سجلت موقع
عندي 54 سنة، وسجّلت في موقع للتعارف، وهناك اتعرفت على راجل كان ذوق ومحترم جدًا. فضلنا نتكلم مع بعض شهور، لحد ما في يوم قررت أعزمه عندي في البيت... بس لما فتحت الباب في الليلة اللي اتفقنا نتقابل فيها، وشوفت مين واقف قدامي، حسّيت إن قلبي هيقف من الرعب!
أنا عندي 54 سنة، وبقالي كام سنة عايشة لوحدي تمامًا. جوزي مبقاش موجود في حياتي من زمان، وولادي كبروا واتجوزوا، وكل واحد بقى عنده بيته وحياته ومشاغله، ومبقتش بشوفهم غير في الأعياد أو كام يوم في الويك إند.
كنت بفرح من قلبي لما أعرف إنهم مبسوطين وحياتهم مستقرة، بس الحقيقة إن الوحدة كانت بتوجعني أكتر ما كنت بحب أعترف.
بالليل الموضوع كان بيبقى أصعب بكتير.
أرجع من الشغل، أحضّر أكلي لوحدي، وأقعد قدام التلفزيون بالساعات من غير ما أتكلم مع حد.
كان نفسي ألاقي راجل يكون جنبي، نحكي لبعض عن يومنا، ونضحك سوا، ونشرب كوباية شاي وإحنا قاعدين، حتى لو مش بنتكلم في حاجة مهمة.
كنت محتاجة حد أحس معاه إن لسه فيه حد مستنيني، وإن مش كل يوم في حياتي شبه اللي قبله.
صاحباتي كانوا دايمًا يقولولي
يا بنتي، إنتِ هتفضلي كده لحد إمتى؟ سجّلي في موقع تعارف، يمكن تلاقي ابن الحلال اللي يونس وحدتك! هو يعني الحب ليه سن معين؟
كنت بضحك وأقولهم إن الكلام ده مش ليا، وإن المواقع دي غالبًا للشباب، وإن صعب ألاقي راجل في سني بيدوّر على علاقة جدية فعلًا.
بس في ليلة، وأنا قاعدة لوحدي كالعادة، قررت أجرّب وأشوف.
عملت حساب على موقع للتعارف، وحطيت كام صورة ليا، وكتبت شوية كلام بسيط عن نفسي، وبعدها استنيت.
عدّى كام يوم من غير أي حاجة تستاهل الاهتمام. كانت بتجيلي رسايل من ناس غريبة، وفيه ناس كلامها مكنش مريحني أصلًا.
لحد ما بعد حوالي أسبوع، وصلتلي رسالة من راجل لفت انتباهي.
من صوره، حسّيت إن عنده حوالي 60 سنة. كان شكله شيك، وابتسامته هادية، وشعره فيه شوية شيب، وعينيه فيهم نظرة حسّستني إنه راجل طيب.
بدأنا نتكلم، وحكالي إنه مطلّق من سنين، وعايش لوحده، وعنده شركة صغيرة بيديرها بنفسه، وإنه هو كمان زهق من الوحدة ونفسه يلاقي واحدة يكمّل معاها حياته.
واللي خلاني أرتاح له أكتر إنه كان بيتكلم معايا باحترام، وعمره ما قال كلمة ضايقتني أو سألني سؤال مش مناسب.
بقينا نتكلم كل يوم تقريبًا.
كان يسألني عن صحتي، ويهزر معايا، ويحكيلي مواقف حصلتله في الشغل، ويسألني عملت إيه في يومي وأكلت إيه.
وكل ليلة قبل ما ينام، كان لازم يبعتلي ويقولي
تصبحي على خير، وأحلام سعيدة.
ومع الوقت، بقيت مستنية رسايله. لو اتأخر، أبص على الموبايل كل شوية وأقول لنفسي يمكن مشغول.
لأول مرة من سنين، حسّيت إن فيه حد مهتم بيا، وإن ممكن فعلًا ألاقي شخص أشاركه باقي عمري.
بس كان فيه حاجة واحدة مقلقاني!
عدّى تلات شهور وإحنا بنتكلم، ومع ذلك عمره ما طلب يشوفني في الحقيقة!
كل ما ألمّح له إني نفسي نتقابل، كان يضحك ويقول
إيه يا ستي، مستعجلة على إيه؟ إحنا خلاص بقينا كبار وعاقلين، ولسه قدامنا وقت نتعرف على بعض براحتنا.
