سيبت ابني الصغير حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

وحده مش كفاية.
لكن المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها جات في المساء.
يوسف طلب مني أتمشى معاه شوية، ولما خرجنا، وقف قدام بيت والتر القديم.
البيت كان اتغير، والجنينة بقت مرتبة أكتر، وفيه لوحة صغيرة عند المدخل.
سألته إنت جايبني هنا ليه؟
ابتسم وقال
عشان عندي حاجة عايز أوريهالك.
طلع تليفونه واتصل بحد، وبعد دقائق، خرجت سيدة من البيت المجاور وسلمت علينا.
كانت سوزان، بنت والتر.
ابتسمت وقالت
راشيل، سعيدة إني شوفتك تاني.
سألتها عن والدها، فحكتلي إنه توفي بهدوء بعد فترة من تدهور صحته، وإنه قضى سنواته الأخيرة وسط أسرته.
حزنت لما سمعت الخبر، لكن سوزان أكملت
قبل وفاته، بابا كان دايمًا بيحكي عن يوسف. كان بيقول إن اليوم اللي ابنك ساعده فيه خلاه يفتكر قد إيه وجود شخص واحد مستعد يطلب المساعدة ممكن يغيّر مسار يوم كامل.
وبعدها سلمت يوسف صندوقًا صغيرًا.
قالت
بابا طلب مني أديهولك لما تكبر وتكون بدأت طريقك بنفسك.
يوسف فتح الصندوق، فلقى الساعة القديمة اللي والتر أهداها له من سنين.
لكن المرة دي، كان جواها كمان خطاب.
فتح يوسف الخطاب وبدأ يقرأ بصوت مرتعش
إلى يوسف،
يمكنك ألا تتذكر كل تفاصيل ذلك الصباح، لكنني لن أنسى أبدًا أنك لم تمر بجانبي وتكمل طريقك.
لم تكن مطالبًا بأن تعرف كل الإجابات، ولم تكن مسؤولًا عن إنقاذ العالم. كل ما فعلته أنك لاحظت أن شخصًا يحتاج إلى المساعدة، وطلبت الدعم المناسب.
أتمنى أن تظل هذه الذكرى تذكيرًا لك بأن قيمتك لا تعتمد على عدد الأشخاص الذين تستطيع إنقاذهم، ولا على قدرتك على تحمل كل شيء وحدك.
تعلم، واهتم بنفسك، واسمح للآخرين بمساعدتك كما ساعدتني.
مع خالص الامتنان،
والتر.
يوسف سكت بعد ما خلص القراءة.
وبعدين ضم الخطاب إلى صدره، ومسح دموعه.
أنا كمان عيني دمعت.
لكن وسط حزني على والتر، كنت سعيدة إن الرسالة وصلت لابني في الوقت المناسب.
لأن يوسف كان أحيانًا بيرجع لنفس الفكرة القديمة إنه لازم يعمل حاجة عظيمة عشان يحس إنه شخص يستحق التقدير.
والخطاب كان بيفكره بعكس ده تمامًا.
إن قيمته مش مرتبطة بإنجازاته وحدها.
وإنه مش مطالب يعيش حياته كلها محاولًا تعويض شيء فقده.
في الليلة دي، رجعنا البيت، وطلبت من يوسف يحكيلي عن خططه للمستقبل.
قال إنه عايز يكمل تدريبه، ويشتغل في مجال يساعد فيه الناس، لكنه كمان عايز يعيش حياة طبيعية، ويكون عنده وقت لأصحابه وعيلته ولنفسه.
ابتسمت وقلتله
دي أحسن خطة سمعتها منك.
ضحك وقال
عارفة يا ماما، زمان كنت فاكر إن كل حاجة لازم يكون ليها نهاية مثالية. دلوقتي فهمت إننا ممكن نعمل اللي علينا، وبعدها نتقبل إن مش كل النتائج في إيدينا.
بصيتله وقلت
وده درس صعب، بس مهم.
في اللحظة دي، آدم دخل علينا وهو ماسك كراسة الرسم.
قال بحماس
يوسف، بص! أنا رسمت عيلتنا.
أخد يوسف الكراسة، وفتح الصفحة.
كانت الرسمة بسيطة أم، وأخوان، وبيت صغير، وشمس كبيرة فوقهم.
لكن تحت الرسمة، آدم كان كاتب بخط طفولي
إحنا بنحب بعض، حتى لما بنكون بعيد.
يوسف بصلي، وأنا بصيتله، ومحدش فينا قدر يتكلم للحظات.
بعدها يوسف حضن أخوه وقال
دي أحلى رسمة شفتها في حياتي.
مرت أيام الإجازة، ورجع يوسف لجامعته.
لكن قبل ما يمشي، وقفنا إحنا التلاتة في الصالة، قدام صورة دانيال.
يوسف قال بهدوء
أنا مش عارف بابا كان هيختارلي إيه لو كان موجود، لكن بقيت عارف إن مش لازم أعيش حياتي كلها وأنا بحاول أتخيل هو كان عايزني أكون مين.
