جوزي الراجل الراقي حكايات_ميراا حصري
نفحص الأوراق واحدة واحدة.
كان فيه سجل يحمل تاريخ تسليم العقد، وتوقيع شخص مسؤول عن استلامه، وتقرير فني قديم.
لكن الورقة الأهم كانت في آخر الملف.
إقرار مكتوب يفيد بأن العقد سُلّم إلى جهة حفظ مستقلة قبل التاريخ اللي أعلنت فيه الشركة اختفاءه.
بصيت للورقة وأنا مش قادرة أتكلم.
لو الإقرار ده صحيح، يبقى أبويا ما كانش آخر شخص استلم العقد، زي ما اتقال في التحقيق القديم.
جوليان نادى المسؤول عن الأرشيف، وطلب منه توثيق مكان العثور على المستندات، وبعدها اتصل بالأستاذ محمود.
المحامي طلب منا ما نعلنش أي نتيجة قبل فحص الورق والتأكد من التوقيعات والتواريخ.
وبينما كنا بنجمع الأوراق، لقيت ظرفًا صغيرًا ملزوقًا في الجزء الداخلي من الصندوق.
كان مكتوب عليه اسمي بخط أمي.
فتحته، فلقيت ورقة واحدة بس، عليها جملة قصيرة
لو ظهر اسم فؤاد الرفاعي، اسأليه عن النسخة الثانية من سجل التسليم؛ لأنه الوحيد اللي يعرف ليه اختفت من الملف الرسمي.
بصيت لجوليان.
يعني فؤاد لسه مخبي حاجة؟
رد بحذر
ممكن يكون عنده تفسير، وممكن يكون نسي أو خاف يقول كل اللي يعرفه. لازم نسأله قبل ما نفترض أي حاجة.
لكن قبل ما نغادر المبنى، رن تليفون جوليان.
كان الأستاذ محمود.
جوليان حط المكالمة على مكبر الصوت، فسمعنا المحامي بيقول
وصلني رد أولي من الجهة اللي كانت مسؤولة عن حفظ المقتنيات. فيه سجل بيشير إن العقد اتسلم فعلًا، لكن اسم الشخص اللي وقّع على الاستلام مختلف عن الاسم الموجود في الإقرار اللي لقيتوه.
حسيت بقلبي بيهبط.
سألته بسرعة
يعني المستند مزور؟
رد المحامي
لسه ما نقدرش نقول كده. ممكن يكون فيه خطأ في التسجيل، أو مستند تاني مرتبط بالعملية. هنحتاج فحصًا متخصصًا ومقارنة التوقيعات.
وبعدين أضاف
لكن فيه معلومة أخطر. الشخص اللي استلم العقد حسب السجل الأصلي، كان موظفًا في شركة تابعة لعيلة الويتموري، وفضل شغال معاهم لحد وقت قريب.
جوليان سأل
اسمه إيه؟
المحامي سكت لحظة، وبعدها قال
اسمه سامح الويتموري.
اتجمدت مكاني.
اسم سامح ظهر مرة تانية، لكن المرة دي كان مرتبطًا بسجل استلام العقد نفسه.
جوليان قفل عينيه للحظة، وكأنه بيحاول يستوعب إن ابن عمه ممكن يكون مفتاح القضية كلها.
أما أنا، فضمّيت رسالة أمي لصدري.
لأول مرة من عشر سنين، كان عندي مستند ممكن يساعدني أرجع اسم أبويا لمكانه الصحيح.
لكن الحقيقة لسه ما اكتملتش.
لأننا كنا محتاجين نعرف إذا كان سامح استلم العقد فعلًا، وليه ظهر في السجلات باسم مختلف، ومين الشخص اللي سمح بإخفاء المستندات.
والصدمة الحقيقية كانت مستنيانا لما اتصل فؤاد الرفاعي بالمحامي في نفس الليلة، وقال له أنا مستعد أعترف بكل حاجة لكن لازم كلارا تعرف إن سامح ما كانش الشخص الوحيد اللي استلم العقد.
الجزء السادس اعتراف إيلين اللي محدش كان مستنيه التكملة
إيلين فضلت باصة للأرض، وبعد لحظات رفعت عينيها ناحيتي وقالت
كلارا، أنا عارفة إن اعتذاري مش هيصلح اللي حصل، لكن فيه سبب تاني خلاني أوافق على مراجعة الملفات القديمة، وكنت خايفة أقوله.