كنت بستغرب، بس أقول يمكن عنده ظروف، ومكنتش عايزة أضغط عليه أو أحسسه إني بلحّ عليه.
لحد ما في يوم، حصلت حاجة مكنتش متوقعاها!
هو اللي بعتلي وقال
أنا نفسي أشوفك جدًا. إيه رأيك أجيلك يوم السبت ونقضي سهرة حلوة سوا؟
فرحت جدًا، بس في نفس الوقت قلتله إن الأفضل نتقابل الأول في كافيه، عشان نتعرف على بعض في مكان عام.
لكنه رد عليّا وهو بيضحك
كافيه إيه بس؟ هو إحنا لسه صغيرين عشان نقعد نتكسف من بعض؟ خلينا نقعد عندك في البيت ونتكلم براحتنا. أنا هجيبلك ورد، وحاجة حلوة ناكلها مع الشاي.
كان المفروض أقف عند النقطة دي وأفكر كويس، لكن للأسف، كنت مصدقاه وواثقة فيه بعد الشهور اللي اتكلمناها سوا.
مكنتش متخيلة إن حد ممكن يفضل كل المدة دي يتكلم معايا ويهتم بيا، وفي الآخر يكون مخبي وراه حاجة تخوف بالشكل ده.
وافقت، وادّيته عنوان بيتي.
ومن ساعتها، وأنا بجهّز نفسي للمقابلة كأن عندي مناسبة مهمة جدًا.
نضفت الشقة كلها، وحضّرت شوية أكل، وطلّعت مفرش السفرة الحلو اللي مكنتش بستخدمه غير في المناسبات، وجهّزت طقم الصيني اللي كنت محتفظة بيه من سنين.
وبعدين دخلت أوضتي، ولبست أحلى فستان عندي، وسرّحت شعري، وحطيت شوية روج.
بصيت لنفسي في المراية وابتسمت.
مكنتش مصدقة إني بعد السنين دي كلها بقيت متحمسة بالشكل ده عشان أقابل حد.
كنت متخيلة إن الليلة دي ممكن تكون بداية جديدة في حياتي، وإن يمكن أخيرًا ألاقي الشخص اللي يخليني مبقاش لوحدي تاني.
بالظبط الساعة سبعة بالليل، جرس الباب رن.
قلبي دق بسرعة من الفرحة والتوتر. بصيت في المراية بسرعة، وظبطت شعري، وبعدها رحت ناحية الباب وأنا مبتسمة.
مدّيت إيدي وفتحت الباب...
لكن أول ما شفت الشخص اللي واقف قدامي، ابتسامتي اختفت في ثانية!
حسّيت إن رجلي مش شيلاني، وإني مش قادرة أتحرك ولا حتى أتكلم.
الشخص اللي كان واقف قدامي مكنش بالشكل اللي كنت متخيلاه خالص!
اتسمّرت مكاني، وبصيت له برعب، وأنا مش قادرة أصدّق اللي عينيا شايفاه.
إزاي ده حصل؟ ومين الراجل اللي واقف قدامي؟ وإيه علاقته بالشخص اللي فضلت أكلمه تلات شهور كاملة؟
في اللحظة دي، عرفت إن كل اللي كنت فاكراه عن العلاقة دي ممكن يكون كدبة كبيرة!
حكايات_زيزي
بس المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستخبية... واللي حصل بعد كده كان أخطر بكتير من مجرد مقابلة غريبة!
يا ترى مين كان واقف ورا الباب؟ وإيه اللي خلاها تتجمد من الرعب أول ما شافته؟
الجزء التاني الراجل اللي كان واقف ورا الباب!
فضلت واقفة مكاني، إيدي على مقبض الباب، وعيني متعلقة بوش الراجل اللي قدامي.
كنت حاسة إن الدم انسحب من وشي، وإن صوت قلبي بقى أعلى من أي صوت حواليا.
الراجل اللي واقف قدامي كان أكبر بكتير من الصورة اللي رسمتها في خيالي طول الشهور اللي فاتت. شعره أبيض تقريبًا، ووشه مليان تجاعيد، وكان واقف مستند على عصاية خشب، وفي إيده التانية ظرف بني قديم.
لكن ده مش اللي خوّفني!
