مراتي حكايات زهره

لمحة نيوز

قلت لها: — قولي.

قالت: — مهما حصل بينا، متخليش ابنك يكبر وهو فاكر إن الناس اللي بتتعب أو بتمرض مالهاش قيمة. علمه إن الإنسان بيتقاس بأخلاقه، وإن الرحمة مش ضعف.

قلت لها والدموع في عيني: — أوعدك يا سحر.

لكن قبل ما أمشي، مسكت إيدي وقالت جملة خلتني أفكر طول الليل:

«يا مصطفى، أنا سامحتك، لكن لو ربنا كتب لي الشفاء، مش عارفة إذا كنت هقدر أرجع أحبك بنفس الطريقة اللي كنت بحبك بيها زمان».

ساعتها فهمت إن أصعب حاجة مش إني أرجع سحر لحياتي، لكن إني أقبل إنها ممكن تختار حياة جديدة من غيري، بعد ما عاشت معايا أيامًا كانت فيها محتاجة لي وأنا بعيد عنها.

يتبع...
خرجت من المستشفى يومها وأنا حاسس إن قلبي متقسم نصين؛ نص فرحان إن سحر بدأت تتكلم عن المستقبل، ونص خايف من إنها تكون بتودعني واحدة واحدة من غير ما تقول.

رجعت البيت، ولقيت ابني نايم على الكنبة، وفي إيده اللعبة اللي سحر ادهاتهاله.

قعدت جنبه، وفضلت أبص لوشه البريء، وأفكر في الست اللي رغم مرضها ووجعها، قدرت تفرح طفل بكلمتين ولعبة صغيرة، بينما أنا كنت زمان شايف إن كل جنيه بدفعه علشانها حمل تقيل على كتافي.

تاني يوم، قررت أزور سحر بدري قبل الشغل.

لكن أول ما وصلت المستشفى، لقيت الدكتور واقف قدام أوضتها، وملامحه جدية.

سألته بقلق: — خير يا دكتور؟ سحر حصل لها حاجة؟

قال لي: — حالتها محتاجة متابعة دقيقة، وإحنا هنكرر بعض الفحوصات علشان نعرف استجابتها للعلاج. المهم إنها متفقدش الأمل، وتلتزم بالخطة اللي حددناها.

دخلت لها، ولقيتها بتبص من الشباك.

أول ما شافتني، قالت: — إنت جيت بدري النهارده ليه؟

قلت لها: — علشان أطمن عليكي قبل ما أروح الشغل.

ابتسمت وقالت: — متخليش حياتك كلها تتحول للمستشفى بسببي يا مصطفى. أنا عايزاك تعيش حياتك وتربي ابنك كويس.

قعدت جنبها وقلت: — أنا بدأت أفهم إن الحياة مش مجرد شغل وفلوس ومسؤوليات. فيه حاجات لما بنخسرها، مفيش فلوس في الدنيا تقدر ترجعها.

بصت لي وقالت: — المهم إنك تتعلم من اللي حصل، حتى لو أنا مش هكون موجودة في حياتك بعد كده.

الكلام وجعني، لكني مقدرتش أطلب منها تغير رأيها.

بعد أيام، حصلت مفاجأة مكنتش متوقعها.

المحامي اللي كان بيتابع أوراق سحر اتصل بيا، وقال لي إن فيه مستندات محتاجة توقيعها، وإنها طلبت منه يحضر لي نسخة من الأوراق الخاصة بالشقة والمبلغ اللي ورثته من أبوها.

رحت له، وكنت فاكر إن الموضوع كله مجرد إجراءات عادية.

لكن لما قريت المستندات، اكتشفت إن سحر كانت عاملة حساب لكل حاجة من سنين، وإنها رتبت ممتلكاتها بشكل قانوني علشان تضمن إن مصاريف علاجها تتوفر، وإن أي فلوس متبقية بعد تسوية التزاماتها تتصرف فيها حسب رغبتها المكتوبة.

