سيبت ابني الصغير حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

شكره بصوت واطي.
وقبل ما الظابط يمشي، اداني رقم البلاغ، وشرحلي إن المستشفى هتقدر تطمني على حالة والتر من خلال الإجراءات المعتادة.
بعدها خرج، وسابني أنا ويوسف وآدم اللي كان لسه نايم على الكنبة.
قربت من آدم، عدلت البطانية عليه، وبصيت لابني الكبير.
فجأة، لاحظت حاجة مكنتش واخدة بالي منها قبل كده.
يوسف كان بيبص لأخوه الصغير بنفس النظرة اللي كان أبوه بيبصله بيها.
نظرة مليانة حنان ومسؤولية.
لكن في اللحظة دي، فهمت إن الحنان مش معناه إن طفل يشيل مسؤولية أكبر من سنه، حتى لو كان بيعمل ده بحب.
قلتله
يوسف، أنا مقدرة كل اللي بتعمله عشان أخوك، بس من النهارده لازم نلاقي طريقة تخليك تعيش سنك كمان. مش عايزاك تحس إنك لازم تقوم بدور أبوك.
بصلي وقال
أنا مش بحاول آخد مكان بابا يا ماما.
رديت بسرعة
عارفة يا حبيبي، وأنا مش قصدي كده. بس عايزاك تعرف إنك مش مسؤول عن إنقاذ كل الناس، ومش مطلوب منك تصلح اللي حصل زمان. إنت عملت اللي تقدر عليه النهارده، وده كفاية.
هز راسه، وبعدها حضنني مرة تانية.
في الليلة دي، بدل ما أرجع أراجع حسابات البيت ومصاريف الشهر زي كل يوم، طلبت أكل جاهز، وقعدنا إحنا التلاتة على السفرة.
آدم كان بيحكي بطريقته الطفولية عن الكلب روفَس، ويوسف كان بيضحك على تعليقاته.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن البيت رجع فيه صوت وضحك.
تاني يوم، اتصلت بالمستشفى عشان أطمئن على والتر.
عرفت إنه استقر تحت رعاية الأطباء، وإن أسرته وصلت له.
بعدها بيومين، زوجته السابقة وابنته جم يزورونا، ومعاهم كارت شكر صغير ليوسف.
ابنتُه كانت بتعيط وهي بتقول
لو يوسف مكنش وقف يساعده، مكنش عارفين كان ممكن يحصل إيه. إحنا ممتنين له جدًا.
يوسف اتكسف، وقال إنه عمل اللي أي شخص المفروض يعمله.
لكن بالنسبة ليا، كان الموقف أكبر من مجرد إنقاذ جار مسن.
كان بداية فهم جديد لابني.
ومن اليوم ده، بدأت أخصص وقت كل أسبوع أقعد فيه معاه، من غير تليفون ولا شغل ولا كلام عن المصاريف.
كنت بسأله عن يومه، وعن أصحابه، وعن الحاجات اللي بتفرحه والحاجات اللي بتوجعه.
وفي البداية، كان بيرد بكلمتين أو تلاتة.
لكن مع الوقت، بدأ يحكي أكتر.
حكى لي عن خوفه يوم وفاة أبوه، وعن شعوره بالعجز، وعن الليالي اللي كان بيصحى فيها من النوم وهو فاكر تفاصيل اليوم ده.
سمعته من غير ما أقاطعه، ومن غير ما أحاول أقنعه إن المفروض يكون نسي.
لأن بعض الأحزان مش بتختفي لمجرد إن الوقت عدى، لكنها بتبقى أخف لما نلاقي حد يسمعنا.
وبعد أسابيع، قرر يوسف يكمل تدريب الإسعافات الأولية، وقال إنه عايز يتعلم مهارات تساعده يتصرف بشكل صحيح في الطوارئ.
شجعته، لكن اتفقنا إن دراسته وراحته وحياته الشخصية يفضلوا أولوية، وإن رعاية آدم مسؤولية عائلية نتقاسمها، مش واجب يقع كله على كتفه.
أما أنا، فتعلمت درسًا عمري ما هنساه.
كنت طول الوقت خايفة من حاجة ابني ممكن يعملها وتغير حياتنا للأسوأ.
