سجلت موقع
تقول لها كل حاجة، لأنها من حقها تعرف...
وقفت عند الجملة دي.
تقول لمين كل حاجة؟ وليه الحقيقة تخصني أنا؟
رفعت عيني لفؤاد وسألته
هو محمود ده كان يعرف أخويا؟
هز راسه وقال
أيوه، وكان يعرفه كويس جدًا. لكن علاقتهم مكنتش مجرد معرفة عابرة. الاتنين كانوا مرتبطين بحكاية قديمة حصلت في العيلة، والحكاية دي انتهت بقطيعة طويلة.
قلتله وأنا بحاول أربط الكلام ببعضه
طب ما هو الراجل اللي بكلمه قالي إنه اسمه محمود، وإنه مطلق وعنده شركة صغيرة! إيه المشكلة في كده؟
فؤاد سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه ورقة صغيرة عليها عنوان ورقم تليفون.
قال
المشكلة مش في إنه مطلق أو عنده شركة. المشكلة إن فيه تفاصيل أساسية عن حياته لازم تتأكدي منها بنفسك، قبل ما تسمحي له يدخل حياتك أكتر من كده.
وبعدين بصلي مباشرة وقال
هو قالك إنه عاش طول عمره في القاهرة؟
هزيت راسي بالموافقة.
أيوه، قالّي إنه عاش معظم حياته هناك.
فؤاد نزل عينيه للأرض، وتمتم بكلمتين مخلونيش أفهم قصده، وبعدها قال
يبقى هو بدأ يغيّر الحكاية من أولها.
في اللحظة دي، موبايلِي رن تاني.
كانت رسالة جديدة من محمود.
فتحتها بسرعة، وقلبي بيدق بعنف.
كتبلي
أنا عارف إن فيه حد عندك دلوقتي، وعايزك تسمعيني كويس. الراجل ده مش هيحكيلك القصة كاملة، لأنه هو نفسه جزء من اللي حصل زمان. متاخديش أي قرار قبل ما تسمعيني.
اتجمدت مكاني!
رفعت عيني لفؤاد ببطء.
هو عرف منين إن فيه حد عندي؟!
أنا مقلتلوش إني هقابل فؤاد، ومحمود نفسه قال إنه مش هيقدر ييجي!
بصيت حواليا في الشقة، وبعدين رجعت بصيت للموبايل، وكتبت لمحمود
إنت عرفت منين إن فيه حد عندي؟ وإنت تعرف فؤاد منين؟
الرسالة اتبعتت، وفضلت مستنية الرد.
ثواني قليلة، ووصلني الرد
لأن فؤاد مش غريب عني، وإنتِ مش أول واحدة يحاول يوصل لها بالطريقة دي.
حسّيت إن قلبي هيقف.
مش أول واحدة؟!
يعني إيه الكلام ده؟ وهل فيه ستات تانية دخلت في نفس الحكاية؟
قبل ما ألحق أكتب أي حاجة، فؤاد لاحظ إن وشي اتغير.
سألني
قالك إيه؟
ناولته الموبايل من غير ما أتكلم.
قرأ الرسالة، ولأول مرة من ساعة ما دخل بيتي، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
حط الموبايل على الترابيزة، وقال
كنت عارف إنه ممكن يحاول يسبقني بالكلام، بس مكنتش متوقع إنه هيعمل كده بالسرعة دي.
صرخت فيه
كفاية ألغاز! أنا ست عندي 54 سنة، ومش ناقصة حد يلعب بأعصابي. عايزة أعرف الحقيقة كاملة!
فؤاد أخد نفس طويل، وقرر أخيرًا يحكيلي الجزء اللي كان مخبيه.
قال إن من أكتر من عشرين سنة، حصل خلاف كبير بين أخويا حسن ورجل اسمه محمود. الخلاف بدأ بسبب ورق قديم يخص بيت العيلة، وبعدها الموضوع كبر، ودخلت فيه أطراف تانية، وانقطعت العلاقة بينهم تمامًا.
لكن الغريب إن أخويا، قبل وفاته بفترة قصيرة، طلب من فؤاد يوصل لي خطابًا، وقاله إنه لو ظهر محمود في حياتي في يوم من الأيام، لازم الخطاب يوصلني قبل ما آخد أي قرار يخصه.
سألته بذهول
يعني أخويا كان عارف إن محمود ممكن يظهر في حياتي؟
فؤاد هز راسه وقال
هو مكنش متأكد، لكنه كان خايف إن اللي حصل زمان يتكرر، وإنك تدفعي تمن خلاف مكنتيش طرف فيه.
