سيبت ابني الصغير حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

ناضج جدًا.
شكرتها، وقفلت المكالمة وأنا مبتسمة.
لما يوسف رجع من التدريب، حكيتله عن الاتصال.
اتكسف وقال أنا معملتش حاجة تستاهل كل ده.
قلتله يمكن إنت شايفها حاجة بسيطة، لكن أحيانًا أبسط تصرف بيفرق مع الشخص اللي قدامك.
بصلي وقال
عارفة يا ماما، أنا بدأت أفهم حاجة.
سألته إيه هي؟
قال
زمان كنت فاكر إن الشجاعة معناها إن الواحد يقدر يتصرف لوحده في أي موقف. دلوقتي فهمت إن الشجاعة ساعات بتكون إنك تعرف إمتى تطلب المساعدة، وإمتى تسمع كلام شخص عنده خبرة أكتر منك.
ابتسمت وقلت وده درس مهم جدًا.
لكن المفاجأة الأكبر جات في نهاية الصيف.
في يوم، وإحنا بنتغدى، يوسف حط قدامي ورقة وقال
ماما، أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع.
بصيت للورقة، ولقيتها إعلانًا عن يوم مفتوح في المركز الطبي، كان فيه فرصة للطلاب المشاركين في البرنامج يعرضوا اللي اتعلموه، ويحكوا عن أهمية التدريب على الإسعافات الأولية.
قال يوسف
أنا اتطلب مني أتكلم قدام الطلاب وأهاليهم عن تجربتي مع الأستاذ والتر.
ابتسمت بفخر، لكني لاحظت إنه متوتر.
سألته إنت خايف؟
رد بصراحة أيوه. مش عارف هقدر أتكلم قدام كل الناس دي ولا لأ.
قلتله مش لازم تحكي أي حاجة إنت مش مرتاح تحكيها. ولو قررت تشارك تجربتك، احكيها بالطريقة اللي تناسبك. مش مطلوب منك تثبت لأي حد إنك قوي.
هز راسه، وبدأ يكتب كلمته بنفسه.
وفي يوم الفعالية، لبس يوسف قميصه الأزرق اللي بحبه، ووقف قدام مجموعة من الطلاب وأولياء الأمور والمدربين.
كنت قاعدة في الصف الأول، وآدم جنبي، بيحاول يفهم ليه أخوه واقف قدام الميكروفون.
بدأ يوسف كلامه بصوت متردد، لكنه بعد دقائق بقى أكثر ثقة.
قال
من سنة تقريبًا، كنت ماشي مع أخويا الصغير، وشفت جارنا محتاج مساعدة. اتصلت بالطوارئ، واتبعت التعليمات اللي قالوهالي لحد ما وصلت المساعدة.
سكت لحظة، وبعدها كمل
الموقف ده علمني أهمية التدريب، لكنه علمني كمان إن الشخص اللي بيساعد غيره ممكن يكون هو نفسه محتاج حد يسمعه ويفهمه.
حسيت بدموعي بتنزل.
يوسف كان بيتكلم عن تجربته من غير ما يحاول يخفي حزنه، ومن غير ما يسمح للحزن يحدد هويته كلها.
وبعدها قال جملة فضلت عالقة في ذهني
مش كل شخص هادي معناه إنه مش محتاج مساعدة، ومش كل شخص بيبان قوي معناه إنه مش بيتألم. ساعات كل اللي محتاجينه إن حد يسألنا بصدق إنت عامل إيه؟ ويكون مستعد يسمع الإجابة.
بصيت حواليّ، ولاحظت إن ناس كتير كانت بتسمعه باهتمام.
ولما خلص، القاعة امتلأت بالتصفيق.
آدم وقف على الكرسي الصغير اللي جنبه، وصفق بأعلى صوته وهو بيقول
ده أخويا! ده يوسف!
ضحك الحاضرون، ويوسف ابتسم ابتسامة واسعة وهو نازل من على المنصة.
جري عليّ وسألني
إيه رأيك يا ماما؟
حضنته وقلتله
أنا فخورة بيك، مش عشان وقفت قدام الناس بس، لكن عشان قدرت تتكلم عن حاجة وجعتك، وتشارك اللي اتعلمته من غير ما تحمّل نفسك مسؤولية أكبر من طاقتك.