سألته: — هي عملت كل الترتيبات دي لوحدها؟

قال لي: — أيوه، وكانت حريصة إن كل حاجة تكون واضحة، وإن محدش يختلف على حقوقها أو يستغل ظروفها.

خرجت من عنده وأنا بفكر في قد إيه سحر كانت قوية، رغم إني كنت فاكر إن المرض كسرها.

لكن المفاجأة الحقيقية حصلت لما رجعت المستشفى في المساء.

لقيتها قاعدة على السرير، وأول ما دخلت قالت لي:

— مصطفى، أنا أخدت قرار.

قلبي اتقبض، وسألتها: — قرار إيه؟

قالت: — لما أخرج من المستشفى، عايزة أعيش في مكان هادي قريب من أمي، وأركز على علاجي وعلى نفسي. مش عايزة أفضل مستنية زياراتك، ولا عايزة حياتك تبقى مرتبطة بيا طول الوقت.

حسيت إن الكلام معناه إنها بتقفل آخر باب بينا.

قلت لها: — يعني مش عايزاني أجيلك تاني؟

ردت بسرعة: — لأ، مش قصدي كده. إنت تقدر تطمن عليّا، ولو احتجت مساعدة وكنت قادر تساعدني، مفيش مانع. لكن أنا محتاجة أتعلم أعتمد على نفسي، وأعيش من غير ما أفضل مستنية إنك ترجع زي زمان.

سكتُّ، وبعدها قلت: — عندك حق يا سحر.

كانت أول مرة أقول الجملة دي وأنا فعلًا مقتنع بيها، مش لمجرد إني عايز أنهي نقاش.

ومرت أسابيع، وسحر بدأت تستقر على خطة علاج جديدة، وكانت بتتواصل مع أمها باستمرار، وبدأت أساعدها في تجهيز مكان مناسب تقعد فيه قريب منها.

أما أنا، فبدأت أعيد حساباتي في حياتي، وأتعلم إزاي أكون أب مسؤول، وأتعامل مع مراتي بعدل، من غير ما أهرب من واجباتي أو أحمّل غيري نتيجة اختياراتي.

وفي يوم، اتصلت بيا أم سحر، وقالت لي إن بنتها عايزاني أزورها.

رحت لها، ولقيتها قاعدة وسط شوية صور قديمة، منها صورة لينا يوم جوازنا.

مسكت الصورة، وابتسمت وقالت: — فاكر اليوم ده يا مصطفى؟

قلت لها: — فاكره كأنه امبارح.

قالت: — يومها كنت فاكرة إننا هنكبر مع بعض، وإننا هنشوف أولادنا وهما بيكبروا، وإن مهما حصل هنفضل سند لبعض.

نزلت عيني للأرض وقلت: — وأنا قصرت في حقك يا سحر.

ردت بهدوء: — اللي فات مش هيتغير، لكن اللي جاي لسه في إيدك. خليك أحسن مع نفسك ومع الناس اللي حواليك.

وبعدين مدت لي الصورة وقالت: — خدها معاك لو حابب، أنا مش عايزة أفضل عايشة في الماضي.

أخدت الصورة، لكن قبل ما أمشي سألتها: — سحر، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتختاريني تاني؟

فضلت ساكتة فترة طويلة، وبعدين قالت:

«كنت هختار الأيام الحلوة اللي عشتها معاك، لكن كنت هتعلم من بدري إني ماخليش سعادتي كلها متعلقة بإنسان واحد، مهما كنت بحبه».

خرجت من عندها وأنا فاهم إن سحر مش بتحاول تعاقبني، ولا تنتقم مني، ولا تثبت إنها أقوى مني.

هي ببساطة بتحاول تبدأ حياة جديدة، حتى لو الطريق صعب.

لكن بعد شهر تقريبًا، جالي اتصال من أمها في وقت متأخر من الليل.