حسّيت إن كل حاجة حواليا بقت غريبة.
إزاي أخويا توقّع إن الراجل ده ممكن يظهر في حياتي؟ وهل تعارفنا على موقع التعارف كان صدفة فعلًا؟
وفجأة، وصلت رسالة ثالثة من محمود.
المرة دي كانت مختلفة تمامًا.
كتب
لو عايزة تعرفي ليه أنا دخلت حياتك، افتحي الدرج الأخير في مكتب أخوكي القديم. هتلاقي حاجة هناك محدش قالك عليها.
قلبي دق بسرعة.
مكتب أخويا القديم كان موجود لحد دلوقتي في شقته اللي فضلت مقفولة بعد وفاته، والمفتاح كان معايا أنا.
لكن إزاي محمود يعرف مكان المكتب؟ وإيه اللي ممكن يكون مستخبي في الدرج الأخير؟
قمت من مكاني، وقلت لفؤاد
أنا رايحة أجيب الحقيقة بنفسي.
حاول يقنعني أستنى للصبح، لكني كنت خلاص أخدت قراري.
لبست إسدالي، وخدت مفاتيحي، واحتفظت بالخطاب في شنطتي. وقبل ما أخرج، بصيت للموبايل مرة أخيرة.
لقيت محمود باعت رسالة جديدة
لما تفتحي الدرج، هتعرفي إن الشخص اللي كنتِ بتدوري عليه طول عمرك كان أقرب ليكي مما تتخيلي... لكن أوعي تصدقي أول اسم هتشوفيه.
وقفت قدام باب شقتي، وحسّيت بقشعريرة بتجري في جسمي.
مين الشخص اللي بيتكلم عنه؟
وإيه علاقة أخويا بسر ممكن يكون مستخبي من أكتر من عشرين سنة؟
والأهم من كل ده...
هل محمود دخل حياتي لأنه كان عايز يصلّح غلط قديم، ولا لأنه كان محتاج مني حاجة محددة، ومش قادر يوصل لها لوحده؟
يتبع...
الجزء الرابع السر اللي أخويا أخده معاه القبر!
وصلت شقة أخويا حسن بعد حوالي نص ساعة، وطول الطريق كان سؤال واحد بيلف في دماغي
إزاي راجل اتعرفت عليه من تلات شهور بس، يعرف أسرار عن عيلتي أنا نفسي معرفهاش؟
طلعت المفتاح من شنطتي، وفتحت الباب.
ريحة المكان القديم استقبلتني، ومعاها ذكريات سنين طويلة. كل حاجة كانت زي ما هي من يوم ما أخويا مات تقريبًا؛ الكنبة اللي كان بيقعد عليها، المكتبة اللي كان بيحب يرتب كتبه فيها، وحتى صورته القديمة اللي كانت معلقة جنب الشباك.
وقفت قدام صورته شوية، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت بصوت واطي
يا حسن، إنت مخبي عني إيه؟ وليه سايبني أدوّر على الحقيقة بعد كل السنين دي؟
مسحت دموعي، واتجهت ناحية المكتب.
كان مكتب خشب قديم، أخويا كان بيحتفظ فيه بأوراق شغله ومستنداته المهمة. فتحت الأدراج واحد ورا التاني، لكن ملقتش حاجة غريبة.
لحد ما وصلت للدرج الأخير.
كان مقفول بمفتاح صغير، والمفتاح اللي معايا من مفاتيح الشقة مكنش بيفتحه.
بدأت أدور في المكتب، وفتحت علبة خشب صغيرة كانت فوق الرف، ولقيت جواها سلسلة مفاتيح قديمة.
جرّبت مفتاح ورا التاني، لحد ما سمعت صوت القفل وهو بيفتح.
سحبت الدرج ببطء.
كان جواه ظرف أبيض، وصورة عائلية قديمة، وعلبة صغيرة ملفوفة بقماشة زرقا.
مسكت الصورة الأول.
كانت صورة ليا وأنا عندي حوالي عشر سنين، واقفة جنب أخويا حسن، وأمي قاعدة على كرسي في النص.
لكن اللي شد انتباهي إن فيه راجل واقف في آخر الصورة، بعيد شوية عن باقي العيلة.
راجل ملامحه مألوفة جدًا...
قربت الصورة من عيني، وفجأة شهقت!