لكن اللي غيّر حياتنا فعلًا، كان اكتشافي للحاجة اللي كان بيحاول يعملها عشان يخلي العالم مكانًا أفضل.
وفي مساء هادي، بعد ما آدم نام، لقيت يوسف واقف قدام صورة أبوه.
قربت منه وسألته
بتفكر في بابا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
أيوه يا ماما. بس المرة دي مش زعلان.
سألته أمال بتفكر في إيه؟
بص للصورة وقال
بفكر إنه لو كان هنا، كان هيفرح إني ساعدت الراجل ده.
وقتها، دموعي نزلت من غير ما أحس.
لأنني أدركت أن يوسف لم يكن يحاول أن ينسى أباه، بل كان يبحث عن طريقة يعيش بها مع فقدانه.
وضعت يدي على كتفه وقلت
أنا متأكدة إنه كان هيفخر بيك يا حبيبي.
وبعدها دخلنا نطمن على آدم، وقفلت باب الأوضة بهدوء.
لأول مرة من سنتين، حسيت إن ذكرى دانيال مبقتش مجرد لحظة مؤلمة بنحاول نهرب منها.
بقت كمان سبب يخلينا نتمسك بالحياة، ونساعد بعض، ونفتكر إن الحب مش معناه إننا نقدر نمنع كل حاجة وحشة تحصل.
أحيانًا، كل اللي نقدر نعمله هو إننا نكون موجودين جنب بعض وقت الألم، ونساعد لما نقدر، ونسمح لنفسنا نطلب المساعدة لما نحتاجها.
وده كان بالضبط اللي يوسف بدأ يتعلمه.
وأنا كمان، كنت لسه بتعلمه معاه.
بعد مرور شهر على اللي حصل، كنت فاكرة إن الحكاية انتهت، وإن حياتنا هترجع لطبيعتها بالتدريج.
لكن في صباح يوم السبت، حصلت حاجة مكنتش متوقعاها أبدًا.
كنت بجهز الفطار، ويوسف كان بيساعد آدم يلبس هدومه، وفجأة جرس الباب رن.
فتحت الباب، لقيت راجل كبير في السن واقف قدامي، مستند على عصاية، وجنبه ست في الخمسينات من عمرها.
الراجل ابتسم وقال
صباح الخير، حضرتك راشيل؟
رديت باستغراب أيوه، اتفضلوا.
قال أنا والتر هينسون، والراجل اللي ابنك أنقذ حياته.
اتصدمت للحظة، وبعدها ابتسمت بفرحة.
يا خبر! ألف حمد لله على سلامتك. اتفضل، ادخل.
دخل والتر ببطء، وقعد على الكنبة، بينما الست اللي معاه عرّفتني بنفسها وقالت إنها بنته، سوزان.
ناديت على يوسف.
أول ما شاف والتر، وقف مكانه من المفاجأة.
أستاذ والتر! حضرتك بقيت كويس؟
ابتسم والتر وقال
بقيت أحسن بكتير يا ابني، وده بفضل ربنا، وبفضل إنك مكسلتش تطلب المساعدة لما شفتني محتاجها.
يوسف احمر وشه وقال بتواضع
أنا معملتش حاجة كبيرة يا فندم، أنا بس اتصلت بالطوارئ واتبعت التعليمات اللي قالوهالي.
هز والتر راسه وقال
وده بالضبط اللي خلاني أجيلك النهارده.
وبعدها طلب من بنته تفتح شنطتها، وطلعت منها علبة خشبية صغيرة.
حطتها قدام يوسف.
ابني بص للعلبة باستغراب وسأل
إيه دي؟
التر رد
افتحها يا يوسف.
فتحها بحذر، فلقى جواها ساعة قديمة، شكلها كلاسيكي، ومعاها ورقة صغيرة مكتوبة بخط اليد.
التر قال
الساعة دي كانت بتاعة أخويا. كان مسعفًا متطوعًا لسنين طويلة، وكان دايمًا يقول إن الشجاعة الحقيقية مش إنك متخافش، لكن إنك تتصرف صح رغم خوفك.