صوتها كان بيرتعش وهي بتقول:

— يا مصطفى، الحقنا وتعالى بسرعة... سحر تعبانة جدًا، ومش عارفين نعمل إيه!

جريت على المستشفى، ولما وصلت لقيت أمها قاعدة بره أوضة الطوارئ، ودموعها بتنزل من غير ما تتكلم.

قربت منها وسألتها: — سحر فين؟ حصل لها إيه؟!

قالت: — تعبت فجأة، وجبناها المستشفى، والدكاترة بيفحصوها دلوقتي.

وقفت قدام باب الأوضة، عاجز عن أي حاجة، وكل اللي قدرت أعمله إني أدعي ربنا يقومها بالسلامة.

بعد شوية، خرج الدكتور وقال إنهم بيتعاملوا مع حالتها، وإننا لازم نستنى نتائج الفحوصات علشان نعرف الخطوة المناسبة.

قعدت جنب أمها، ولأول مرة حسيت إننا الاتنين بنخاف على نفس الإنسان، من غير أي خلافات قديمة أو حسابات.

وبعد ساعات من الانتظار، خرج الدكتور مرة تانية، وقال إن سحر استقرت، لكنها محتاجة تفضل تحت الملاحظة.

دخلت أطمن عليها، ولقيتها مرهقة جدًا، لكنها فتحت عينيها لما سمعت صوتي.

همست: — مصطفى... إنت جيت؟

مسكت إيديها وقلت: — أيوه يا سحر، أنا هنا.

بصت لي وقالت بصوت ضعيف:

— أنا كنت خايفة أموت قبل ما أقول لك إنّي فعلًا سامحتك... ومش عايزاك تفضل طول عمرك تعاقب نفسك على اللي حصل.

انهارت دموعي، وقلت لها: — متقوليش كده يا سحر، إنتِ لسه قدامك أيام كتير، ولسه هتتعافي بإذن الله.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — يا رب يا مصطفى... يا رب.

وفي اللحظة دي، فهمت إن الندم لوحده مش كفاية، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بنقولها، لكنه تغيير في طريقة حياتنا، ورحمة بنقدمها قبل ما يفوت الأوان.

لكن هل سحر هتقدر تتجاوز المرحلة الصعبة دي، وهل القدر هيدي مصطفى فرصة أخيرة يصلح بيها اللي اتكسر بينهم؟

يتبع...
فضلت واقف جنب سرير سحر طول الليل، مش قادر أغمض عيني، وكل شوية أبص على وشها وأدعي ربنا يخفف عنها.

أمها كانت قاعدة في الكرسي اللي جنب الشباك، ماسكة المصحف وبتقرأ بصوت واطي، وكل ما تسمع صوت حركة من جوه الأوضة ترفع عينيها بخوف.

مع طلوع النهار، الدكتور دخل علشان يتابع حالتها، وبعد ما خلص الفحص، قال لنا إن حالتها استقرت نسبيًا، لكن لسه محتاجة متابعة وعلاج منتظم.

حسيت إني أخدت نفسي من جديد، وقلت في سري: «الحمد لله يا رب، ادّيها فرصة تانية».

بعد يومين، سحر بدأت تتحسن شوية، وبقت تقدر تتكلم معانا لفترات أطول.

وفي يوم، وأنا قاعد جنبها، قالت لي:

— مصطفى، أنا عايزة أطلب منك طلب، ومش عايزاك ترفضه.

قلت لها: — اطلبي يا سحر، وأنا هعمل اللي أقدر عليه.

قالت: — عايزة أشوف ابنك تاني، بس المرة دي عايزاه ييجي يقعد معايا شوية، ويحكي لي عن حياته.

ابتسمت وقلت: — حاضر، هجيبهولك بكرة.

وفعلًا، تاني يوم أخدت ابني وروحنا المستشفى.

