مراتي حكايات زهره
اتجوزت على مراتي بعد ما ربنا ابتلاها بالمرض الخبيث، وكنت فاكر إنها خلاص أيامها معدودة، لكن مرضها طال، والمسؤوليات زادت عليّا، لحد ما طلبت مني بنفسها الطلاق. وقتها افتكرت إني أخيرًا هرتاح من الهم والديون، ومكنتش أعرف إن القرار ده هيخليني أندم طول عمري على اللي عملته!
أنا وسحر مراتي عشنا مع بعض أحلى 3 سنين في حياتنا، كنا بنحب بعض جدًا، وكانت حياتنا هادية وسعيدة، لحد ما الدكتور قال لنا الكلمة اللي هدت حيلنا: «كانسر».
وقتها حسيت إن الدنيا اتقفلت في وشي، وإن حياتنا اتغيرت في لحظة واحدة.
في الأول كنت جنبها، بسندها وبحاول أقويها، وقلبي بيتقطع وأنا شايفها بتتعب يوم بعد يوم. الكيماوي أرهق جسمها، وشعرها اللي كانت بتحبه وقع، ونفسيتها بقت صعبة جدًا.
كنت بحاول أهون عليها، لكن مع مرور الوقت، وضغط الشغل والمصاريف، بدأت أحس إني مش قادر أتحمل كل المسؤوليات لوحدي، وبدل ما أفكر إزاي أكون سند ليها في محنتها، بدأت أفكر في نفسي وفي حياتي اللي اتغيرت.
وفي يوم، قعدت معاها وقلت لها إني عايز أتجوز تاني.
سحر زعلت واتحسرت، وعيونها اتمليت بالدموع، لكن الغريب إنها ابتسمت لي وقالت:
«مبروك يا مصطفى، ربنا يكتب لك الخير».
الكلمة دي وجعتني وقتها، لكني حاولت أقنع نفسي إنها متقبلة الموضوع، وإنها عارفة إني مش قادر أعيش بالشكل ده.
اتجوزت في شقة تانية، وكنت مقتنع إن سحر مش هيفضل في عمرها كتير، خصوصًا إن حالتها كانت صعبة، والدكاترة مكنوش قادرين يطمنونا على مستقبلها.
وبعد فترة، ربنا رزقني بولد، وبقى ابني هو فرحة حياتي، خصوصًا إن سحر كانت حملت قبل كده، لكن للأسف حصل إجهاض، وبعدها ظروف العلاج خلت موضوع الحمل صعب جدًا.
ومع انشغالي ببيتي الجديد وابني، بدأت أبعد عن سحر واحدة واحدة.
بقيت أزورها كل فين وفين، ومبقاش بينا غير مواعيد المستشفيات والأشعة والعلاج.
حتى البواب لما كان يقابلني ويقول لي:
«يا باشا، حرام عليك، ابقى طل على الست سحر. دي ساعات بتصرخ من الوجع لوحدها، وإحنا سامعينها من تحت».
كنت بتضايق من كلامه، وأروح لها أقول:
«طب ما تكلمي أمك تيجي تقعد معاكي شوية!».
كانت ترد عليّا بصوت ضعيف:
«أمي تعبانة يا مصطفى، ومش عايزة أشوفها بتتوجع بسببي. كفاية عليها اللي أنا فيه».
كنت بسمع كلامها وأسكت، من غير ما أفكر هي بتقضي يومها إزاي لوحدها، ولا مين بيساعدها لما الألم يزيد عليها في نص الليل.
وفي نفس الوقت، مصاريف البيت الجديد وابني بدأت تزيد، وعلاج سحر كان مكلف جدًا، والديون اتراكمت عليّا.
مراتي التانية كانت بتشتكي باستمرار من الفلوس اللي بدفعها لعلاج سحر، وكانت شايفة إني مقصر معاها ومع ابني.
بقيت عايش في دوامة من المشاكل والضغط، وكل اللي كان شاغل تفكيري إني ألاقي طريقة أخرج بيها من الأزمة دي.
لحد ما جه اليوم اللي عمري ما هنساه.
كنت قاعد عند سحر في شقتها، ووشي باين عليه التعب والهم. كنت بفكر في الديون اللي عليّا، وفي الخناقات اللي مش بتنتهي.
بصت لي سحر وسألتني بصوت هادي:
«مالك يا مصطفى؟ إنت شكلك تعبان أوي».