سكت لحظة، وبعدها كمل
أنا مش بديك الساعة عشان أحسسك إنك مدين ليا بحاجة، ولا عشان أحمّلك مسؤولية أكبر من سنك. أنا بديها لك كذكرى للي عملته، وتذكرة إن طلب المساعدة في الوقت المناسب ممكن يفرق فعلًا.
يوسف بصلي، وكأنه مستني يعرف إذا كان ينفع يقبل الهدية.
ابتسمت له وقلت
لو حابب تحتفظ بيها كذكرى، اقبلها واشكر عم والتر.
يوسف أخد العلبة وقال
شكرًا جدًا يا فندم. هحافظ عليها.
لكن والتر لسه مخلصش كلامه.
بصلي وقال
يا راشيل، أنا عايز أقولك حاجة مهمة. ابنك عنده قلب طيب، لكن واضح إنه شال هموم كتير من بدري. أتمنى تفضلي تفكريه إنه مش لازم يكون قوي طول الوقت.
الكلام لمس قلبي، خصوصًا إنه كان نفس المعنى اللي بدأت أفهمه بنفسي.
بعد ما مشي والتر وبنته، قعد يوسف على الكنبة، وفضل يبص للساعة في إيده.
سألته عجبتك؟
ابتسم وقال أوي يا ماما.
وبعدها سكت شوية، ثم قال
عارفة يا ماما، أنا كنت فاكر إن لازم أعمل حاجة كبيرة عشان أحس إني قدرت أساعد بعد اللي حصل لبابا.
قعدت جنبه وقلت ولقيت إيه؟
رد بعد تفكير
اكتشفت إن مش لازم أغيّر العالم كله. ساعات إنك تساعد شخص واحد، أو حتى تطلب المساعدة في الوقت المناسب، بيكون كفاية.
ابتسمت وقلتله
ودي حاجة مهمة جدًا إنك تفهمها.
مرت الشهور، ويوسف بدأ يرجع لحياته بالتدريج.
رجع يتواصل مع أصحابه، وبدأ يفكر في مستقبله ودراسته، وبقى يحكيلي عن أحلامه من غير ما يحس إنه لازم يخبي عني أي حاجة.
أما أنا، فبطلت أفسر كل تصرف غريب منه على إنه مشكلة.
بقيت أسأله، وأسمعه، وأديله فرصة يشرح اللي جواه.
وفي يوم، وأنا راجعة من المستشفى، لقيته مستنيني عند الباب.
قال بحماس
ماما، أنا قررت حاجة.
قلبي اتقبض للحظة، وبعدها ضحكت وقلت
خير يا سيدي؟ قررت إيه؟
ابتسم وقال
عايز أدرس حاجة في المجال الطبي بعد ما أخلص المدرسة. مش عارف لسه هختار إيه بالضبط، بس عايز أتعلم أكتر عن الإسعافات ومساعدة الناس.
بصيتله بفخر، لكني حرصت إني أقوله
أنا هدعمك في أي طريق تختاره، يا يوسف. بس اختار الحاجة اللي بتحبها فعلًا، مش عشان تحاول تعوض عن حاجة حصلت زمان.
هز راسه وقال
فاهم يا ماما.
وفي اللحظة دي، آدم جري علينا وهو بيضحك، وماسك رسمة عملها في الحضانة.
كانت الرسمة عبارة عن تلات أشخاص ماسكين إيدين بعض، وتحتهم بيت صغير وشمس كبيرة.
سألته مين دول يا آدم؟
رد بكل براءة
دي ماما، وده يوسف، وده أنا. وإحنا كلنا مع بعض.
بصيت للرسمة، وبعدها بصيت لولادي.
وفهمت إن البيت مش لازم يكون كامل عشان يكون مليان حب، وإننا مش محتاجين نمسح كل الذكريات المؤلمة عشان نبدأ نعيش من جديد.
إحنا بس محتاجين نتعلم إزاي نعيش من غير ما نخلي الحزن ياخد مننا كل حاجة جميلة.
في الليلة دي، حط يوسف الساعة القديمة جنب صورة أبوه، وقبل ما يدخل أوضته، وقف وبصلي وقال
تصبحي على خير يا ماما.
ابتسمت وقلتله وإنت من أهله يا حبيبي.
وبعد ما دخل، فضلت واقفة لحظة قدام صورة دانيال.
