ليس عندي بيت.
شعرت سارة بوخزة في قلبها.
تذكرت نفسها وهي طفلة، وتذكرت ريم وأحمد.
اشترت منه كل ما كان يحمله من مناديل، ثم جلست تتحدث معه.
اسمه كان عمر، وعمره عشر سنوات.
كان ينام أحيانًا في محل مهجور، وأحيانًا عند أحد معارف والده المتوفى.
لم تستطع أن تنساه.
وفي الأيام التالية بدأت تساعده، ثم تواصلت مع جهات مختصة لرعاية الأطفال، وتابعت حالته بنفسها حتى عاد إلى الدراسة.
وعندما علمت ريم بالأمر، ابتسمت وقالت
يبدو أن السلسلة ما زالت مستمرة.
ضحكت سارة
أنتم من بدأها.
أجابت
متابعة القراءة