رديت عليها وأنا باصص في الأرض:
«ولا حاجة، بس الدنيا بقت صعبة، والمصاريف زادت، ومبقتش عارف أعمل إيه».
سكتت شوية، وبعدها عينيها اتمليت بالدموع.
مدت إيدها الضعيفة ناحية إيدي وقالت لي:
«أنا عارفة إنك تعبان، ومش عايزة أكون سبب في شقائك. طلّقني يا مصطفى».
رفعت عيني لها بصدمة وقلت:
«إنتِ بتقولي إيه يا سحر؟!».
ردت بصوت متقطع:
«أنا فكرت كتير، وحاسة إنك مش قادر تتحمل كل ده. خلينا ننهي الجوازة، ويمكن كده ترتاح من المسؤولية اللي شايلها بسببي».
كنت عارف إنها بتقول الكلام ده وهي موجوعة، وإنها في الوقت اللي كانت محتاجة فيه لوجودي أكتر من أي وقت، قررت تبعد عني علشان تخفف عني الحمل.
ومع ذلك، سألتها السؤال اللي كشف قد إيه كنت بفكر في نفسي:
«يعني إنتِ مش هتزعلي لو طلقتك؟».
ابتسمت ابتسامة حزينة، ومسحت دموعها وقالت:
«المهم إنك تكون مرتاح يا مصطفى».
وافقت على الطلاق، ومضيت على الورق، وأنا بقنع نفسي إني كده خلصت من المشاكل والديون، وإن كل واحد فينا هيقدر يكمل حياته بعيد عن التاني.
خرجت من عندها وأنا حاسس إن حملًا كبيرًا اتشال من على كتافي.
مكنتش أعرف إن الست اللي كنت فاكر إني خلاص مش هشوفها تاني، هتفضل حاضرة في حياتي بطريقة عمري ما كنت أتخيلها.
ومكنتش أعرف إن اليوم اللي افتكرت فيه إني ارتحت، هو نفسه اليوم اللي بدأت فيه أخسر أغلى حاجة كانت عندي.
لكن بعد الطلاق بأيام قليلة، حصل موقف قلب حياتي كلها، وخلاني أكتشف سرًّا عن سحر، سرًّا لو كنت عرفته قبل ما أمضي على ورقة الطلاق، مكنتش اتخذت القرار بالسهولة دي أبدًا!
يتبع...
دخلت المستشفى وأنا مش شايف قدامي من كتر القلق، وفضلت أدور على سحر لحد ما لقيتها في أوضة الملاحظة، نايمة على السرير، ووشها شاحب، وفي إيديها المحلول.
قربت منها وقعدت جنبها، وطلعت الرسالة من جيبي، وقلت بصوت مبحوح:
— سحر، أنا لقيت جوابك في الشقة.. إيه حكاية ابني اللي كنتِ عايزة تحكيلي عنه؟
فتحت عينيها بالعافية، وبصت لي فترة طويلة، وبعدها قالت:
— إنت قريت الرسالة كلها؟
قلت لها: — لأ، آخر صفحة مش موجودة.. أرجوكي يا سحر، أنا لازم أفهم!
سكتت شوية، وبعدين قالت: — مصطفى، أنا مش عايزة أزود همومك، كفاية اللي إنت فيه.
مسكت إيديها وقلت: — أنا مش هممني أي حاجة دلوقتي غير إنك تبقي كويسة، وإنك تقوليلي الحقيقة.
ابتسمت بحزن، وقالت: — فاكر لما كنت حامل قبل ما أبدأ العلاج؟
هزيت راسي وقلت: — أيوه، عمري ما نسيت اليوم اللي فقدنا فيه طفلنا.
غمضت عينيها، ونزلت دمعة على خدها، وبعدها كملت:
— بعد اللي حصل، الدكتور قال لي إن الحمل ممكن يبقى صعب جدًا بسبب العلاج، وإن لازم أركز على صحتي. وأنا وقتها كنت خايفة عليك من الحزن، وخايفة إنك تحس إن حياتك ناقصة بسببي.
قلت لها باستغراب: — بس إنتِ عارفة إني عندي ابني دلوقتي، ربنا يخليهولي.
ردت بهدوء: — أنا عارفة، وأنا عمري ما تمنيت لك غير الخير. لكن الجواب مكنش عن ابنك الجديد يا مصطفى، كان عن حاجة تانية تمامًا.