في اللحظة دي، قربت مديرة البرنامج وسلمت يوسف شهادة تقدير لمشاركته الفعالة، وشجعته إنه يكمل تدريبه ويتقدم للفرص التعليمية المناسبة له.
رجعنا البيت في المساء، وآدم كان طول الطريق بيحكي لكل اللي يشوفه إن أخوه طلع على المسرح.
أما يوسف، فكان هادي، لكنه هدوء مختلف عن اللي عرفته بعد وفاة أبوه.
كان هدوء شخص بدأ يلاقي طريقه.
وفي الليل، وأنا بطمن على الولاد قبل النوم، لقيت يوسف بيحط شهادة التقدير على المكتب جنب صورة أبوه.
سألته هتحطها هنا؟
ابتسم وقال
أيوه يا ماما. مش عشان أقول إن كل اللي بعمله بسبب بابا، لكن عشان دي حاجة كنت أتمنى أحكيله عنها.
قربت منه وقلت وأنا متأكدة إنك كنت هتفرحه لو كان موجود.
وبعدها طفيت النور وخرجت بهدوء.
وقفت للحظة قدام باب أوضته، وفكرت في كل اللي مرّ علينا.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في تربية أولادي لوحدي هي إني أوفر لهم الأكل والبيت والتعليم، وأحميهم من المشاكل.
لكن اكتشفت إن في حاجة تانية لا تقل أهمية إني أديهم مساحة يتكلموا، ويغلطوا ويتعلموا، ويحزنوا من غير ما يخجلوا من حزنهم، ويحلموا من غير ما يخافوا إن أحلامهم هتكون عبئًا عليّ.
ومن يومها، بقيت كل ما أشوف يوسف بيخطو خطوة جديدة في حياته، أفتكر إن اليوم اللي اتصلت فيه الشرطة وكنت مرعوبة من اللي ممكن أسمعه، كان بداية فهمي الحقيقي لابني، مش نهاية حكايتنا.
بعد مرور سنتين على اليوم اللي يوسف أنقذ فيه والتر، كنت فاكرة إن حياتنا أخيرًا وصلت لمرحلة من الاستقرار، وإن أصعب أيامنا بقت ورا ضهرنا.
لكن في صباح يوم من أيام الربيع، وصل ليوسف خطاب خلّاه يقعد ساكت قدام ترابيزة المطبخ وقت طويل.
كنت بحضّر الفطار، ولما لاحظت إنه مش بيتكلم، سألته
مالك يا يوسف؟ إيه اللي حصل؟
رفع عينيه ناحيتي، ومد إيده بالخطاب.
ماما، أنا اتقبلت في برنامج المنح الدراسية اللي كنت بحلم بيه.
صرخت من الفرحة وحضنته، لكني لاحظت إنه لسه قلقان.
سألته طيب، إيه اللي مضايقك؟
قال بعد تردد
البرنامج في جامعة بعيدة عن هنا، وممكن أحتاج أسافر وأعيش هناك لما أبدأ دراستي.
سكتُّ للحظة.
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي في يوم من الأيام، لكن معرفتي بالحاجة مش معناها إن قلبي مستعد لها.
يوسف كان ابني الكبير، والولد اللي وقف جنبي بعد وفاة أبوه، وساعدني في تربية أخوه الصغير، وكان دايمًا يحاول يخفف عني التعب.
فكرة إنه يبعد عن البيت خوفتني.
لكن لما بصيت في عينيه، افتكرت وعدي ليه إني مش هخلي خوفي يمنعه من تحقيق أحلامه.
ابتسمت رغم الدموع اللي بدأت تتجمع في عيني.
إنت تعبت عشان توصل للحظة دي يا يوسف، ومش هكون أنا اللي أخليك تتراجع عنها.
بصلي باستغراب.
يعني موافقة يا ماما؟
ضحكت وقلت
أنا موافقة إنك تكمل تعليمك وتحقق حلمك، لكن هنقعد مع بعض ونخطط لكل حاجة. وعايزاك تفتكر إنك مهما كبرت، البيت ده هيفضل بيتك.
يوسف قام من مكانه وحضني بقوة.
وقال بصوت واطي
أنا خايف أسيبك إنت وآدم لوحدكم.
