الحصان حكايات_ميراا حصري
رجعت من جولتي على الحصان وقت الغروب، وفجأة شفت دخان طالع من بيت قديم في أرضي مقفول بقاله 10 سنين! ولما دخلت، لقيت بنت حامل لوحدها، أهلها طردوها من البيت بعد ما قالولها إنتِ مش هتربي العيل ده هنا!
ما سألتهاش عن أي حاجة، فتحت لها البيت وقلت لها إنها تقدر تقعد فيه براحتها. لكن لما شفت هدوم البيبي الصغيرة اللي كانت مخبياها، اكتشفت حاجة محدش كان يتوقعها!
الجزء الأول
في الصبح اللي شاف فيه آدم الشناوي الدخان طالع من البيت القديم بتاع الغفير، كان على وشك يتصل بالشرطة.
البيت الحجري ده كان مقفول بقاله أكتر من 10 سنين، في الناحية التانية من الترعة اللي بتعدّي وسط أرضه الواسعة في الجبل. لكن في اليوم ده، كان فيه خيط دخان رمادي طالع من المدخنة، كأن حد ولّع النار في المطبخ قبل الفجر.
وقف آدم حصانه البني، وفضل باصص ناحية البيت باستغراب.
من يوم ما مراته ليلى ماتت من سنتين، حياته بقت ماشية بنظام ثابت مفيهوش أي مفاجآت. يصحى بدري، يلف في أرضه، يخلص شغله، يتعشى لوحده، وبعدها ينام.
ماكانش عايز أي حاجة تغيّر الروتين اللي اتعود عليه.
لكن الدخان اللي طالع من البيت القديم كان مفاجأة ماقدرش يتجاهلها.
ماعدّاش الترعة، لكنه فضّل طول اليوم يفكر في البيت، وفي الشخص اللي ممكن يكون دخل يعيش فيه من غير ما يعرف.
وعلى بُعد كام متر من المكان، كانت مريم حسن، بنت عندها 21 سنة وفي الشهر السابع من الحمل، بتحاول تسخّن شوية ميّه في حلة قديمة.
بقالها 4 ليالي بتنام على بطاطين متطبقة فوق سرير حديد متهالك. ماكانش معاها غير شنطة صغيرة فيها شوية هدوم مستعملة، وكيس حاطة فيه ملابس صغيرة للبيبي كانت خيطاها بإيديها.
مريم اتربت في قرية قريبة من المنصورة. أمها ماتت وهي لسه طفلة، وبعدها أبوها عماد اتجوز واحدة اسمها نوال، ست عمرها ما خلت مريم تحس إنها بنت البيت.
كانت دايمًا بتعاملها كأنها عبء تقيل عليها، وكأن وجودها في البيت غلطة لازم تتصلح.
الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يخفف عنها هو سلمى، بنت نوال.
لما مريم كان عندها 20 سنة، اتعرفت على شاب اسمه كريم، كان بيشتغل في تشجير الأراضي ورعايتها. وعدها إنه هيوفر لها بيت تعيش فيه، وإنهم هيبدأوا حياة جديدة بعيد عن المشاكل.
لكن أول ما قالت له إنها حامل، اتغيّر وشه، وقال لها إنه محتاج يفكر كام ساعة.
خرج من البيت، ومن يومها ما رجعش!
حاولت مريم تتواصل معاه، لكن تليفونه كان مقفول، وكل ما تسأل عنه حد يقول لها إنه مشافوش.
لما نوال عرفت إن مريم حامل وإن كريم اختفى، قررت تستغل الفرصة وتخلص منها نهائيًا.
وفي يوم، وقفت قدامها وقالت ببرود
إنتِ مش هتربي العيل ده هنا!
حاول أبوها عماد يدافع عنها، لكنه اضطر يسافر شوية أيام عشان شغله، وده كان كل اللي نوال مستنياه.
في صباح اليوم اللي بعده، لقت مريم شنطتها محطوطة جنب باب البيت.
نوال وقفت قدامها وقالت
البيت ده مش مكانك خلاص. خدي حاجتك وامشي، وماترجعيش هنا تاني!
مريم حاولت تشرح لها إنها مالهاش مكان تروح له، وإنها في آخر شهور الحمل ومحتاجة حد يساعدها.
لكن نوال ما اهتمتش بكلامها.
طلبت من واحد من الجيران إنه يوصل مريم بعيد عن البلد. وبعد ما مشي بيها مسافة طويلة، نزّلها جنب طريق جانبي، وبعدها اعترف لها إنه وافق على طلب نوال لأنه مديون لها بفلوس.
مريم فضلت واقفة مكانها مش عارفة تعمل إيه.
كانت حاسة إن الدنيا كلها اتقفلت في وشها، وإن مفيش حد ممكن يمد لها إيده.
مشت على رجليها حوالي ساعة، لحد ما شافت البيت الحجري القديم اللي جنب الترعة.
كان مهجور، وبابه محتاج مجهود عشان يتفتح، لكن جواه كان فيه سرير قديم ومدفأة صغيرة.
قالت لنفسها إنها هتبات ليلة واحدة بس، ولما الصبح يطلع هتدور على أي مكان تاني.