بصلي وكمل
أنا هحاول أختار الطريق اللي يناسبني، وأتعلم من أخطائي، وأفضل فاكر الحاجات الحلوة اللي عشناها معاه.
حسيت بدموعي بتنزل، لكني ابتسمت.
لأنني أخيرًا شفت ابني بيبص للمستقبل من غير ما يكون أسيرًا للماضي.
وبعد ما سافر، رجعت وقفت قدام صورة دانيال.
قلت في سري
ولادك بيكبروا يا دانيال. مش من غير وجع، ومش من غير ما يفتقدوك، لكنهم بيتعلموا يعيشوا، ويحبوا، ويحلموا من جديد.
وبعدين دخلت أطمن على آدم، وقفلت باب أوضته بهدوء.
وفي اللحظة دي، افتكرت المكالمة اللي قلبت حياتي من سنين، لما سمعت صوت ظابط الشرطة بيقول
يا مدام، لازم تيجي البيت فورًا.
وقتها كنت مرعوبة، وكنت متخيلة إن ابني عمل مصيبة.
لكن اللي اكتشفته يومها كان أكبر من مجرد موقف حصل في الشارع.
اكتشفت إن ابني كان محتاج حد يسمعه، وإنني كنت محتاجة أتعلم أفرق بين الخوف عليه والثقة فيه.
واتعلمت إن الإنسان ممكن يمر بتجربة مؤلمة، لكنها مش لازم تحدد بقية حياته.
وأهم درس خرجت بيه من حكايتنا هو إننا مش بنقدر ننقذ كل اللي بنحبهم من الألم، لكن نقدر نكون جنبهم وهم بيتعلموا يتعاملوا معاه. ومش لازم نكون أبطال خارقين عشان نعمل فرق؛ ساعات كل اللي محتاجينه هو إننا نلاحظ، ونسمع، ونطلب المساعدة وقت ما نحتاجها.
بعد ست شهور من سفر يوسف، جالي اتصال في نص الليل، اتصال خلاني أقعد على طرف السرير وقلبي بيدق بسرعة.
كان يوسف.
رديت عليه وأنا بحاول أبان هادية يوسف؟ حبيبي، إنت كويس؟ حصل حاجة؟
سكت ثواني، وبعدين قال بصوت مختلف عن المعتاد
ماما، أنا محتاج أرجع البيت يومين.
حسيت بقلق شديد، خصوصًا إنه عمره ما طلب يرجع فجأة بالشكل ده.
سألته إنت تعبان؟ حصلت مشكلة في الجامعة؟
رد بسرعة أنا كويس، متقلقيش. بس فيه حاجة حصلت النهارده، ومش عارف أتعامل معاها لوحدي.
قلبي اتقبض.
من سنين، كنت بخاف من أي مكالمة تخص يوسف، لأني كنت متخيلة إن كل موقف صعب ممكن يسيب أثر جواه للأبد.
لكن المرة دي، حاولت أفتكر الكلام اللي اتعلمناه سوا.
ما قاطعتوش، وما بدأتش أقدم نصايح قبل ما أفهم.
قلتله بهدوء طيب يا حبيبي، احكيلي براحتك. وأنا معاكي قصدي معاك، مهما كان الموضوع.
ضحك ضحكة صغيرة رغم توتره.
حتى وإنتِ قلقة، لسه بتتلخبطي في الكلام لما بتخافي عليا.
قلتله ما هو أنا أمك، مش هبقى روبوت يعني!
ضحك، وبعدها بدأ يحكي.
كان يوسف بيشارك في تدريب عملي داخل مركز متخصص، وهناك حصل موقف صعب مع شاب في عمره تقريبًا. الشاب تعرض لأزمة صحية مفاجئة، ويوسف كان من أوائل الموجودين في المكان.
طلب المساعدة فورًا، واتبع التعليمات اللي اتدرب عليها، وفضل مع الفريق لحد ما وصل المختصون.
الشاب اتنقل للمستشفى، لكن حالته كانت حرجة.
يوسف قال بصوت مكسور
أنا عملت كل اللي اتعلمته يا ماما، ومع ذلك مش قادر أبطل أفكر في اللي حصل. كل شوية أسأل نفسي هل كان ممكن أعمل حاجة أكتر؟
غمضت عيني لحظة.
كنت عارفة الإحساس ده كويس.
الإحساس إنك تراجع كل ثانية، وكل قرار، وكل كلمة، وكأنك لو فكرت كفاية هتقدر ترجع الزمن وتغير النتيجة.
قلتله يا يوسف، إنت مش مطالب تحكم على نفسك من غير ما تعرف كل الحقائق. إنت طلبت المساعدة واتصرفت حسب تدريبك، والباقي كان مسؤولية الفريق الطبي.
رد عليّ بس أنا خايف أكون قصرت.
قلتله الخوف ده مش دليل إنك قصرت. ساعات بنخاف لأن الموقف أثر فينا، مش لأننا عملنا حاجة غلط.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال أنا عايز أرجع عشان أتكلم مع حد يفهمني، مش عشان أهرب من التدريب.