اللي خوّفني فعلًا إني شفت ملامحه قبل كده...
أيوه، أنا كنت شفت الوش ده قبل كده، بس فين؟ وإمتى؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي خرج ضعيف ومتهزّز
حضرتك مين؟ وإنت جاي لمين؟
بصلي الراجل شوية من غير ما يرد، وبعدها قال بصوت هادي وغريب
إنتِ أكيد مستنيّة راجل اسمه محمود، صح؟
اتسعت عينيا، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.
محمود... ده الاسم اللي الراجل اللي عرفته على موقع التعارف قالّي إنه اسمه!
سألته بسرعة وأنا بحاول أتماسك
أيوه، بس إنت عرفت اسمه منين؟ وإنت تعرفه؟
الراجل أخد نفس طويل، وبص ناحية الشقة، وبعدين رجّع عينيه ليا وقال
لأ، أنا معرفوش بالاسم ده... لكن أنا عارف مين اللي بيكلمك كل يوم، وعارف هو قالك إيه عن نفسه، وعارف كمان إنه وعدك إنه هيجيلك النهارده ومعاه ورد وحاجة حلوة.
حسّيت إن قلبي وقع في رجلي!
الكلام ده محدش يعرفه غيري أنا والراجل اللي بكلمه.
رجعت خطوة لورا، وبدأت أشك في كل حاجة.
هو الراجل ده بيراقبني؟ ولا يعرف محمود من زمان؟ ولا فيه حد بيحاول ينصب عليّا؟
مدّ الراجل إيده بالظرف البني وقال
خدي ده واقري اللي جواه قبل ما تتصلي بالشرطة أو تقفلي الباب في وشي. أنا مش جاي أأذيكي، والله. أنا جاي عشان أمنع مصيبة ممكن تحصل الليلة دي.
بصيت للظرف، لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني معرفتش آخده منه.
قلتله
مصيبة إيه؟ إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
هز راسه بحزن وقال
أنا لو حكيتلك من غير ما تشوفي الدليل، مش هتصدقيني. افتحي الظرف بس، وبعدها قرري بنفسك.
مدّيت إيدي أخيرًا وخدت الظرف.
فتحته ببطء، وطلعت منه صورة قديمة، ومعاها ورقتين مطويين.
أول ما عيني وقعت على الصورة، شهقت بصوت عالي!
كانت صورة لراجل واقف قدام بيت قديم، وجنبه ست شايلة طفل صغير.
والراجل ده...
كان نفس الراجل اللي فضلت أكلمه تلات شهور!
نفس العينين، ونفس شكل الأنف، وحتى العلامة الصغيرة اللي جنب حاجبه اليمين.
بس الصورة كانت قديمة جدًا، والراجل فيها كان أصغر بحوالي تلاتين سنة!
رفعت عيني للغريب وقلتله بصدمة
إنت جبت الصورة دي منين؟ وإيه علاقتها بمحمود؟
الراجل سند على عصايته، وقعد على الكرسي اللي جنب باب الشقة بعد ما استأذنني، وبعدين قال جملة خلتني أحس إن اللي جاي أخطر بكتير من اللي فات
لأن الراجل اللي إنتِ بتكلميه مش بيقولك الحقيقة عن اسمه... والصورة دي هي أول دليل.
حسّيت إن نفسي اتقطع.
بصيت على الورقتين اللي لسه في إيدي، وبدأت أقرأ أول واحدة.
كانت فيها بيانات قديمة، وتاريخ من سنين طويلة، واسم مكتوب بخط واضح.
الاسم محمود عبدالسلام.
لكن تحت الاسم، كان فيه سطر تاني مكتوب بخط أحمر، ولما قرأته، إيدي بدأت تترعش أكتر.
بصيت للراجل وقلت
يعني إيه الكلام ده؟ هو محمود ده عمل إيه؟
الراجل سكت لحظات، وكأنه بيحاول يختار كلامه بعناية، وبعدها قال
قبل ما أجاوبك، لازم أسألك سؤال واحد... هو محمود حكى لك قبل كده عن عيلته؟ أو قالك إن عنده ابن اختفى من حياته من سنين؟
هزّيت راسي بالنفي.
قال وهو بيبص للصورة
يبقى فيه حكاية كاملة إنتِ لسه متعرفيهاش... وحكاية زي دي ممكن تغيّر نظرتك لكل رسالة بعتّهالك.
