اجتماع حكايات_ميراا حصري

لمحة نيوز

تقريه بنفسك.
أخدت الورقة وبدأت أقرأ.
كان البند بيقول إن الطرف اللي يتولى تجديد البيت يتحمل مسؤولية توثيق المصاريف، وإن أي خلاف على المبالغ المدفوعة لازم يتحل بالحسابات والإيصالات، بعيدًا عن أي ضغط عائلي.
لكن تحت البند، كان فيه توقيع قديم، وبجواره ملاحظة مكتوبة بخط اليد.
المحامي قال
الملاحظة دي بتشير إلى صندوق مستندات إضافي، كان المفروض يحتوي على الفواتير الأصلية لبعض أعمال الترميم.
سألته
والصندوق ده فين؟
عم أحمد رد
كان في مخزن قديم تابع للعيلة، لكن المخزن اتقفل من سنين، ومحدش رجع له.
أحمد رفع راسه فجأة وقال
استنوا... أنا فاكر المكان ده!
بصينا له كلنا.
قال
قبل ما نبدأ تجديد البيت، أبويا اداني مفتاح مخزن قديم، وقال لي إن فيه حاجات تخص العيلة. أنا نقلت بعض الأثاث من البيت للمخزن، لكن ما فتحتوش من وقتها.
المحامي طلب منه المفتاح، واتفقنا نروح كلنا للمخزن في اليوم التالي، بحضور الأطراف المعنية، علشان نفحص محتوياته من غير ما حد ياخد أي مستند أو يغيّر فيه حاجة.
تاني يوم، وصلنا للمخزن.
أحمد فتح الباب، ولقينا الأثاث القديم مغطى بالملايات، وكراتين متكومة في آخر المكان.
بدأنا ندور وسط الأوراق، لحد ما عم أحمد لمح صندوقًا خشبيًا صغيرًا تحت ترابيزة قديمة.
فتحه، ولقينا جواه فواتير أصلية، وصورًا للبيت قبل التجديد، وخطابات متبادلة بين جد أحمد والحاجة فاطمة.
المحامي بدأ يرتب الأوراق، وفجأة طلع فاتورة قديمة عليها ختم شركة الترميم.
بص لي وقال
الفاتورة دي ممكن تساعدنا نحدد قيمة الأعمال اللي اتعملت قبل ما إنتِ تبدأي تجديداتك.
وبين الأوراق، لقينا خطابًا من والد أحمد، مكتوبًا قبل وفاته بشهور.
قرأ عم أحمد جزءًا منه بصوت مسموع
أتمنى إن أولادي ما يختلفوش يومًا على البيت، وإن كل واحد فيهم يعرف إن الحفاظ على العيلة أهم من أي ممتلكات. ولو حصل خلاف، أتمنى إنهم يرجعوا للمستندات، ويسمعوا لبعض قبل ما يتخذوا أي قرار.
أحمد نزل عينيه، وبان عليه التأثر.
لكن المحامي كان لسه بيقلب في الصندوق، لحد ما لقى ظرفًا أصغر، مكتوبًا عليه بخط واضح
مستندات تجديد البيت تُراجع عند وجود خلاف على المصاريف.
فتح الظرف، وطلع منه كشف تفصيلي بالمبالغ اللي اتدفعت على مدار السنوات، وأسماء الجهات اللي استلمت الفلوس.
وبعد ما راجع الكشف مع الفواتير اللي معايا، رفع راسه وقال
يا سارة، لقينا حاجة مهمة جدًا. فيه أعمال اتسجلت في مستندات أحمد على إنها اتدفعت من حسابه، لكن الفواتير الأصلية بتوضح إن مصدر الدفع مختلف.
بصيت لأحمد، ففضل ساكتًا.
المحامي كمل
مش هنقدر نحدد المسؤولية النهائية غير بعد مطابقة التحويلات والفواتير، لكن المستندات دي هتساعدنا نوصل للحقيقة.