قلت في سري
أنا بحاول يا دانيال. بحاول أربي ولادنا من غير ما أخلي خوفي عليهم يحرمهم من الحياة.
وبعدين طفيت النور، ودخلت أطمن على آدم.
لأنني أخيرًا فهمت إن حماية أولادي مش معناها إني أمنع عنهم كل ألم، ولا معناها إني أراقب كل خطوة بيخطوها.
معناها إني أربيهم على الرحمة، وأعلمهم يطلبوا المساعدة لما يحتاجوها، وأخليهم يعرفوا إن مهما الدنيا صعبت، عندهم بيت يقدروا يرجعوا له، وأم هتسمعهم من غير ما تحكم عليهم.
وأكتر حاجة اتعلمتها من يوسف هي إن أحيانًا، الشخص اللي بنفضل خايفين عليه، بيكون هو نفسه اللي بيعلمنا إزاي نكون أقوى.
بعد ست شهور من اليوم اللي يوسف أنقذ فيه والتر، كنت فاكرة إن حياتنا أخيرًا استقرت، وإن ابني بدأ يتجاوز الحزن اللي عاشه من يوم وفاة أبوه.
لكن في يوم، وأنا راجعة من المستشفى، لقيت يوسف قاعد على ترابيزة المطبخ، قدامه جواب رسمي، ووشه مليان قلق.
أول ما شافني، خبّى الجواب تحت كراسة المدرسة.
وقفت وبصيتله.
يوسف، إيه اللي إنت مخبيه؟
رد بسرعة مفيش حاجة يا ماما.
قعدت قدامه وقلت بهدوء إحنا اتفقنا إننا مش هنخبي عن بعض الحاجات المهمة. لو في مشكلة، احكيلي.
سكت شوية، وبعدها طلع الجواب وحطه قدامي.
كان خطاب من المدرسة، بخصوص منحة دراسية لطلاب المرحلة الثانوية المتفوقين، واللي عندهم مشاركات إيجابية في خدمة المجتمع.
قرأت الخطاب مرتين، وبعدها رفعت عيني له.
إنت مقدم على المنحة دي؟
هز راسه.
أيوه يا ماما.
من إمتى؟
من شهرين.
استغربت وقلت وليه مقولتش لي؟
نزل عينيه وقال كنت خايف تفرحي، وفي الآخر مترفضش المنحة وأكون خيبت أملك.
مسكت إيده وقلتله يا يوسف، أنا مش فخورة بيك عشان بتنجح أو بتاخد منح. أنا فخورة بيك عشان إنت ابني، وعشان كل يوم بتتعلم حاجة جديدة وبتحاول تبقى أحسن.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدها قال
المدرسة رشحتني للمنحة بسبب التدريب اللي باخده في الإسعافات الأولية، ومساعدة الأستاذ والتر. بس لسه في مقابلة أخيرة.
سألته وإنت عايز المنحة دي؟
رد من غير تردد أوي يا ماما. هتساعدني أكمل دراستي، وممكن تفتحلي فرص أحسن في المستقبل.
حضنته وقلتله يبقى هنعمل اللي نقدر عليه عشان تستعد للمقابلة. مش عشان لازم تكسب، لكن عشان تدي نفسك فرصة حقيقية.
ومن اليوم ده، بدأنا نستعد مع بعض.
كنت برجع من شغلي تعبانة، لكننا كنا بنخصص نص ساعة كل مساء نتدرب فيها على الأسئلة المحتملة.
كنت بسأله عن سبب اهتمامه بالإسعافات الأولية، وعن الموقف اللي حصل مع والتر، وعن خططه للمستقبل.
وفي كل مرة، كان بيجاوب بشكل مختلف، لحد ما في ليلة قال جملة خلتني أسكت تمامًا.
قال
أنا مش عايز أدرس المجال الطبي عشان أثبت إن كان ممكن أنقذ بابا. أنا عايز أدرسه عشان فهمت إن مساعدة الناس محتاجة علم وتدريب، مش مجرد نية طيبة.
بصيتله بفخر وقلت
الإجابة دي طالعة من قلبك، وده أهم شيء.
بعد أسبوعين، جه يوم المقابلة.