حسيت إني مش فاهم أي حاجة، فسألتها: — أمال كنتِ تقصدي إيه؟
بصت ناحية الشباك، وبعد لحظات قالت:
— قبل ما نتطلق بشهرين، رحت للدكتور علشان أراجع نتيجة التحاليل. وهناك عرفت إن فيه تطور في حالتي، وإن العلاج اللي كنت باخده محتاج يتغير. الدكتور طلب مني أعمل فحوصات إضافية، وأنا خفت أقول لك، لأنك كنت بدأت تتغير معايا، وكنت حاسة إنك مش قادر تتحمل أكتر من كده.
سكتت، وأنا فضلت مستني تكمل.
قالت: — كنت محتاجة حد يساعدني في مصاريف العلاج، لكني مقدرتش أطلب منك فلوس أكتر. فقررت أبيع حاجات كتير من دهبي، وكل الفلوس اللي جمعتها حطيتها في حساب مخصوص علشان أضمن إن علاجي يستمر.
بصيت لها بصدمة: — إنتِ بعتي دهبك كله؟ ليه معملتيش كده من الأول وقولتيلي؟
ردت: — علشان مكنتش عايزة أحسسك إنك محاصر بيا، ولا عايزاك تفضل جنبي غصب عنك.
الكلام نزل على قلبي زي الحجر.
أنا كنت فاكر إنها بتطلب الطلاق علشان تريحني من مصاريفها، لكن مكنتش متخيل إنها كانت بتحاول تحميني من إحساس التقصير، حتى وهي اللي كانت محتاجة حد يسندها.
لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
قلت لها: — طيب إيه علاقة ابني بالموضوع؟ إنتِ كتبتي في الرسالة إن فيه حاجة لازم أعرفها عنه!
سحر سكتت، وبعدها طلبت مني أفتح شنطتها اللي كانت جنب السرير.
فتحتها، ولقيت جواها ملف صغير وصورة قديمة ليا أنا وهي، وتحت الصورة ورقة مطوية.
مدت إيدها ناحيتي وقالت: — الورقة دي كنت مجهزاها ليك من فترة، بس كل مرة كنت بخاف أسلمهالك.
فتحت الورقة، ولقيت إنها رسالة من محامي، مكتوب فيها إن سحر كانت باعت جزءًا من ممتلكاتها القديمة، وإنها خصصت مبلغًا من المال لمساعدة طفل محتاج، على أن يتم الصرف عليه وفق شروط محددة بعد وفاتها.
رفعت عيني ليها وقلت: — إنتِ عملتي كل ده إمتى؟!
قالت: — من قبل ما تتجوز تاني. كنت عايزة أعمل حاجة كويسة في حياتي، حاجة تفضل بعدي، وكنت بفكر إن ربنا لو كتب لي الشفاء، هساعد أطفال كتير زي ما كنت بتمنى أساعد نفسي.
وبعدين بصت لي بتركيز وقالت: — لكن فيه حاجة تانية يا مصطفى، ودي اللي كنت عايزاك تعرفها عن ابنك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قالت: — يوم ما عرفت إنك هتتجوز، رحت قابلت محامي علشان أرتب أوراقي. وهناك عرفت إن فيه مبلغ من ميراث أبويا لسه مستحق ليا، وإن من حقي أتصرف فيه زي ما أنا عايزة. فقررت أخصص جزءًا منه لمستقبل ابنك، علشان لو احتاج تعليم أو علاج في يوم من الأيام، يلاقي حاجة تساعده.
اتجمدت مكاني.
الست اللي أنا كنت شايفها عبء على حياتي، كانت بتفكر في مستقبل ابني، مع إنها مش أمه، ومع إن أنا اللي سبتها تواجه مرضها لوحدها!
بصيت لها والدموع نزلت من عيني، وقلت: — ليه يا سحر؟ ليه تعملي كل ده بعد اللي أنا عملته معاكي؟
ردت بصوت ضعيف: — علشان ابنك ملوش ذنب في أي حاجة يا مصطفى. وأنا كنت بحبه من بعيد، وكنت بتمنى أشوفه بيكبر في خير وأمان.
مسكت إيدي وقالت: — بس أوعدني بحاجة.
قلت بسرعة: — أوعدك بكل حاجة، بس إنتِ لازم تقومي بالسلامة.
قالت: — لو ربنا كتب لي عمر، عايزاك تتعلم إن الإنسان اللي بيحبك بجد مش دايمًا بيقدر يفضل جنبك، لكن ده مش معناه إنك تنسى فضله. ولو ربنا كتب غير كده، خليك عادل مع ابنك، ومتحرموش من حقه، ومتخليش ظروف الحياة تخليك تقسى على الناس اللي بتحبك.