لكن ليلة بقت ليلتين، وبعدها تلاتة، لحد ما عدى عليها أربع ليالي كاملة.
وفي الأيام دي، آدم بدأ يلاحظ حاجات غريبة وهو بيلف في أرضه.
في الأول شاف ملاية منشورة بره البيت، وبعدها شاف بلوزة صغيرة متعلقة على حبل، وفي يوم تاني لمح قطع قماش صغيرة جدًا، شكلها زي هدوم بيبي.
في اليوم الخامس، قرر أخيرًا يروح بنفسه ويعرف مين اللي دخل البيت.
نزل من على حصانه، وربط اللجام في شجرة، وبعدها عدى الترعة ووصل لحد الباب.
كانت مريم واقفة جنب البير، بتملأ جردل ميّه، ولما شافته جاي ناحيتها، اتخضت ورجعت لورا بسرعة، وحطت إيديها على بطنها كأنها بتحاول تحمي طفلها.
آدم لاحظ خوفها، فرفع إيديه وقال بهدوء
اهدي، أنا مش جاي أطردك.
بصت له بحذر وسألته
أمال حضرتك عايز إيه؟
رد وهو بيبص ناحية البيت
عايز أعرف مين اللي عايش في بيت مقفول بقاله عشر سنين.
لما فهمته إنه مش صاحب البيت، وإنه دخل المكان لأنه ماكانش عنده أي مكان تاني يروح له، وشها اتغيّر، وبدأت تتكلم بسرعة
أنا آسفة والله، ماكنتش أعرف إن الأرض دي ملك حد. همشي حالًا، ومش هارجع هنا تاني.
بص آدم على بطنها الكبيرة، وبعدها على الشنطة الصغيرة اللي جنب الباب، وعلى الجزمة القديمة اللي كانت لابساها.
سكت ثواني، وبعدين قال
لأ.
الكلمة خرجت منه بسرعة لدرجة إنه هو نفسه استغربها.
مريم رفعت عينيها له، مش فاهمة قصده.
كمل آدم
البيت فاضي، ومحدش بيستخدمه. تقدري تفضلي فيه.
مريم بصت له كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
بس أنا ماعرفش حضرتك، ومش معايا فلوس أدفع إيجار.
أنا ماطلبتش منك فلوس.
طب ليه بتساعدني؟
السؤال وقف آدم مكانه.
هو نفسه ماكانش عنده إجابة واضحة. من سنتين وهو قافل على نفسه، رافض يدخل أي حد حياته، حتى الناس اللي كانوا بيحاولوا يخرجوه من عزلته.
ومع ذلك، لما شاف البنت دي واقفة قدامه وخايفة على طفلها، ماقدرش يسيبها تواجه مصيرها لوحدها.
قال لها باختصار
اعتبري البيت بيتك لحد ما تلاقي مكان مناسب ليكي وللبيبي.
مريم نزلت عينيها، وحاولت تمنع دموعها من النزول.
ربنا يكرمك يا بيه. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.
آدم هز راسه، وركب حصانه ورجع ناحية البيت الكبير بتاعه.
لكنه طول الطريق كان بيسأل نفسه ليه قرر يساعد واحدة غريبة بالشكل ده، بعد ما قضى سنتين كاملتين بيهرب من أي تغيير في حياته؟
ولما وصل البيت، حاول يرجع لروتينه المعتاد، لكن بالليل حصلت حاجة غريبة.
وهو واقف عند شباك أوضته، لمح نور صغير بينور ويطفي من الناحية التانية من التل، عند البيت الحجري القديم.
ولأول مرة من يوم ما فقد مراته ليلى، ماحسش بالخوف من التغيير.
حس بالخوف من إنه بقى مستني يعرف إيه اللي هيحصل تاني يوم.
لكنه ماكانش يعرف إن البنت اللي سمح لها تعيش في البيت القديم هتكون السبب في كشف سر مدفون بقاله سنين طويلة وإن هدوم البيبي الصغيرة اللي كانت مخبياها هتقلب حياته كلها رأسًا على عقب!
الجزء التاني السر اللي كان مستخبي في هدوم البيبي
تاني يوم الصبح، آدم الشناوي صحي بدري على غير عادته، وطلب من الخدامة تجهز فطار زيادة عن المعتاد.
لما سألته عن السبب، رد باختصار
هاتي الفطار للبيت القديم اللي جنب الترعة.
الخدامة استغربت، لأن البيت ده محدش دخله من عشر سنين، لكنها نفذت كلامه من غير أسئلة.
بعد ساعة، كان آدم راكب حصانه ومتجه ناحية البيت الحجري، وفي إيده سلة فيها عيش وجبنة ولبن وفاكهة.
لما وصل، لقى مريم قاعدة قدام الباب، وبتخيط قطعة قماش صغيرة بإبرة وخيط. أول ما شافته، قامت بسرعة.
صباح الخير يا بيه.
حط السلة على الترابيزة الخشبية وقال
صباح النور. جبتلك شوية أكل، ولازم تهتمي بصحتك عشان الولادة قربت.