وأنا بجمع أوراقي، لقيت صورة قديمة للبيت قبل التجديد، وعلى ظهرها جملة مكتوبة بخط جد أحمد
البيت ده اتبنى علشان يجمع العيلة، مش علشان يبقى سبب في تفرقتها.
مسكت الصورة، وحسيت إن القصة كلها كانت محتاجة حد يقف ويقول كفاية.
لكن قبل ما نخرج من المخزن، أحمد ناداني وقال
سارة، فيه حاجة أخيرة لازم أقولها لك، ودي المرة دي مش هطلب منك تصدقيني من غير دليل.
بصيت له وقلت
اتكلم.
طلع من جيبه ورقة مطوية، ومدها لي.
وقال
دي أول ورقة مضيتها في موضوع البيت، وهي اللي بدأت بسببها كل المشاكل... ولما تقري آخر سطر فيها، هتفهمي ليه كنت خايف أواجهك بالحقيقة من البداية.
الجزء الخامس الورقة اللي كشفت سر أحمد!
خدت الورقة من إيد أحمد، وفتحتها وأنا حاسة إن قلبي هيتوقف من التوتر.
كانت عبارة عن إقرار قديم متعلق بتجديد البيت، وفي آخر الصفحة توقيع أحمد، وتحته جملة مكتوبة بخط إيده
أقرّ بأن جزءًا من تكاليف التجديد تم دفعه من أموال زوجتي سارة، وأن المبالغ دي لازم تتسجل باسمها، ويُرجع إليها عند تسوية أي خلاف مالي بيننا.
رفعت عيني له بذهول.
إنت كنت عارف من البداية إن الفلوس دي حقي؟!
هز راسه وقال
أيوه. أنا مضيت الورقة دي قبل ما نبدأ التجديدات، لكن لما المشروع اللي دخلته خسر، خفت من حجم الديون، وبدأت أتصرف بطريقة غلط.
سألته بحدة
طب وإيه اللي خلاك تحاول تخليني أمضي على تنازل؟
رد وهو بيبص للأرض
كنت فاكر إنك لو تنازلتي عن مطالبتك بالمبالغ، هقدر أرتب باقي التزاماتي، وبعدها أعوضك. لكني ما فكرتش في العواقب، ولا في إحساسك لما تكتشفي اللي عملته.
قلت له
يعني كنت عايز تحل مشكلتك بقرار يخصني أنا، من غير ما تديني حتى فرصة أفهم!
ما ردش.
المحامي أخد الورقة وراجعها مع باقي المستندات، وقال
الورقة دي مهمة، لكن لازم نتأكد من صحتها، ونطابق المبالغ المذكورة فيها مع الفواتير والتحويلات. بعدها نقدر نحدد حقوق كل طرف بشكل أدق.
أحمد وافق على تقديم المستندات الأصلية، وخرجنا من المخزن وكل واحد فينا بيفكر في اللي حصل.
لكن بالنسبة لي، كان فيه سؤال لسه من غير إجابة.
ليه أحمد كان بيخبي كل ده عني، رغم إنه بنفسه مضى على ورقة بتثبت حقي؟
بعد يومين، أحمد طلب يقابلني في وجود المحامي.
المرة دي ما جاش يطلب مني أرجع البيت، ولا حاول يقنعني إن كل حاجة بسيطة.
قعد قدامي وقال
سارة، أنا عارف إنك مش هتقدري تنسي اللي حصل بسهولة. أنا كنت طول الوقت بحاول أبان قدامك إني مسيطر على كل حاجة، ولما المشروع خسر، ما قدرتش أعترف إني محتاج مساعدتك.
قلت له
طلب المساعدة مش عيب يا أحمد. العيب إنك تخبي الحقيقة، وتخليني أنا اللي أدفع تمن قراراتك.
قال
عندك حق. وأنا مستعد أقدم كل حساباتي، وألتزم بأي تسوية قانونية تحفظ حقك.