مسكت وشه بين إيديا وقلتله
إنت مش مسؤول عن إنك تعوضني عن غياب باباك، ولا مطلوب منك تضحي بمستقبلك عشاني. أنا هفضل أمك، وهفضل أحبك وأساندك، حتى لو بقيت في آخر الدنيا.
ابتسم، لكني لاحظت إن عينيه دمعت.
وفي اللحظة دي، دخل آدم المطبخ، وكان عنده خمس سنين ونص تقريبًا.
سألنا إنتوا بتعيطوا ليه؟
يوسف مسح دموعه بسرعة وقال
عشان عندي خبر حلو يا بطل. ممكن أسافر عشان أكمل دراستي.
آدم سكت شوية، وبعدها سأل ببراءة
يعني مش هتنام معايا كل يوم؟
يوسف قعد على ركبته قدامه وقال
مش كل يوم، لكن هكلمك كل يوم، وهزورك كل ما أقدر. وإنت كمان هتكبر وتتعلم حاجات جديدة، وهتيجي تحكيلي عنها.
آدم فكر للحظة، وبعدها قال
طيب، هتعلمني أعمل الإسعافات زيك؟
يوسف ضحك وقال
هعلمك حاجات مناسبة لسنك، وهنتعلم مع بعض إزاي نطلب المساعدة من الكبار لما يحصل موقف صعب.
ضحكنا كلنا، لكن الموقف خلاني أدرك إن الوقت بيجري أسرع مما كنت متخيلة.
مرت الشهور بسرعة.
بدأنا نجهز أوراق الجامعة، ونحسب المصاريف، ونرتب مكان إقامة يوسف.
كنت بشتغل وأوفر من مرتبي، وهو كان بيحاول يعتمد على نفسه في كل حاجة يقدر عليها.
وفي وسط انشغالنا، حصل موقف صغير لكنه كان مهم جدًا بالنسبة لي.
في إحدى الليالي، رجعت من الشغل مرهقة، ولقيت يوسف قاعد في الصالة بيذاكر، وآدم نايم جنبه.
وقفت عند الباب وبصيت لهم.
المشهد فكّرني بأيام كتير فاتت، لما كنت برجع من الشغل وألاقي يوسف بيحاول يخلص واجباته، وفي نفس الوقت بيهتم بأخوه.
لكن المرة دي، لما دخلت، يوسف رفع عينيه وقال
ماما، اقعدي شوية. أنا عملتلك شاي.
قعدت جنبه، وأخدت الكوباية، وقلتله
عارف يا يوسف؟ ساعات بخاف من اليوم اللي هتسافر فيه.
بصلي باهتمام.
كملت كلامي
مش عشان مش عايزاك تنجح، لكن عشان اتعودت إنك موجود. كنت دايمًا بحس إننا بنواجه الدنيا سوا.
ابتسم وقال
وهنفضل نواجهها سوا يا ماما، حتى لو مش قاعدين في نفس البيت.
وبعدها أضاف
أنا اتعلمت منك إن العيلة مش بس الناس اللي موجودة جنبك طول الوقت. العيلة كمان هي الناس اللي بتدعمك، وبتفرح لما تنجح، حتى لو نجاحك هياخدك بعيد عنهم.
الكلام ده خلاني أبتسم.
لأني أدركت إن ابني اللي كنت بخاف عليه من كل حاجة، بقى قادر يفهم معنى الحب بطريقة أعمق مما كنت أتوقع.
وجاء يوم السفر.
كنت واقفة عند باب البيت، ويوسف بيحط آخر شنطة في العربية.
آدم كان ماسك إيده ومش عايز يسيبه.
أما أنا، فكنت بحاول أتماسك عشان أقدر أودعه بابتسامة.
يوسف قرب مني وقال
ماما، أوعدك إني ههتم بنفسي.
ابتسمت وقلت
وأنا أوعدك إني ههتم بنفسي وبآدم. إنت ركز في دراستك، ومتخليش أي إحساس بالذنب يخليك تحرم نفسك من فرصة تستحقها.
حضنني طويلًا، وبعدها حضن آدم.
ولما العربية اتحركت، فضلت واقفة أتابعها لحد ما اختفت من آخر الشارع.