سألتها بحذر
إيه هو؟
فتحت شنطتها، وطلعت ملفًا أزرق قديمًا، وحطته على الترابيزة.
قبل حوالي شهر، سامح طلب مني أساعده في مراجعة بعض مستندات الشركة. قال لي إنه بيجهز تقريرًا عن المقتنيات القديمة، وإن فيه اختلافات محتاجة تتراجع قبل اجتماع مجلس الإدارة.
جوليان سألها
وليه وافقتِ؟
ردت
لأني كنت مسؤولة عن جزء من الأرشيف، ولأن سامح قال إن أبوه كان عارف بوجود المشكلة من زمان. لكن لما بدأت أراجع الأوراق، اكتشفت إن فيه صفحات ناقصة من الملف الأصلي، وإن بعض التواريخ اتعدلت بعد وفاة بابا.
قلبي دق بسرعة.
وإيه علاقة ده بيا؟
إيلين سحبت ورقة من الملف ومدتهالي.
كانت نسخة من سجل قديم، مكتوب فيه اسم أبويا، دانيال بيلامي، جنب ملاحظة بتقول إن القطعة محل التحقيق اتسلمت إلى مسؤول المخازن قبل تاريخ الإبلاغ عن اختفائها.
بصيت للتاريخ، وبعدها رجعت بصيت للورقة مرة تانية.
لو السجل ده صحيح، فمعناه إن فيه تناقضًا جوهريًا في الرواية اللي اتوجه بيها الاتهام لأبويا.
قلت بصوت مرتعش
إنتِ جبتي الورقة دي منين؟
ردت إيلين
كانت موجودة في ملف جانبي، مش في الملف الرئيسي للقضية. ولما سألت سامح عنها، قال لي إنها نسخة قديمة وغير معتمدة، وطلب مني ما أستخدمهاش في التقرير.
جوليان قرب منها وقال
طيب، ليه ما سلمتيهاش للمحامي من أول ما لقيتيها؟
إيلين سكتت، وبعدها قالت
لأن فيه حاجة تانية. توقيعي موجود على طلب نقل الملف من الأرشيف، وأنا خفت إن الناس تفتكر إني شاركت في إخفاء الأدلة.
نظرت لها طويلًا.
كنت أقدر أفهم خوفها، لكني ما كنتش مستعدة أعتبره عذرًا كافيًا.
قلت لها
الخوف ممكن يفسر السكوت، لكنه ما يمسحش نتيجته. أبويا اتظلم سنين، وأنا اتهموني قدام الناس، وكل ده لأن أشخاصًا كتير اختاروا يسكتوا بدل ما يواجهوا الحقيقة.
إيلين نزلت رأسها وقالت
عندك حق.
وبعدين أضافت
عشان كده أنا جاية النهارده ومستعدة أقول كل اللي أعرفه للمحامي، حتى لو ده هيضر بموقفي داخل الشركة.
لأول مرة، حسيت إنها ممكن تكون صادقة فعلًا، لكني فضلت مصممة إن كل حاجة لازم تتراجع بالأدلة.
اتصلنا بالأستاذ محمود، وطلب من إيلين تسليمه المستندات الأصلية أو تحديد مكانها، مع توثيق مصدر كل ورقة. وبعد ما راجع النسخة اللي معانا، قال إن محتواها مهم، لكنه مش هيقدر يجزم بصحتها قبل فحص السجل الأصلي والتوقيعات.
وبعدها سأل إيلين سؤالًا مباشرًا
مين كان عنده صلاحية الوصول للملف الجانبي؟
إيلين ردت من غير تردد
أنا، وسامح، ومدير الأرشيف السابق.
المحامي كتب الأسماء، وبعدها قال
يبقى لازم نسمع من مدير الأرشيف كمان.
لكن إيلين بدت كأنها افتكرت حاجة مهمة.
فيه شخص رابع كان ممكن يوصل للملفات.
سألها جوليان
مين؟
بصت له، وبعدها قالت
نادية أمي كان معاها مفتاح مكتب الأرشيف القديم، لأنها كانت بتراجع بنفسها مقتنيات جدي قبل ما تتنقل لمخزن الشركة.
الصمت ملأ الغرفة.
جوليان رجع خطوة لورا، وكأنه مش قادر يصدق إن أمه ممكن تكون أقرب للقضية مما كان يتخيل.
أما أنا، فافتكرت كلام سيرافينا عن إن نادية كانت عارفة بعلاقة أمي بالقضية، وإنها اتوترت أول ما عرفت هويتي الحقيقية.