المحامي وضح له إن الاعتذار وحده مش كفاية، وإن لازم يكون فيه التزام مكتوب ومحدد، وإن أي اتفاق نهائي لازم يتم بعد مراجعة الحسابات كاملة.
أحمد وافق.
وبعد أسابيع من مراجعة الأوراق، اتحدد إجمالي المبالغ اللي قدرت أثبت إني دفعتها في تجديد البيت، واتعملت تسوية مكتوبة توضّح حقوقي والتزامات الأطراف، من غير ما أتنازل عن أي حق قبل ما أفهمه وأوافق عليه.
أما موضوع الديون، فكان لازم يتراجع بشكل منفصل، لأن مش كل مبلغ كان مرتبطًا بالبيت، ومش كل التزام كان من حقي أتحمله.
لأول مرة، حسيت إن الأمور بدأت ترجع لمكانها الصحيح.
لكن القصة ما انتهتش عند كده.
في يوم، وأنا راجعة من شغلي، لقيت ندى مستنياني قدام البيت.
كانت ماسكة ظرفًا صغيرًا، ولما شافتني قالت
سارة، أنا عارفة إنك مش مضطرة تسمعيني، لكن فيه حاجة لازم أسلمها لك.
خدت الظرف بحذر، وفتحته.
لقيت جواه نسخة من رسالة قديمة بين أحمد وشريكه، بتوضح إن الخلاف المالي بدأ قبل ما تظهر مشكلة البيت بوقت طويل.
ندى قالت
أنا لقيت الرسالة دي وسط أوراق كانت عندي، وخفت تكون مهمة. مش عايزة أكون طرفًا في خلافكم، لكن ما ينفعش أحتفظ بمعلومة ممكن تساعد في توضيح الحقيقة.
شكرتها، وطلبت منها تسلم النسخة للمحامي علشان يتأكد من مصدرها وصحتها.
وقبل ما تمشي، سألتها
إنتِ كنتِ تعرفي إن أحمد متجوز؟
ردت بحزن
في البداية، ما كنتش أعرف تفاصيل حياته. لما عرفت إن فيه خلافات عائلية، قررت أبعد عن الموضوع لحد ما أفهم الحقيقة. أنا مش عايزة أبني أي قرار على معلومات ناقصة.
هزيت راسي، وقلت لها
أهم حاجة إن محدش يضغط على حد، وإن كل شخص يتحمل مسؤولية قراراته.
ومشيت، وأنا حاسة إن أكبر درس اتعلمته مش عن الفلوس ولا البيت.
كان عن الثقة، وعن أهمية إن الإنسان ما يسكتش عن حقه لمجرد إنه بيحب حد.
بعد فترة، أحمد جه لي ومعاه ورقة جديدة.
قال
دي خطة لسداد المبالغ اللي ثبت إنها مستحقة ليكي، بمواعيد واضحة وضمانات مكتوبة. المحامي راجعها، وقال إننا نقدر نناقشها رسميًا.
راجعت الورقة، وسألت المحامي عن كل بند، وبعد ما فهمت التفاصيل، وافقت على التسوية بالشروط المتفق عليها.
أحمد بص لي وقال
تتخيلي إننا كنا ممكن نوصل للحل ده من البداية، لو كنت اتكلمت معاكي بصراحة؟
رديت
أيوه. لكن المهم دلوقتي إننا اتعلمنا إن القرارات اللي بتخص شخصين ما ينفعش طرف واحد ياخدها لوحده.
وبعدها قلت له بوضوح
حل المشكلة المالية مش معناه إن كل حاجة بينا رجعت زي الأول. الثقة محتاجة وقت، وأنا محتاجة أشوف تغيير حقيقي في التعامل، مش مجرد وعود.
هز راسه، وقال إنه فاهم.
وفي صباح يوم جديد، رجعت للبيت اللي تعبت فيه سنين، ووقفت أتأمل الحيطان اللي اخترت ألوانها بنفسي، والأرضيات اللي وفرت من مرتبي علشان أقدر أغيرها، والمطبخ اللي كنت بحلم يبقى أجمل مكان في البيت.