ابتسمت وأنا بكلم نفسي قبل ما أرد عليه.
وده فرق كبير يا يوسف. إنك تعرف إمتى تحتاج ترتاح، وإمتى تحتاج مساعدة، دي مش علامة ضعف.
رجع يوسف البيت في اليوم التالي.
أول ما دخل، آدم جري عليه، وفضل يحكيله عن المدرسة وعن مشروع رسم جديد كان بيشتغل عليه.
يوسف سمعه باهتمام، لكني لاحظت إنه مرهق، وإنه بيحاول يخبي توتره عشان ما يقلقناش.
بعد الغدا، قعدنا في البلكونة، وسألته
كلمت المشرف المسؤول عن التدريب؟
هز راسه وقال أيوه. قال لي إننا هنعمل مراجعة للموقف، وهنشوف الإجراءات اللي اتبعتت. واقترح عليا كمان أتكلم مع أخصائي الدعم النفسي الموجود في المركز.
قلتله وهتروح؟
بصلي باستغراب، كأنه كان متوقع إني أقول له إنه يقدر يتجاوز الموضوع لوحده.
وبعدين قال أيوه. حاسس إني محتاج ده.
قلتله يبقى روح. مش لازم تستنى لحد ما تتعب أكتر عشان تسمح لنفسك تطلب المساعدة.
ابتسم، وقال عارفة يا ماما؟ أنا زمان كنت فاكر إن الشجاعة معناها إني ما أخافش.
سألته ودلوقتي؟
رد دلوقتي شايف إنها إني أعترف إني خايف، وأتصرف صح رغم خوفي.
الكلام ده فضل يتردد في دماغي طول الليل.
لأني اكتشفت إن ابني ما كانش بس بيتعلم ينقذ الناس، لكنه كمان بيتعلم يحافظ على نفسه.
بعد يومين، يوسف كان مستعد يرجع جامعته.
وقبل ما يخرج، وقف عند صورة والده، وعدّل إطارها اللي كان مائل شوية.
وبعدين التفت ليا وقال
ماما، أنا هكمل تدريبي. مش لأن لازم أثبت إني أقدر أتحمل أي حاجة، لكن لأن ده المجال اللي بحبه فعلًا.
قلتله وأنا فخورة بيك، سواء كملت في المجال ده أو اخترت طريق تاني.
ابتسم وقال كنت محتاج أسمع الجملة دي.
وبعدها حضني حضنًا سريعًا، وشال شنطته.
لكن قبل ما ينزل، رجع خطوتين وقال
على فكرة، أنا حجزتلك إنتِ وآدم تذاكر لحفل التخرج المبدئي بتاع البرنامج، لما أخلص المرحلة دي. عايزكم تكونوا موجودين.
ضحكت وقلتله يعني أنا لازم أستنى كل المدة دي عشان ألبس أحسن فستان عندي؟
قال وهو بيضحك بالضبط! وممنوع تيجي قبل ما أقولك.
خرج يوسف، وفضلت واقفة عند الباب لحد ما اختفى من قدامي.
المرة دي، ما كنتش بفكر في كل حاجة ممكن تحصل له وهو بعيد.
كنت عارفة إن الحياة مش هتخلو من المواقف الصعبة، وإن الحب مش ضمان إننا مش هنتوجع.
لكني بقيت مؤمنة إن ابني عنده الأدوات اللي تساعده يواجه الحياة، وإنه عارف إن فيه بيت يقدر يرجعله لما يحتاج.
وبعد أسابيع، وصلتني منه رسالة قصيرة
ماما، النهارده اتعلمت حاجة جديدة في التدريب. مش كل موقف بنقدر نتحكم في نتيجته، لكن نقدر نتعلم منه، ونطلب المساعدة، ونكمل من غير ما نحول كل حاجة حصلت لاتهام لنفسنا.
قريت الرسالة مرتين، وبعدها حطيت الموبايل على صدري.
ما كنتش عايزة ابني يعيش عمره كله خايف من الفشل، ولا يحاول يصلح كل ألم شافه في حياته.
كنت عايزاه يعيش.
يجرّب، ويتعلم، ويغلط، وينجح، ويعرف إن قيمته ثابتة حتى في الأيام اللي مش بيقدر فيها يعمل كل اللي كان نفسه يعمله.
لكن بعد أسبوع واحد، وصلتني رسالة تانية من يوسف، وكانت مختلفة تمامًا.
كتب لي
ماما، فاكرة والتر والساعة اللي سابهالي؟ اكتشفت حاجة النهارده، ولازم أحكيلك عنها لما أرجع.
فضلت باصة للرسالة وأنا بحاول أفهم قصده.
إيه اللي ممكن يكون اكتشفه بخصوص الساعة؟
وليه اختار يستنى لحد ما يرجع البيت عشان يحكيلي؟
ما كنتش أعرف إن الهدية القديمة اللي احتفظ بيها يوسف كل السنين دي، هتفتح قدامنا بابًا لحكاية جديدة تمامًا

تم نسخ الرابط