ده كان نفس الراجل اللي شفته في الصورة اللي جابها فؤاد!
يعني الراجل ده كان موجود في حياتنا من زمان، قبل ما أتعرف على محمود بعشرات السنين.
قلبت الصورة، ولقيت جملة مكتوبة بخط أمي
اليوم اللي اتجمعت فيه العيلة كلها... قبل ما كل حاجة تتغير.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف الأبيض، ولقيت جواب مكتوب بخط أخويا حسن.
كان بيقول
أختي الغالية، لو إنتِ بتقري الخطاب ده، يبقى غالبًا أنا مبقتش موجود عشان أشرحلك بنفسي. فيه حقيقة عن ماضينا فضلت ساكت عنها سنين، مش عشان كنت عايز أخدعك، لكن لأني كنت خايف أجرحك.
وقفت عن القراءة.
أخويا كان عارف إنه ممكن يموت قبل ما يشرحلي الحقيقة!
رجعت أكمل
فاكرة الراجل اللي ظهر في الصورة القديمة؟ اسمه محمود عبدالسلام. زمان، كان فيه اتفاق بينه وبين العيلة بخصوص ورق مهم يخص بيت جدنا. لكن بعد خلاف كبير، الأوراق اختفت، وكل طرف بقى شايف إن الطرف التاني خد حقه.
اتنفست براحة بسيطة.
في البداية، افتكرت إن الموضوع ممكن يكون مجرد نزاع على ميراث أو بيت قديم، لكن الجملة اللي بعدها خلتني أرجع أتوتر.
المشكلة إن محمود كان مقتنع إن فيه مستندات عندنا تثبت حقه، وأنا كنت مقتنع إن المستندات دي مش موجودة أصلًا. وقبل ما أموت، وصلتني معلومة خلتني أشك إننا كنا بندوّر في المكان الغلط طول السنين دي.
بصيت للعلبة الملفوفة بالقماشة الزرقا.
هل دي هي المستندات اللي كان بيتكلم عنها؟
فتحتها بحذر، ولقيت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان قديم في منطقة وسط البلد.
وتحت العنوان كانت فيه جملة واحدة
المفتاح ده مش بيفتح باب... ده بيفتح الحقيقة.
حسّيت إني دخلت في لغز أكبر بكتير من قدرتي على الفهم.
لكن قبل ما أقدر أكمّل، سمعت صوت إشعار من الموبايل.
كانت رسالة من رقم مجهول.
لو لقيتي المفتاح، متروحيش العنوان لوحدك. فيه شخص تاني بيدوّر عليه، ولو وصله قبلك، ممكن الحقيقة تختفي للأبد.
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين اتصلت بفؤاد.
رد عليّا بسرعة، وكأنه كان مستني مكالمتي.
حكيتله عن المفتاح والرسالة، ولما قلتله العنوان، سكت تمامًا.
فضل ساكت لدرجة إني ناديت عليه كذا مرة
يا أستاذ فؤاد؟ إنت سامعني؟
رد أخيرًا بصوت متوتر
أيوه، سامعك... بس لازم تسمعيني كويس. العنوان ده أنا أعرفه.
سألته
تعرفه منين؟
قال
لأن المكان ده كان مخزن قديم تابع للشركة اللي كان محمود بيشتغل فيها من سنين طويلة. والشركة دي اتقفلت بعد مشكلة كبيرة، والناس كلها افتكرت إن الموضوع انتهى.
سألته وأنا مش قادرة أستوعب
طب إيه علاقة أخويا بالمخزن؟
رد بعد تردد
مش عارف كل التفاصيل، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. قبل وفاة حسن بأيام، قابلني وطلب مني أوصل لك الخطاب لو محمود ظهر في حياتك. وكان عنده خوف كبير من إن حد يحاول يسترجع أوراق قديمة بأي طريقة.
اتسعت عينيا.
يعني محمود ممكن يكون اتعرف عليّا عشان يوصل للمفتاح؟
فؤاد مردش فورًا.
والسكوت بتاعه كان كفاية إنه يزود خوفي.
بعد لحظات قال
أنا مش عايز أتهم حد من غير دليل، لكن لازم نتأكد من الحقيقة قبل ما تثقي في أي حد.
قفلت المكالمة، وحطيت المفتاح في شنطتي، وأخدت الصورة والخطاب.
وقبل ما أخرج من شقة أخويا، لفت نظري ظرف صغير كان مستخبي تحت العلبة.
كان عليه اسمي بخط حسن.