يوسف لبس قميصه الأزرق، وسرّح شعره، وراجع أوراقه أكتر من مرة.
قبل ما يخرج، وقف قدامي وسألني
ماما، لو مخدتش المنحة، هتزعلي؟
ابتسمت وقلتله
هزعل لو شوفتك بتستسلم بسبب الخوف من الفشل. إنما لو حاولت وعملت اللي عليك، مش هيكون عندي أي سبب أزعل منك.
هز راسه، وشال ملفه، وخرج.
فضلت طول اليوم أبص للتليفون، لكني قاومت رغبتي إني أتصل بيه كل شوية.
ولما رجع في المساء، سمعت صوت المفتاح في الباب، فقمت بسرعة.
دخل يوسف، وكان ماسك ظرف أبيض.
بصلي وقال
ماما، عندي خبر.
قلبي بدأ يدق.
خير يا حبيبي؟
ابتسم، ورفع الظرف قدامي.
أنا اتقبلت!
صرخت من الفرحة، وحضنته بقوة.
كان من حقه يفرح بنجاحه، ومن حقه يحس إن مستقبله قدامه مفتوح، وإن اللي حصل في الماضي مش لازم يحدد كل خطوة جاية في حياته.
لكن وسط فرحتي، لاحظت إنه ساكت شوية.
سألته مالك؟ مش فرحان؟
قال فرحان أوي يا ماما. بس كنت أتمنى بابا يكون موجود النهارده.
حسيت بغصة في حلقي.
قعدت جنبه وقلت
وأنا كمان كنت أتمنى يكون موجود. مفيش حاجة هتعوض غيابه، ومش مطلوب منك تنسى إنك مفتقده. بس عايزاك تعرف إن فرحتك بنجاحك مش معناها إنك نسيته، وإن حزنك عليه مش معناه إنك لازم توقف حياتك.
بصلي وابتسم.
فاهم يا ماما.
وفي اللحظة دي، آدم خرج من أوضته وهو بيجري، وسألنا
إنتوا بتعيطوا ليه؟
ضحك يوسف ومسح دموعه وقال
عشان عندي خبر حلو يا بطل.
آدم رفع إيديه بحماس
هنجيب تورتة؟
ضحكنا كلنا.
وبالفعل، في نهاية الأسبوع، احتفلنا في البيت بتورتة صغيرة، ودعينا والتر وبنته سوزان.
والتر كان سعيد جدًا لما عرف إن يوسف حصل على المنحة، وقال له
افتكر يا ابني، المساعدة اللي قدمتها ليا كانت بداية حكاية جميلة، لكن مستقبلك لسه قدامك، وإنت اللي هتختار تكتب بقيتها إزاي.
يوسف شكره، وبعدها بصلي.
في اللحظة دي، حسيت إننا كلنا اتعلمنا حاجة من اللي حصل.
والتر اتعلم إن المساعدة ممكن تيجي من شخص صغير في السن، لكنه شجاع بما يكفي لطلب النجدة.
ويوسف اتعلم إن فقدان أبوه مش معناه إنه لازم يقضي حياته كلها بيحاول يصلح الماضي.
أما أنا، فاتعلمت إن الخوف على أولادي لو زاد عن حده، ممكن يخليني أشوف الخطر في كل مكان، وأنسى أشوف القوة والخير اللي جواهم.
وفي آخر الليل، بعد ما الضيوف مشيوا وآدم نام، لقيت يوسف واقف قدام صورة أبوه.
وقف لحظة، وبعدها قال
أنا عارف إن بابا مش هيرجع، يا ماما. بس بدأت أفهم إن ده مش معناه إن كل حاجة حلوة في حياتنا انتهت يوم ما مشي.
وقفت جنبه، ودموعي نزلت بهدوء.
قلتله
بالضبط يا حبيبي. إحنا هنفضل نفتكره ونحبه، وفي نفس الوقت هنكمل حياتنا.
بصلي، وبعدها رجع لأوضته.
وأنا فضلت قدام الصورة شوية، أفتكر دانيال، وأدعي له بالرحمة.
لأول مرة، مقدرتش أقول إن الألم اختفى، لكنه مبقاش هو الشيء الوحيد اللي بفتكره لما أجيب سيرته.