مريم بصت للسلة، وبعدها بصت له بتردد.
أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي، بس والله أول ما أقدر أقف على رجلي هعوضك عن كل حاجة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
محدش طلب منك تعوضيني عن حاجة. كلي واهتمي بنفسك وبالطفل.
كان لسه هيمشي، لكنه لمح كيس قماش صغير مفتوح جنبها، وجواه هدوم بيبي متعلقة ببعضها بعناية شديدة.
قرب خطوة، ولاحظ إن كل قطعة متخيطة بإيدها، لكن الغريب إن فيه علامة صغيرة مطرزة بخيط أزرق على كل قطعة.
كانت العلامة عبارة عن شجرة صغيرة، وتحتها حرفان ع ش.
آدم اتجمد مكانه.
العلامة دي شافها قبل كده، من سنين طويلة، على ملابس طفل كانت أمه محتفظة بيها في صندوق خشبي مقفول.
بص لمريم وسألها
إنتِ اللي خيطتي الهدوم دي؟
هزت راسها.
أيوه. كنت بجهزهم للبيبي من قبل ما يحصل اللي حصل معايا.
أشار للعلامة المطرزة وقال
والرمز ده؟ إنتِ عارفة معناه إيه؟
مريم بصت للهدوم باستغراب.
لأ، أنا لقيت القماش ده وسط حاجات قديمة كانت عند أمي الله يرحمها، وقلت أستفيد منه بدل ما أشتري قماش جديد. العلامة كانت موجودة أصلًا، وأنا خيطت حواليها بس.
آدم حس إن قلبه بيدق بسرعة.
أمك كانت عايشة فين؟
كانت عايشة في قرية قريبة من هنا، بس ماتت وأنا صغيرة. ماعرفش عنها غير حاجات بسيطة.
آدم ما سألهاش أسئلة تانية، لكنه رجع البيت الكبير بسرعة، وفضل طول الطريق بيفكر في الرمز اللي شافه.
أول ما وصل، دخل أوضة مكتبه، وفتح درج قديم كان محتفظ فيه بمفتاح الصندوق الخشبي بتاع أمه.
الصندوق كان في مخزن بعيد، محدش بيفتحه من سنين.
نزل بنفسه، وفضل يدور لحد ما لقاه تحت مجموعة من الصناديق المغطاة بالتراب.
فتح القفل، ورفع الغطا ببطء.
جواه كانت فيه صور قديمة، وخطابات، وقطعة ملابس صغيرة جدًا، مطرز عليها نفس الرمز شجرة وحرفين ع ش.
وتحتها ورقة مكتوبة بخط إيد أمه.
قرأ أول سطر، فحس إن الأرض بتتحرك من تحته
لو جه اليوم اللي تشوف فيه العلامة دي من جديد، اعرف إن الطفل اللي اختفى زمان ممكن يكون لسه عايش
آدم قعد على الكرسي، وفضل يقرأ الورقة مرة ورا مرة.
أمه كانت كاتبة إن من أكتر من عشرين سنة، حصلت مشكلة كبيرة في العيلة، وإن طفل رضيع اختفى في ظروف غامضة، وبعدها كل الناس اتقال لهم إنه مات.
لكن أمه ما كانتش مقتنعة بالكلام ده.
وفي آخر الورقة، كان فيه اسم واحد مكتوب بخط واضح
عماد حسن.
آدم عرف الاسم فورًا.
ده اسم أبو مريم!
في نفس الوقت، كانت مريم جوه البيت القديم، بتحاول ترتب حاجتها، لما سمعت صوت عربية وقفت قدام الباب.
نزل منها راجل في الخمسينات، لابس قميص غامق، وبيتحرك بعصبية.
مريم أول ما شافته، وشها اصفر.
عمي فاروق؟!
فاروق كان أخو مرات أبوها، والراجل اللي نوال بعتته قبل كده عشان يتأكد إن مريم مش هترجع البيت.
بص حواليه، وبعدها قال بصوت واطي لكنه حاد
إنتِ لسه هنا؟ مش اتقال لك تمشي من المنطقة دي كلها؟
مريم رجعت لورا وحطت إيدها على بطنها.
أنا ماعملتش حاجة. صاحب الأرض هو اللي سمح لي أقعد.
فاروق ضحك بسخرية.
صاحب الأرض؟ إنتِ فاكرة إنك لما تقعدي هنا هتقدري تهربي من اللي وراكي؟
مريم عقدت حواجبها.
أنا مش فاهمة قصدك إيه.
قرب منها وقال
اسمعي الكلام كويس. لازم تمشي من هنا قبل ما آدم يعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، جه صوت آدم من وراه
حقيقة إيه يا فاروق؟
فاروق اتلفت بسرعة، ولما شاف آدم واقف عند الباب وفي إيده الورقة القديمة، اتغير لون وشه.
آدم قرب منه وقال
إنت تعرف عماد حسن؟
فاروق حاول يبان هادي.
أعرفه معرفة قديمة. ليه بتسأل؟
رفع آدم الورقة قدامه.
لأن اسم عماد مكتوب في ورقة بتتكلم عن طفل اختفى من