أول ما شاف سحر، جري ناحيتها وقال ببراءة: — يا طنط سحر، إنتِ لسه تعبانة؟ أنا دعيت لك ربنا يشفيكي!

سحر ابتسمت، ودموعها لمعت في عينيها.

قالت له: — ربنا يخليك يا حبيبي، ويخليك لأبوك.

قعد يحكي لها عن الحضانة وأصحابه، وعن لعبة جديدة نفسه يشتريها، وهي كانت بتسمعه باهتمام شديد.

وفجأة، ابني بص لي وقال: — بابا، هو ينفع لما طنط سحر تخف، تيجي تزورنا؟

السؤال كان بسيط، لكنه وجعني.

بصيت لسحر، لقيتها مستنية إجابتي، فقلت له: — طبعًا يا حبيبي، لو هي حابة وإحنا اتفقنا على ده، أكيد.

ابتسم ابني ورجع يكمل كلامه، بينما سحر بصت لي وقالت بهدوء:

— الولاد بيشوفوا الدنيا أبسط مننا يا مصطفى. إحنا اللي ساعات بنعقد كل حاجة بسبب خوفنا ومشاكلنا.

هزيت راسي، وفضلت أفكر في كلامها طول الطريق.

لكن اللي حصل بعد كده غيّر حياتنا كلنا.

بعد حوالي شهر، بدأت نتائج متابعة سحر تظهر، والدكتور قال إن فيه مؤشرات محتاجة تقييم مستمر، وإننا لازم نكمل العلاج من غير ما نستعجل الحكم على النتيجة.

سحر قررت ترجع تقعد مع أمها فترة، وبدأت تنظم يومها على قد طاقتها، وأنا كنت بتابع معاها مواعيد المستشفى وأساعدها في المشاوير اللي تحتاجها.

ومع مرور الأيام، بدأت علاقتنا تتغير.

بقينا نتكلم بهدوء عن ذكرياتنا القديمة، وعن أخطائنا، وعن الحاجات اللي كنا نفسنا نعملها وماعملناهاش.

وفي مرة، سألتني: — مصطفى، إنت لسه بتحبني؟

السؤال فاجأني، وسكتُّ شوية قبل ما أرد.

قلت لها: — أنا لسه عندي ليكي مشاعر كبيرة، لكن مش عايز أقول لك إني بحبك لمجرد إني خايف أخسرك. أنا عايز أثبت لك إني اتغيرت، حتى لو مفيش رجوع بينا.

سحر ابتسمت وقالت: — الإجابة دي أحسن من أي وعد كنت ممكن تقولهولي زمان.

وبعدها بأيام، حصلت مشكلة كبيرة في بيتي الجديد.

مراتي عرفت إني كنت بتابع علاج سحر، وإنها لسه بتطلب مني مساعدات في بعض المشاوير، فحصل بينا خلاف شديد.

قالت لي: — أنا مش هقدر أفضل عايشة في الوضع ده. إنت لازم تحدد إنت عايز إيه بالضبط.

المرة دي، قعدت معاها واتكلمنا بهدوء، ووضحت لها إني مش ههمل ابني ولا حقوقها، وفي نفس الوقت مش هقطع المساعدة عن سحر لمجرد إن علاقتنا انتهت بالطلاق.

لكنها قالت لي إنها مش قادرة تتقبل الوضع، وإنها محتاجة تفكر في مستقبل جوازنا.

خرجت من النقاش وأنا عارف إن قدامي مسؤوليات صعبة، وإن الحل مش إني أهرب من بيت علشان أرجع لبيت تاني، لكن إني أتعامل مع كل شخص بعدل ووضوح.

وفي المساء، رحت أزور سحر.

لقيتها قاعدة في البلكونة مع أمها، ولما شافتني قالت:

— مالك يا مصطفى؟ شكلك شايل هم كبير.