خرجت من عندها للحظات، ووقفت في طرقة المستشفى، وفضلت أعيط زي الطفل.
افتكرت كل مرة اتصلت بيا فيها علشان أزورها، وكل مرة كنت بقول لها إني مشغول.
افتكرت الليالي اللي قضتها لوحدها، والألم اللي كانت بتتحمله من غير ما تشتكي.
وفهمت إن المشكلة مكنتش في الفلوس بس، ولا في ضغوط الحياة، المشكلة إني نسيت إن سحر كانت إنسانة ليها قلب ومشاعر، وإنها كانت محتاجة مني وجودي قبل أي حاجة تانية.
لكن اللي حصل بعدها كان أكبر من كل اللي فات.
بعد ساعات، خرج الدكتور من عندها، وطلب مني أقابله في مكتبه.
قعدت قدامه وأنا قلبي بيدق بسرعة، فقال لي:
— يا أستاذ مصطفى، إحنا راجعنا الفحوصات القديمة والجديدة، وفيه تغييرات محتاجة تقييم من الفريق المعالج. لسه مينفعش نحكم على النتيجة النهائية، لكن لازم نبدأ خطة العلاج المناسبة من غير تأخير.
سألته وأنا متوتر: — يعني فيه أمل يا دكتور؟
رد: — الأمل موجود، لكن لازم نكون واقعيين، ونلتزم بالعلاج والمتابعة.
خرجت من مكتبه وأنا لأول مرة من شهور أحس إن عندي فرصة أصلح جزءًا من اللي عملته.
رجعت لأوضة سحر، ولقيتها صاحية، فقلت لها:
— يا سحر، أنا مش هسيبك تواجهي كل ده لوحدك تاني. هساعدك في العلاج، وهفضل أتابع حالتك، حتى لو إنتِ مش عايزة ترجعي ليا.
بصت لي باستغراب، وبعدها قالت: — إنت متأكد من كلامك يا مصطفى؟ أنا مش عايزاك تعمل ده بدافع الذنب.
رديت عليها: — يمكن أنا فعلًا حاسس بالذنب، ويمكن محتاج وقت طويل علشان أصلح اللي بوظته، لكن المرة دي مش عايز أهرب من مسؤوليتي. أنا عايز أعمل الصح، سواء رجعنا لبعض أو لأ.
سحر سكتت، وبعدها قالت جملة فضلت ترن في ودني:
— يا مصطفى، أنا سامحتك من زمان، لكن المشكلة مش في مسامحتي ليك... المشكلة إنك تقدر تسامح نفسك على اللي حصل ولا لأ.
وفي اللحظة دي، عرفت إن أصعب عقاب ممكن يعيشه الإنسان مش إنه يخسر حد بيحبه، لكن إنه يكتشف متأخر قيمة الشخص اللي كان بيحبه، بعد ما يكون جرحه وهو في أشد لحظات ضعفه.
لكن هل سحر هتقدر تتجاوز مرضها؟ وهل مصطفى هيقدر يصلح اللي فات، ولا هيفضل الندم يطارده طول عمره؟
يتبع...
بعد الطلاق بأسبوع تقريبًا، كنت راجع من الشغل، ولقيت رقم غريب بيتصل بيا. رديت، وسمعت صوت البواب وهو بيكلمني بقلق:
— يا أستاذ مصطفى، إنت فين؟!
قلت له باستغراب: — في إيه يا عم سيد؟ مالك بتتكلم كده ليه؟
رد عليّا بسرعة: — الحق الست سحر يا أستاذ، دي بقالها يومين محدش شافها، وأنا بخبط عليها ومش بترد، ولما سألت جارتها قالت لي إنها مش بتخرج من الشقة خالص!
قلبي اتقبض، لكني حاولت أبان هادي وقلت له: — طب ما يمكن تعبانة ونايمة، أو راحت عند أمها.
رد عليّا بصوت مليان خوف: — يا أستاذ، أنا عارف الست سحر كويس، دي من يوم ما اتطلقت وهي قاعدة لوحدها، وحتى الأكل اللي كنت بطلعهولها قدام الباب بقى زي ما هو!
قفلت المكالمة، وفضلت واقف مكاني شوية.
الغريب إني رغم كل اللي حصل، كنت لسه حاسس إنها مسؤوليتي، لكني كنت بحاول أهرب من الإحساس ده بأي طريقة.