قلت بهدوء
أنا مش هتهمها لمجرد إن معاها مفتاح. لكن لازم نعرف إذا كانت استخدمته، وإمتى.
الأستاذ محمود وافقني الرأي.
واتفقنا إن التحقيق يفضل رسميًا، وإن محدش يواجه نادية باتهامات جديدة قبل مراجعة الأدلة.
بعد يومين، حصل تطور قلب القضية كلها.
مدير الأرشيف السابق وافق يقابل المحامي، وقدم سجلًا قديمًا كان محتفظًا بنسخة منه ضمن أوراق عمله.
السجل وضح إن الملف الأصلي اتنقل من مكانه مرتين في الفترة اللي سبقت اختفاء العقد، وإن آخر عملية نقل تمت بتصريح صادر من مكتب الإدارة العليا.
لكن التوقيع الموجود على التصريح ما كانش توقيع ريتشارد الويتموري، زي ما كان متوقع.
كان توقيع نادية.
لما الأستاذ محمود بلغنا بالنتيجة الأولية، جوليان فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
لازم أواجه أمي.
قلت له
بعد ما المحامي يحدد الخطوة القانونية المناسبة. أنا عارفة إن الموضوع صعب عليك، لكن لازم نحافظ على الأدلة وما نخليش المواجهة تضيع حقنا في معرفة الحقيقة.
هز رأسه، رغم إن الحزن كان واضحًا على وشه.
وفي المساء، اتصلت سيرافينا وطلبت تقابلني على انفراد.
لما وصلت، لقيتها واقفة عند الشباك، وفي إيديها صورة أمي القديمة.
قالت من غير مقدمات
كلارا، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تواجهي نادية.
سألتها
إيه هي؟
التفتت ناحيتي وقالت
والدتك ما كانتش مجرد شخص اكتشف اختلافات في السجلات. هي كانت آخر شخص قابل ريتشارد قبل ما يتقدم البلاغ الرسمي باختفاء العقد.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
يعني أمي كانت تعرف مين أخد العقد؟
سيرافينا هزت رأسها ببطء.
مش متأكدة. لكنها كانت تعرف إن فيه شخصًا داخل الشركة عنده معلومات مهمة، وإن الشخص ده حاول يوصل لها قبل البلاغ.
سألتها
مين الشخص؟
مدت لي ورقة صغيرة، مكتوب عليها اسم بخط قديم.
قرأت الاسم، وحسيت إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي اتغير.
الاسم ما كانش اسم سامح، ولا إيلين، ولا نادية.
كان اسم شخص اتذكر في أوراق القضية باعتباره شاهدًا محايدًا، وما حدش شك فيه طوال السنين الماضية.
فؤاد الرفاعي نفسه.
رفعت عيني لسيرافينا وقلت
لكنه اعترف إنه وقّع على تقرير غير دقيق، وقال إنه كان خايف من مسؤول كبير. ليه ما قالش إن أمي قابلته؟
سيرافينا ردت
لأنه يمكن ما قالش كل الحقيقة.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
كانت رسالة من الأستاذ محمود
تم التواصل مع فؤاد الرفاعي لمناقشة التناقضات الجديدة في أقواله. أبلغنا أنه مستعد لتقديم إفادة إضافية، لكنه طلب الحضور بصحبة محاميه.
بصيت للرسالة، وبعدها لصورة أمي.
يمكن فؤاد كان شاهدًا خائفًا، ويمكن كان عارف أكتر مما اعترف بيه.
لكننا ما كناش هنقدر نعرف غير لما نسمع أقواله الجديدة ونراجعها مع المستندات.
وقبل ما أمشي، قالت سيرافينا جملة أخيرة
افتكري يا كلارا، الحقيقة مش دايمًا بتظهر في صورة شخص واحد شرير وشخص واحد بريء. ساعات بتكون فيه أخطاء وخوف ومصالح متشابكة، لكن ده ما يمنعش إن كل واحد لازم يتحمل مسؤولية قراراته.
خرجت وأنا عارفة إننا قربنا من نهاية اللغز، لكن الطريق لسه طويل.
لأن فؤاد الرفاعي، الرجل اللي احتفظ بالأسرار عشر سنين، كان على وشك الإدلاء بإفادة ممكن تبرئ أبويا أو تكشف إن شخصًا آخر دفع ثمن جريمة لم يرتكبها.