وفجأة، موبايلِي رنّ!
بصيت للشاشة، ولقيت اسم محمود ظاهر قدامي.
كان بيتصل بيا لأول مرة من ساعة ما عرفته!
الراجل الغريب شاف الاسم، واتغيرت ملامحه في لحظة، ومد إيده بسرعة وقال
استني! أرجوكي مترديش دلوقتي... خليني أقولك حاجة واحدة الأول.
لكن قبل ما أقدر أسأله عن قصده، وصلتني رسالة من محمود.
فتحتها، وكانت مكتوبة فيها
أنا آسف، مش هقدر أجيلك النهارده. حصل ظرف طارئ، وهفهمك كل حاجة بكرة.
بصيت للرسالة، وبعدها بصيت للراجل اللي قدامي.
إزاي محمود عرف إنه مش هيقدر ييجي، مع إن الراجل ده واقف عند باب بيتي وبيقول إنه جاي يكشفلي الحقيقة؟
وهل فعلًا فيه ظرف طارئ؟ ولا فيه حاجة حصلت خلت خطته تتغير في آخر لحظة؟
الراجل الغريب قرب مني شوية، وقال بصوت واطي
اسمعيني كويس... أنا مش هطلب منك تصدقيني لمجرد إني جيت لحد عندك. أنا هسيبك تشوفي الحقيقة بنفسك.
وبعدين فتح الورقة التانية، وحطها قدامي على الترابيزة.
كانت الورقة عبارة عن خطاب قديم، مكتوب من أكتر من عشرين سنة، وفي آخره توقيع شخص أنا أعرف اسمه كويس جدًا...
اسم شخص من عيلتي!
حسّيت إن رجلي مش شيلاني، وقعدت على الكرسي وأنا مش قادرة أرفع عيني عن الورقة.
لأن لو الخطاب ده حقيقي، يبقى الراجل اللي فضلت أكلمه كل يوم مش هو الوحيد اللي مخبي سر...
ده معناه إن فيه حد من عيلتي كان عارف الحقيقة من سنين، وسابني أعيش من غير ما أعرفها!
والسؤال اللي فضلت أكرره لنفسي وأنا ببص للخطاب
مين من عيلتي كان يعرف محمود؟ وليه الراجل الغريب اختار الليلة دي بالذات عشان ييجي ويحذرني منه؟
لسه مكنتش أعرف إن الرسالة اللي هتوصلني بعد دقائق قليلة هتقلب كل اللي فهمته عن الموضوع رأسًا على عقب...
الجزء التالت الرسالة اللي كشفت السر المدفون!
فضلت قاعدة قدام الترابيزة، والجو حواليا هادي بشكل يخوّف، بينما الراجل الغريب واقف مستني إني أستوعب اللي شوفته.
مسكت الخطاب بإيدين بيترعشوا، وبدأت أقرأه من أوله.
كان مكتوب من أكتر من عشرين سنة، وفي آخره توقيع خلاني أحس إن قلبي اتقبض.
التوقيع كان باسم أخويا الكبير، حسن!
أخويا اللي مات من سبع سنين!
بصيت للراجل الغريب وقلتله بصوت مخنوق
إنت تعرف أخويا منين؟ وإيه اللي يخلي اسمه موجود في خطاب له علاقة بالراجل اللي بكلمه؟ إنتوا بتتكلموا عن إيه بالظبط؟
الراجل قعد قصادي، وحط عصايته جنب الكرسي، وقال
أنا اسمي فؤاد، وكنت صاحب أخوكي حسن من زمان. كنا بنشتغل سوا، ونعرف بعض من أيام الشباب. بس قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن أخوكي كان شايل سر كبير، ومات قبل ما يقدر يصلحه.
حسّيت ببرودة غريبة في جسمي.
أخويا حسن كان أقرب واحد ليا في العيلة. حتى بعد ما اتجوزت وخلفت، كان دايمًا بيسأل عليّا، ولو احتجت أي حاجة كنت بلجأ له.
عمري ما تخيلت إنه ممكن يكون مخبي عني سر بالحجم ده!
فتحت الخطاب تاني، وبدأت أقرأ الكلمات بصوت واطي
يا محمود، أنا عارف إن اللي حصل زمان كان غلط، وعارف إن السكوت طول السنين دي مش هيخلّي الحقيقة تختفي. لازم في يوم