بقيت أفتكر كمان ولادي، واللحظات الجميلة اللي لسه مستنيانا، والفرص الجديدة اللي بدأت تظهر قدام يوسف.
لأن الحياة بعد الفقد مش معناها إننا بننسى اللي راحوا، لكنها معناها إننا بنتعلم نعيش ونحب ونفرح، من غير ما نحس بالذنب لأننا لسه هنا.
بعد مرور سنة كاملة على اليوم اللي يوسف أنقذ فيه والتر، حصل موقف جديد غيّر نظرتي لابني مرة تانية.
كان يوسف قرب يخلص سنته الدراسية، وبقى مشغول بين دراسته والتدريب اللي بياخده في الإسعافات الأولية. أما آدم، فكبر وبقى بيتكلم أكتر، وكل يوم تقريبًا كان بيجري ورا أخوه ويقلده في كل حاجة.
كنت مبسوطة وأنا بشوفهم بيكبروا قدامي، لكن في نفس الوقت، كنت بحاول أوازن بين شغلي الطويل واحتياجات ولادي.
وفي مساء يوم الثلاثاء، رجعت البيت متأخرة، ولقيت يوسف قاعد في الصالة، وقدامه أوراق كتير.
سألته وأنا بحط شنطتي
إيه كل الورق ده يا يوسف؟
رد وهو بيرتبهم
دي أوراق برنامج تدريب صيفي في مركز طبي. المدرسة رشحتني أقدم فيه.
قعدت جنبه وبدأت أقلب في الأوراق.
كان البرنامج بيوفر تدريبًا أساسيًا على الإسعافات الأولية، ومهارات التعامل مع الحالات الطارئة، تحت إشراف متخصصين.
ابتسمت وقلت
دي فرصة كويسة جدًا يا حبيبي.
لكنه مردش فورًا.
بعد لحظات، قال
في مشكلة يا ماما.
قلقت وسألته إيه هي؟
قال التدريب هيكون في مدينة تانية، وهحتاج أروح هناك مرتين في الأسبوع. وأنا عارف إنك بتشتغلي كتير، ومش عايز أطلب منك مصاريف زيادة.
بصيتله باستغراب.
إنت لسه بتفكر بالطريقة دي؟
نزل عينيه وقال أنا بس مش عايز أتعبك أكتر.
مسكت إيده وقلتله
يا يوسف، إحنا هنحسب المصاريف ونشوف نقدر نعمل إيه. لكن متاخدش قرار إنك تتنازل عن فرصة مهمة لمجرد إنك خايف تتعبني. أنا أمك، ومن حقي أشاركك مسؤولياتك، ومن حقك كمان تحلم بمستقبل أحسن.
ابتسم، وبدأنا نحسب تكاليف المواصلات ونراجع مواعيد التدريب.
وبعد ما انتهينا، اكتشفنا إن الموضوع ممكن يتنظم لو عدلت بعض مواعيد شغلي، وإن المدرسة كمان بتوفر مساعدة جزئية للمواصلات للطلاب المقبولين.
يوسف قدم أوراقه، وبعد أيام اتقبل في البرنامج.
كنت فاكرة إن دي هتكون آخر مفاجأة في السنة دي، لكن بعد أسبوع، تلقيت اتصالًا من رقم غريب.
رديت، فسمعت صوت سيدة بتقول
مساء الخير، هل حضرتك والدة يوسف كارتر؟
قلت أيوه، خير؟
قالت أنا مديرة البرنامج التدريبي، وكنت حابة أكلمك عن ابنك.
قلبي اتقبض للحظة.
حصل إيه؟
ضحكت السيدة وقالت
متقلقيش، ابنك بخير. أنا بتصل عشان أقولك إننا لاحظنا إنه مش بس مهتم بالتدريب، لكنه كمان بيشجع الطلاب اللي معاه يسألوا ويتعلموا من غير ما يخجلوا من قلة خبرتهم.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت
في موقف حصل الأسبوع اللي فات، واحد من الطلاب ارتبك أثناء تدريب عملي، ويوسف ساعده يهدأ، وذكّره إنه لازم يتبع تعليمات المدرب بدل ما يتصرف من نفسه. ده تصرف
تم نسخ الرابط