رجعت البيت، وكان هادي بشكل غريب.
لكن بدل ما أسيب الحزن يسيطر عليّ، دخلت المطبخ وحضرت الغدا ليا ولآدم، وبعدها قعدت ألعب معاه.
وفي المساء، رن تليفوني.
كان يوسف.
رديت بسرعة، فسمعت صوته بيقول
وصلت يا ماما، وكل حاجة تمام.
ضحكت، وبدأ يحكيلي عن المكان الجديد، وعن غرفته، وعن زملائه، وعن أول محاضرة هيحضرها.
فضلنا نتكلم لحد ما آدم خطف التليفون من إيدي وقال
يوسف، متنساش وعدك!
يوسف ضحك من الناحية التانية وقال
مستحيل أنسى يا بطل.
بعد ما قفلنا، بصيت لصورة دانيال المعلقة في الصالة.
وقلت في سري
كنت أتمنى تكون موجود وتشوفه وهو بيحقق حلمه.
لكن المرة دي، الذكرى ماخلتنيش أنهار من الحزن.
خلتني أبتسم.
لأني فهمت أخيرًا إن الحياة ممكن تكمل، وإن الحب اللي فقدناه مش لازم يتحول لسجن نفضل محبوسين جواه.
ممكن يتحول لسبب يخلينا نكون أحنّ على بعض، وأشجع في مواجهة المستقبل، وأكثر استعدادًا نسيب الناس اللي بنحبهم يكبروا ويحققوا أحلامهم.
وبعد سنوات من الخوف على ابني، اكتشفت إن أعظم حاجة أقدر أقدمها له مش إني أفضل أحميه من العالم طول عمره، لكن إني أربيه بحيث يعرف يتعامل مع العالم، ويطلب المساعدة وقت ما يحتاجها، ويعرف إن فيه بيت هيفضل فاتح له بابه مهما بعدت المسافات.
بعد مرور تلات شهور على سفر يوسف، بدأت أتعود على غيابه شوية بشوية.
كنت بصحى الصبح، أجهز آدم للحضانة، وأروح شغلي، ولما أرجع بالليل أكلم يوسف وأطمن عليه.
كان بيحكيلي عن دراسته، وعن زملائه الجدد، وعن المواقف اللي بيتعلم منها كل يوم.
لكن في ليلة من الليالي، اتصل بيا في وقت متأخر، وصوته كان مختلف.
أول ما رديت، سألته
يوسف، إنت كويس؟ صوتك ماله؟
سكت ثواني، وبعدها قال
أنا كويس يا ماما، بس محتاج أتكلم معاكي في حاجة.
قلبي اتقبض.
في إيه يا حبيبي؟
قال
النهارده كان عندنا تدريب عملي، والمدرب طلب مننا نتعامل مع موقف افتراضي لشخص فقد الوعي. وأنا اتوترت أكتر مما توقعت.
قعدت على طرف السرير وركزت معاه.
كمل كلامه
أنا كنت فاكر إني بقيت مستعد لأي موقف بعد اللي حصل مع الأستاذ والتر، لكن النهارده اكتشفت إن التدريب محتاج ممارسة مستمرة، وإن كل موقف مختلف عن التاني.
ابتسمت رغم قلقي.
وده طبيعي يا يوسف. إنت لسه بتتعلم، ومش مطلوب منك تعرف كل حاجة من أول يوم.
قال بصوت واطي
عارفة يا ماما؟ زمان كنت بخاف أعترف إني مش عارف أعمل حاجة، وكنت فاكر إن ده معناه إني ضعيف.
سألته ودلوقتي؟
رد
دلوقتي بدأت أفهم إن الاعتراف إني محتاج أتعلم أكتر أحسن بكتير من إني أتصرف بثقة وأنا مش متأكد.
قلتله
بالضبط يا حبيبي. أهم حاجة إنك تعرف حدود خبرتك، وتلتزم بتعليمات المتخصصين، ومتخجلش أبدًا من إنك تسأل.
فضلنا نتكلم شوية، ولما قفلنا المكالمة، حسيت براحة.
ابني مكنش بيحاول يثبت إنه بطل، ولا بيخبي خوفه عشان يبان قوي.
كان بيتعلم إزاي يكون إنسان مسؤول، من غير ما يحمل نفسه فوق طاقتها.