حكيت لها عن الخلاف اللي حصل، لكنها ماعلقتش في الأول، وبعد شوية قالت:

— مصطفى، أنا مش عايزاك تخسر بيتك بسببي. أنا اتعلمت إن الإنسان لازم يتحمل نتيجة اختياراته، وإنت كمان لازم تعمل كده.

قلت لها: — بس أنا مش عايز أسيبك لو احتجتي حاجة.

ردت: — المساعدة حاجة، وإنك تحس إنك لازم ترجع لي علشان تعوض اللي فات حاجة تانية. أنا مش عايزة أكون سبب في ظلم أي حد.

الكلام ده خلاني أحترمها أكتر، لأنها حتى وهي بتتعافى من وجعها، كانت بتحاول تمنعني من تكرار أخطائي.

وقبل ما أمشي، نادتني وقالت: — مصطفى، أنا فكرت كتير في حياتي، وقررت إني أبدأ صفحة جديدة، وأرجع أحقق حاجة لنفسي. عايزة أتعلم شغل أقدر أعمله من البيت، وأعتمد على نفسي بدل ما أفضل حاسة إني محتاجة لحد.

فرحت بكلامها وقلت: — وأنا هساعدك تدوري على حاجة مناسبة، على قد ما تقدري صحيًا.

ابتسمت وقالت: — شكرًا، بس أهم حاجة إنك تسيبني أختار بنفسي.

ومن اليوم ده، بدأت سحر تبحث عن عمل يناسب ظروفها، وتواصلت مع واحدة من معارفها كانت بتشتغل في مشروع صغير للأشغال اليدوية، واتفقوا إنها تجرب تشتغل من البيت حسب قدرتها.

أما أنا، فبدأت أركز على ابني وشغلي، وأحاول أكون أب أفضل، وأتعلم إن الاعتذار الحقيقي مش إننا نرجع كل حاجة زي الأول، لكن إننا مانكررش نفس الغلط.

ومرت شهور، وسحر كانت بتتابع علاجها، وفي بعض الأيام كانت حالتها أحسن، وفي أيام تانية كانت بتتعب وتحتاج ترتاح أكتر.

وفي يوم، اتصلت بيا وقالت: — مصطفى، أنا عندي خبر عايزة أقول لك عليه.

قلقت وسألتها: — خير؟ حصل حاجة؟

ضحكت وقالت: — لأ، المرة دي خبر حلو. أنا خلصت أول طلبية من الشغل اللي بدأت أعمله من البيت، والست اللي اتفقت معاها قالت لي إنها عايزاني أشتغل معاها تاني!

فرحت لها بصدق، وقلت: — ألف مبروك يا سحر، ربنا يفتح لك أبواب الخير.

قالت: — عارف يا مصطفى؟ أنا لأول مرة من وقت طويل أحس إن حياتي مش واقفة عند المرض، ولا عند اللي حصل بينا. لسه عندي حاجات أقدر أعملها، ولسه فيه أيام ممكن أفرح بيها.

قفلت المكالمة وأنا حاسس براحة غريبة.

كنت فاكر زمان إن سحر انتهت حياتها يوم ما عرفت بمرضها، وإن دوري إني أستنى النهاية.

لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تعيش، وأنا اللي كنت مستسلم لفكرة إن مفيش أمل.

وبعد فترة، وصلني خبر من سحر خلاني أقف قدام نفسي من جديد؛ لأنها أخدت قرارًا مصيريًا بشأن مستقبلها، قرارًا مكنتش أتوقعه أبدًا، وكان لازم أحترمه حتى لو وجعني!

يتبع...
في اليوم اللي بعده، رحت أزور سحر، وكنت متوقع ألاقيها زي كل مرة، قاعدة مع أمها وبتحاول تشتغل على طلباتها الصغيرة.

لكن أول ما دخلت، لاحظت إن فيه أوراق كتير على الترابيزة، وجنبها شنطة سفر صغيرة.