افتكرت كل مرة تعبت فيها، وكل مرة قلت لنفسي إن التعب ده هيكون له معنى يومًا ما.
ابتسمت لأول مرة من فترة طويلة.
لأن البيت بالنسبة لي ما بقاش مجرد جدران وأثاث.
بقى رمزًا لحقي، ولتَعَبي، وللحاجة اللي اتعلمتها بالطريقة الصعبة
إن الحفاظ على الأسرة مهم، لكن الحفاظ على كرامتك وحقوقك مهم برضه، ومش لازم تضحي بواحد علشان تحافظ على التاني.
أما أحمد، فكان قدامه طريق طويل علشان يصلح اللي أفسده.
وأنا قررت إن مستقبلي مش هيتحدد بالخوف من خسارة البيت، ولا بالخوف من مواجهة الحقيقة.
المرة دي، أنا اللي هختار طريقي بنفسي.
الجزء السادس السر اللي ظهر بعد ما كل حاجة هديت!
عدّى شهرين على التسوية، وكنت بدأت أرجع لحياتي الطبيعية، لكن علاقتي بأحمد فضلت محتاجة وقت طويل علشان ترجع زي الأول.
وفي يوم، وأنا براجع ورق البيت علشان أحفظه في مكان آمن، لقيت ظرف صغير مستخبي جوه ملف قديم.
الظرف كان عليه اسم والد أحمد، الله يرحمه، وتاريخ أقدم من يوم جوازنا بشهور.
فتحته بحذر، ولقيت جواه خطاب مكتوب بخط إيده، وموجه لعم أحمد.
بدأت أقرا
لو الورق ده وصل لك، يبقى غالبًا الخلاف على البيت رجع تاني. أنا عايز أوضح حاجة مهمة البيت ده مش ملك شخص واحد بمعنى إن أي حد يقدر يتصرف فيه من غير ما يراعي حقوق الباقيين. فيه التزامات قديمة لازم تتراجع، وفيه مبالغ اتدفعت من أكتر من طرف، ولازم كل حق يرجع لصاحبه.
وقفت عند الجملة دي.
إيه علاقة والد أحمد بكل المستندات اللي ظهرت؟ وليه الخطاب كان مستخبي طول السنين دي؟
كملت القراءة، فلقيته كاتب إن فيه سجل قديم للمدفوعات، وإن السجل ده اتسلم لشخص من العيلة علشان يحافظ عليه لحد ما تظهر الحاجة ليه.
وفي آخر الخطاب كتب
يا حسن، لو حصل خلاف في يوم من الأيام، ما تخليش حد يظلم حد بسبب ورقة ناقصة أو كلام اتنقل غلط. الحقيقة موجودة في السجل الأصلي.
اتصلت بالمحامي فورًا، وبعت له صورة الخطاب.
بعد ما قرأه، قال لي
لازم نعرف السجل ده موجود فين، لأن ممكن يساعدنا نراجع أصل المبالغ اللي ظهرت في القضية.
في المساء، طلبت من أحمد ييجي يقابلني.
حطيت الخطاب قدامه، وأول ما شاف خط والده، اتغيرت ملامحه.
قلت له
إنت كنت تعرف إن فيه سجل قديم؟
سكت شوية، وبعدها قال
سمعت عن السجل من زمان، لكن ما شفتوش بعيني. أبويا كان محتفظ بأوراق كتير، وبعد وفاته، جزء منها اتنقل لعمّي.
وليه ما قلتليش الكلام ده من الأول؟
رد بصوت منخفض
لأني كنت فاكر إن الموضوع انتهى، ولما بدأت المشاكل المالية، ركزت على الديون اللي عليّا، وما رجعتش للأوراق القديمة.
قلت له
يبقى لازم نرجع لها دلوقتي، مش علشان نثبت إن حد غلطان وخلاص، لكن علشان نعرف الحقيقة كاملة.
وافق أحمد، واتفقنا

تم نسخ الرابط