بعد أسبوع، حصلت مفاجأة تانية.
كنت في المستشفى بخلص شغلي، وفجأة زميلتي نادت عليّ وقالت
راشيل، في حد مستنيكي عند الاستقبال.
استغربت، لأني مكنتش مستنية أي حد.
خرجت، ولقيت والتر واقف هناك، مستند على عصايته، وبيبتسم.
قلت بفرحة
أستاذ والتر! إيه المفاجأة الجميلة دي؟
قال
كنت قريب من هنا، فقلت أعدي أسلم عليكي وأسأل عن يوسف.
قعدنا في كافيتريا المستشفى، وبدأ يحكيلي إنه بقى أحسن، وإنه رجع يتمشى مسافات قصيرة كل يوم حسب تعليمات طبيبه.
وبعد شوية، طلع من جيبه ظرف صغير.
قال
دي رسالة من يوسف.
بصيتله باستغراب.
من يوسف؟ إزاي؟
ضحك وقال
ابنك بعتلي رسالة من الجامعة، وكان فيها كلام جميل عن أهمية إن الإنسان يفضل يتعلم، حتى بعد ما يعدي بموقف صعب.
فتحت الظرف، ولقيت نسخة من رسالة كتبها يوسف ضمن نشاط طلابي عن تجربته مع الإسعافات الأولية.
كان كاتب
لما شفت جاري محتاج مساعدة، كنت خايف، لكني طلبت المساعدة واتبعت التعليمات اللي اتقالتلي. الموقف ده علمني إننا مش لازم نكون خبراء عشان نبدأ نساعد، لكن لازم نعرف إمتى نطلب المساعدة، ونتعلم إزاي نتصرف بأمان.
وفي آخر الرسالة، كتب
أنا مش قادر أغير اللي حصل لأبويا، لكن أقدر أتعلم من التجربة، وأستخدم اللي اتعلمته عشان أكون شخصًا أفضل.
حطيت الورقة على الترابيزة، ودموعي نزلت.
والتر بصلي وقال
يوسف عنده طريقة جميلة في فهم الحياة. لكن أتمنى تفضلي تفكريه إن من حقه يعيش لنفسه كمان، مش بس يفكر في مساعدة الآخرين.
هزيت راسي وقلت
ده أكتر شيء بحاول أعلمهوله.
وفي نهاية السنة الدراسية، رجع يوسف البيت في إجازة قصيرة.
أول ما فتح الباب، آدم جري عليه ورمى نفسه في حضنه.
يوسف! إنت اتأخرت أوي!
يوسف ضحك وشاله بين إيديه.
وحشتني يا بطل.
أما أنا، فكنت واقفة في المطبخ، بحاول أخلص الأكل قبل ما يبرد.
يوسف دخل عليّ، وحضني، وبعدها بدأ يحكيلي عن نجاحه في الدراسة، وعن خططه للسنة الجديدة.
لكن بعد العشا، طلب مني أقعد معاه لوحدنا.
قال
ماما، في حاجة عايز أقولها لك.
بصيتله وقلت
اتفضل يا حبيبي.
أخد نفسًا عميقًا، وبعدها قال
أنا كنت بفكر كتير في اللي حصل لبابا، وفي الفترة اللي بعدها. واكتشفت إني كنت أوقات بحاول أكون الشخص اللي مبيغلطش، واللي دايمًا عنده إجابة لكل سؤال، عشان مكنتش عايز أحس بالعجز تاني.
مسكت إيده وسكتُّ، أسيبه يكمل.
قال
بس أنا مش هقدر أكون الشخص ده طول الوقت. أنا ممكن أتعب، وممكن أخاف، وممكن أحتاج حد يساعدني.
عينيه بدأت تلمع بالدموع.
وعايزك تعرفي إني لما أسافر وأبعد عنك، مش معنى كده إني بسيبك لوحدك. أنا بس بحاول أبني حياتي.
حضنته وقلتله
أنا عارفة يا يوسف. وأنا كمان بتعلم إزاي أسيبك تكبر من غير ما أحس إني بخسرك.
فضلنا قاعدين نتكلم فترة طويلة.