فتحته بسرعة، ولقيت ورقة قصيرة جدًا
لو محمود رجع، اسأليه عن اللي حصل يوم 17 مارس. لو أنكر إنه فاكر اليوم ده، يبقى لسه مخبي عنك أهم جزء من الحكاية.
فضلت باصة للتاريخ.
17 مارس!
التاريخ ده كان له معنى عندي، لكني مش قادرة أفتكره.
طلعت من الشقة، وركبت عربيتي، وقررت أرجع البيت وأحاول أرتب كل اللي عرفته.
لكن أول ما وصلت، لقيت ظرفًا أبيض محطوط قدام باب شقتي.
مفيش اسم عليه، ولا أي علامة تدل على صاحبه.
فتحته وأنا واقفة في الطرقة.
كان جواه صورة حديثة لمحمود، واقف قدام مبنى قديم، وبجانبه شخص تاني وشه متغطي بنص الصورة.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
محمود مش الشخص الوحيد اللي بيدوّر على المفتاح. الشخص اللي واقف جنبه هو اللي بدأ الحكاية من الأول.
قلبت الصورة مرة تانية، وحاولت أركز في ملامح الشخص التاني.
وفجأة، لاحظت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي!
الساعة اللي في إيد الشخص ده كانت نفس الساعة اللي أخويا حسن كان لابسها في صورته الأخيرة قبل وفاته!
مستحيل!
أنا بنفسي احتفظت بساعة أخويا بعد وفاته، وكانت لسه موجودة في علبة صغيرة عندي في البيت!
جريت على أوضتي، وفتحت العلبة.
الساعة كانت موجودة فعلًا.
لكن لما قلبتها، لاحظت إن الغطاء الخلفي بتاعها فيه نقش صغير عمري ما أخدت بالي منه.
كان مكتوب عليه
17 مارس لا تنسَ الوعد.
حسّيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع حواليا، لكن كل إجابة كانت بتفتح باب لأسئلة أخطر.
مين الشخص اللي ظهر جنب محمود في الصورة؟
وليه كان لابس ساعة شبه ساعة أخويا؟
وإيه اللي حصل يوم 17 مارس، لدرجة إن حسن طلب مني أسأل محمود عنه بالذات؟
وقبل ما ألحق أستوعب أي حاجة، رن الموبايل.
المرة دي، كان محمود نفسه.
رديت، وقلتله من غير مقدمات
أنا عرفت إنك كنت تعرف أخويا حسن، ولقيت المفتاح والخطاب. عايزة أعرف الحقيقة، ومش هقبل منك أي كلام ناقص.
سكت محمود لحظات، وبعدين قال بصوت مبحوح
إنتِ فتحتي الدرج؟
قلتله
أيوه.
ولقيتي الساعة؟
اتسمرت مكاني.
هو عرف منين إني لقيت الساعة؟!
قبل ما أرد، قال جملة خلتني أحس إن اللي جاي هيغيّر كل حاجة
يبقى لازم تعرفي إن حسن مكنش آخر شخص شافني يوم 17 مارس... وإنتِ كمان كنتِ موجودة في المكان ده، بس ذاكرتك شالت اليوم ده من حساباتها.
وقعت مني الساعة على الأرض.
أنا؟!
أنا كنت موجودة فين؟ وإزاي مش فاكرة اليوم ده أصلًا؟!
وليه محمود مستني كل السنين دي عشان يفكرني بحاجة حصلت وأنا صغيرة؟
يتبع...
الجزء الخامس اليوم اللي ذاكرتي محته من حياتي!
فضلت ماسكة الموبايل، مش قادرة أنطق ولا حتى أتنفس بشكل طبيعي.
كلام محمود كان بيرن في ودني
إنتِ كمان كنتِ موجودة في المكان ده، بس ذاكرتك شالت اليوم ده من حساباتها.
حاولت أتكلم، لكن صوتي خرج مكسور
إنت بتقول إيه يا محمود؟ أنا كنت طفلة وقتها! إيه اللي ممكن أكون فاكره أو ناسيّاه؟
رد عليّا بصوت هادي، لكن كان واضح إنه متوتر
أنا مش هقدر أحكيلك كل حاجة في التليفون. كل اللي أقدر أقولهولك إن أخوكي حسن كان بيحاول يحميكي من سر قديم، والسر ده ليه علاقة بالمفتاح اللي لقيتيه.
صرخت فيه
طب ما تحكي! أنا تعبت