بصيت لها باستغراب وقلت:

— إيه الشنطة دي يا سحر؟ إنتِ مسافرة فين؟

ابتسمت وقالت:

— أيوه يا مصطفى، أنا قررت أسافر إسكندرية وأقعد فترة عند خالتي، الجو هناك أهدى، وهي هتساعدني أتابع علاجي، وكمان عندها مكان أقدر أشتغل فيه من البيت.

حسيت بقبضة في قلبي، وسألتها:

— يعني هتمشي وتسيبينا؟!

بصت لي باستغراب وقالت:

— أسيب مين يا مصطفى؟ إحنا اتطلقنا من شهور، وكل واحد فينا بدأ يبني حياته من جديد. إنت عندك بيتك وابنك، وأنا محتاجة أدي نفسي فرصة أعيش وأتعافى.

مكنتش عارف أرد عليها.

أنا اللي كنت طلبت منها تبعد عن حياتي، وأنا اللي فرحت لما طلبت الطلاق، لكن لما بدأت فعلًا تستقل عني، اكتشفت إن جزءًا مني كان لسه متعود على وجودها، حتى لو كنت مش بديها حقها.

قعدت جنبها وقلت:

— طب هتفضلي على تواصل معايا؟

ردت بهدوء:

— أكيد، إنت مش شخص غريب عني، وعشنا مع بعض سنين. بس لازم كل واحد فينا يتعلم يعيش من غير ما يعلق سعادته بالتاني.

الكلام كان منطقي، لكن تقبله كان صعب.

قبل ما أمشي، سحر نادتني وقالت:

— مصطفى، عايزة أقول لك حاجة قبل ما تسافر.

قلت لها: — قولي.

قالت:

— أنا مش زعلانة منك زي الأول، ومش عايزة أفضل شايلة وجع اللي حصل طول عمري. بس سامحني لو في يوم مقدرتش أرجع لك زي زمان، لأن الإنسان ساعات بيتغير من كتر اللي بيشوفه.

هزيت راسي وقلت:

— أنا فاهم يا سحر، ومش هضغط عليكي.

وبالفعل، بعد أسبوع، سحر سافرت مع أمها لإسكندرية، وبدأت مرحلة جديدة من حياتها.

في الأول، كنت بتصل بيها كل كام يوم أطمن عليها، وهي كانت بترد وتطمني على العلاج والشغل.

ومع الوقت، بدأت ألاحظ إنها بقت أهدى، وبتضحك أكتر، وبتحكي لي عن الحاجات اللي بتتعلمها، وعن الناس اللي اتعرفت عليهم.

وفي يوم، بعتت لي صورة لقطعة شغل خلصتها بنفسها، وكتبت:

«الحمد لله، أول مرة أحس إني أنجزت حاجة كبيرة من وقت طويل».

فرحت لها جدًا، وكتبت لها:

«ربنا يوفقك يا سحر، ويكتب لك الشفاء والراحة».

لكن بعد شهر تقريبًا، جالي اتصال منها في وقت متأخر.

رديت بسرعة وقلت:

— سحر؟ خير؟ إنتِ كويسة؟

قالت بصوت متعب:

— أنا في المستشفى يا مصطفى، تعبت شوية والدكتور قرر يحتفظ بيا تحت الملاحظة.

قلبي اتقبض، وسألتها عن المستشفى، وقلت لها إني ممكن أجي لها.

لكنها قالت:

— متجيش دلوقتي، أنا مع خالتي، وهي جنبي. أول ما أطمّن على النتائج هكلمك.

قفلت المكالمة، وفضلت طول الليل قلقان عليها.

تاني يوم، اتصلت بيا وطمأنتني إن حالتها استقرت، وإن الأطباء هيكملوا الفحوصات والعلاج.

وقتها فهمت إن وجودي جنبها مش لازم يكون بالشكل اللي أنا متخيله، وإنها عندها أهل يقدروا يساعدوها، وإن دوري إني أحترم رغبتها وأفضل متاحًا لو احتاجتني.

تم نسخ الرابط