حكيتله عن خوفي من الوحدة بعد سفره، وعن إحساسي أحيانًا إني لازم أكون قوية طول الوقت عشان أقدر أربيه هو وآدم.
فبصلي وقال
شايفة يا ماما؟ إنتِ كمان محتاجة تسمحي لنفسك تتعبي وتطلبي المساعدة.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
بقيت بتديني دروس يا أستاذ يوسف؟
ضحك وقال
أنا بتعلم منك، وإنتِ بتتعلمي مني. مش ده اللي اتفقنا عليه؟
في اللحظة دي، أدركت إن علاقتنا اتغيرت للأفضل.
مبقتش مبنية بس على إني أحميه وهو يسمع كلامي.
بقينا بنتكلم، ونتعلم من بعض، ونعترف لما نكون خايفين أو مش عارفين نتصرف.
وفي آخر يوم قبل ما يرجع جامعته، وقف يوسف قدام صورة أبوه، وبعدها بصلي وقال
ماما، أنا زمان كنت فاكر إن الشجاعة معناها إني أنقذ الناس. دلوقتي فهمت إنها كمان إني أعيش حياتي، وأقبل إني مش هقدر أتحكم في كل حاجة.
ابتسمت وقلتله
وأنا اتعلمت إن الحب مش معناه إني أمسك فيك لدرجة تمنعك من إنك تكبر.
حضنني، وبعدها راح يودع آدم.
ولما خرج من البيت، حسيت بالحزن طبعًا، لكن المرة دي كان جواه شيء مختلف.
كان فيه أمل.
لأنني أخيرًا فهمت إن ابني مش بيبعد عني لما بيكبر، وإن كل خطوة بياخدها في حياته مش معناها إنه بينسى بيته أو أبوه أو السنين اللي عشناها سوا.
أحيانًا، أنجح حاجة ممكن تعملها كأم هي إنك تربي ابنك على إنه يعرف يرجع لك وقت ما يحتاجك، وفي نفس الوقت، تديه الشجاعة إنه يمشي لقدام من غير خوف.
بعد مرور أربع سنين، كنت واقفة في مطبخ بيتنا بحضّر الفطار، لما سمعت آدم، اللي بقى عنده تسع سنين تقريبًا، بيجري ناحية الباب وهو بيصرخ بفرحة
ماما! ماما! يوسف وصل!
وقبل ما أقدر أرد، كان الباب اتفتح، وظهر ابني الكبير قدامي، شايل شنطته، وعلى وشه ابتسامة وحشتني جدًا.
يوسف رجع البيت بعد ما خلص آخر امتحان في سنته الجامعية، لكن المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.
كان معاه ملف كبير، وملامحه بتقول إنه جاي ومعاه خبر مهم.
حضنته بقوة وقلتله
وحشتني يا حبيبي!
ضحك وقال
وإنتِ كمان يا ماما. بس قبل ما تسأليني عن الدراسة، عايز أقولك حاجة.
قعدنا كلنا على السفرة، وآدم كان مستعجل يعرف المفاجأة.
يوسف فتح الملف وطلع منه ورقة رسمية.
قال
أنا اتقبلت في برنامج تدريب متقدم في مجال الطوارئ، وبعد ما أخلصه، هقدر أقدم على فرص أكتر في المجال اللي بحبه.
فرحت جدًا، لكني لاحظت إنه لسه مخبي حاجة.
سألته وفيه إيه تاني؟
ابتسم وقال
أنا كمان بدأت أشارك في مبادرة بتعلّم الشباب أساسيات الإسعافات الأولية، تحت إشراف متخصصين.
آدم فتح عينيه وقال
يعني هتبقى دكتور؟
يوسف ضحك وقال
لسه يا سيدي، أنا لسه بتعلم. ومش كل اللي بيتعلم الإسعافات الأولية بيبقى دكتور، لكن أي حد ممكن يستفيد من معرفة التصرف الصحيح وقت الطوارئ.
بصيتله بفخر.
كان نفس الولد اللي من سنين وقف مرتبك قدام موقف صعب، واتصل بالطوارئ، وفضل يتبع التعليمات لحد ما المساعدة وصلت.
دلوقتي بقى فاهم إن المساعدة الحقيقية محتاجة علم وتدريب، وإن حسن النية
تم نسخ الرابط