رجعت البيت، ومراتي الجديدة كانت مستنياني علشان نتعشى، وابني كان بيلعب جنبي.
بصت لي وقالت: — مالك يا مصطفى؟ شكلك متغير ليه؟
قلت لها: — عم سيد بواب العمارة بتاعة سحر بيقول إنها مش بترد على حد من يومين.
اتغيرت ملامحها وقالت بحدة: — وإنت مالك دلوقتي؟ ما إنت طلقتها وخلاص! هي اختارت تبعد عنك، يبقى تتحمل نتيجة قرارها.
الكلام كان قاسي، لكنه خلاني أسكت، وقعدت مع ابني أحاول أنسى الموضوع.
لكن طول الليل، مكنتش قادر أنام.
كل ما أغمض عيني، أفتكر سحر وهي بتقول لي: «المهم إنك تكون مرتاح يا مصطفى».
وأفتكر إيديها الضعيفة وهي ماسكة إيدي، ونظرتها اللي كانت مليانة كلام مقدرتش أفهمه وقتها.
تاني يوم الصبح، أخدت قراري وروحت شقتها.
طلعت السلم بسرعة، ولقيت عم سيد واقف قدام بابها، وأول ما شافني قال:
— الحمد لله إنك جيت يا أستاذ!
خبطت على الباب بقوة: — سحر! يا سحر، افتحي الباب!
مفيش أي رد.
خبطت تاني، وناديت عليها بصوت أعلى، لكن الشقة فضلت ساكتة.
في اللحظة دي، حسيت بخوف حقيقي لأول مرة من يوم ما عرفت بمرضها.
طلبت من البواب يساعدني، وبعد محاولات قدرنا نفتح الباب.
دخلت الشقة، ولقيتها هادية بشكل يخوف. كل حاجة في مكانها، لكن مفيش أي صوت.
جريت ناحية أوضتها، وهناك لقيتها نايمة على السرير، وشها شاحب جدًا، وجنبها كوباية مية وعلبة الدوا.
ناديت عليها وأنا بهز كتفها برفق: — سحر! سحر، ردي عليّا!
فتحت عينيها بصعوبة، وبصت لي باستغراب، كأنها مش مصدقة إني واقف قدامها.
همست بصوت ضعيف: — مصطفى؟ إنت جيت ليه؟
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
قلت لها وأنا بحاول أتماسك: — إنتِ كويسة؟ ليه مش بتردي على حد؟!
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: — أنا بس تعبانة شوية، متقلقش.
لكن حالتها كانت أسوأ بكتير من إنها تكون مجرد تعب عادي.
اتصلت بالإسعاف، وفضلت جنبها لحد ما وصلوا، وبعدها رحت معاها المستشفى.
هناك، الدكتور كشف عليها وطلب تحاليل وفحوصات عاجلة.
فضلت قاعد قدام أوضة الكشف، إيدي بتترعش وقلبي بيدق بسرعة.
بعد وقت طويل، خرج الدكتور وبص لي بجدية وقال:
— حضرتك زوج المريضة؟
اترددت لحظة، وبعدها قلت بصوت واطي: — أنا طليقها.
الدكتور سكت شوية، وبعدين قال: — إحنا محتاجين نعرف مين من أهلها يقدر يتابع حالتها، لأن وضعها محتاج رعاية مستمرة، ومينفعش تفضل لوحدها بالشكل ده.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
سألته بسرعة: — يعني حالتها خطيرة يا دكتور؟
رد: — المرض محتاج متابعة دقيقة، لكن لسه لازم نكمل الفحوصات علشان نحدد وضعها بشكل واضح.
طلب مني أجيب ملفها الطبي القديم، وقال إن فيه نتائج مهمة لازم يقارنها بالتحاليل الجديدة.
رجعت شقتها علشان أجيب الملف، وبدأت أفتش في الأدراج اللي كانت بتحط فيها أوراق المستشفى.
فتحت درج الكومودينو، ولقيت الملف تحت مجموعة من الأوراق القديمة.
لكن وأنا بسحبه، وقعت من بين الورق مظروف أبيض صغير، مكتوب عليه بخط سحر:
«إلى مصطفى... لو جه اليوم اللي تعرف فيه الحقيقة».
فضلت باصص للمظروف، وإيدي مش قادرة تفتحه.
كان مكتوب عليه اسمي، وتحت اسمي جملة خلت قلبي ينقبض: