عاملة النظافة حكايات ميراا حصري
الجزء الأول عاملة النظافة غيّرت المحلول بتاعي الساعة 3 الفجر، وهمستلي لو عرفوا أنا عملت إيه، هيقتلوني!
في الساعة 3 الفجر، عاملة النظافة اللي كانت بتنضف أوضتي غيّرت المحلول المعلّق جنبي، وهمستلي بصوت مرتعش
لو عرفوا أنا عملت إيه، هيقتلوني!
تاني يوم الصبح، قدرت أحرّك رجلي لأول مرة من أسابيع!
من غير ما أقول لمراتي أي حاجة، رحت الأوضة الصغيرة اللي كانت بتخزّن فيها حاجتها. وهناك لقيت علبة فيها عشرين أمبول فاضي، وكشكول مكتوب على غلافه اسمي!
لو جوزي مات قبل يوم الجمعة، هنقدر ننقل ملكية العيادات باسمي؟
ده كان السؤال اللي سمعته من مراتي ريهام، وهي فاكرة إني تعبان لدرجة إني مش قادر أسمعها.
كان عندي 58 سنة، وامتلك أربع عيادات خاصة في الجيزة، وثروة جمعتها بعد ثلاثين سنة من الشغل والتعب. لكن في الصبح ده، ما كنتش قادر حتى أرفع كوباية مية بإيدي!
اسمي محمود السيوفي، وطول عمري كنت فاكر إن الفلوس تقدر تحل أي مشكلة تقريبًا. لحد ما لقيت نفسي راقد على سرير في عيادة من عياداتي، مستني موت حد قرر يجهّزهولي بنفسه!
كل حاجة بدأت من خمس أسابيع، لما جالي ارتفاع في الحرارة، ووجع في المفاصل، وإرهاق شديد لدرجة إني ما بقيتش قادر أقوم من السرير.
دكتور شريف منصور، اللي كنت بثق فيه ثقة عمياء، أكدلي إني مصاب بمرض خطير في الدم.
قال لي وهو بيقلب في التحاليل
النتائج بتسوء يا أستاذ محمود، ولازم تجهّز نفسك للأسوأ.
بصيت له بقلق وقلت
يبقى اتصل بأكبر دكتور متخصص في القاهرة، وهاتهولي بالطائرة لو لزم الأمر. المهم ألاقي علاج، وأنا هدفع أي مبلغ.
قفل شريف الملف اللي في إيده وقال ببرود
مفيش فايدة من إنك تضيع فلوسك على أمل كداب.
مراتي ريهام، اللي كنت متجوزها من ست سنين، قربت مني وقالت بصوت حنين
يا حبيبي، الدكتور أكيد فاهم حالتك. اسمع كلامه وارتاح، وإن شاء الله خير.
كنت واثق في شريف لدرجة إني عيّنته مدير طبي لأكبر عيادة عندي!
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن الثقة دي هتكون السبب في الكارثة اللي كنت داخل عليها.
كل ليلة، كانوا بيركبولي محلول وريدي من غير أي ملصق يوضح محتوياته. وبعد حوالي ساعة من تركيبه، كان بيبدأ وجع فظيع في جسمي، وبعده غثيان وضعف شديد يخليني مش قادر أتحرك.
ممرضة اسمها نور كانت سألت أكتر من مرة عن محتوى المحاليل دي.
لكن شريف كان بيرد عليها بلهجة حادة
دي تركيبة علاجية خاصة، ومش من حقك تسألي عن تفاصيلها!
والكل كان بيسكت.
الكل، ما عدا سيدة واحدة اسمها أمينة.
أمينة عبدالسلام كان عندها 42 سنة، وكانت شغالة في النظافة. ست بسيطة وهادية، وإيديها متشققة من كتر استخدام الكلور والمنظفات، وكانت دايمًا بتسلّم عليّا وهي بتنضف الممرات.
في ليلة من الليالي، صحيت على صوت الباب وهو بيتفتح بهدوء.
فتحت عيني بالعافية، ولقيتها واقفة جنب سريري.
من غير ما تنوّر النور، شالت كيس المحلول القديم وركّبت مكانه كيس محلول ملحي عادي.
همست بصوت ضعيف
إنتِ بتعملي إيه يا أمينة؟
قربت مني وهمست في ودني
يا أستاذ محمود، لو عرفوا أنا عملت إيه، ممكن يقتلوني! أرجوك، ما تقولش لحد أي حاجة.
بعدها خدت كيس المحلول القديم وخبّته تحت هدومها، وخرجت من الأوضة بسرعة.
فضلت مستني الألم اللي كان بيجيلي كل ليلة.
عدّت ساعة، وبعدها ساعتين.
لكن المرة دي، الألم ما جاش!
ولأول مرة من أسابيع، نمت من غير ما جسمي يتقطع من الوجع.
تاني يوم الصبح، حاولت أحرّك صوابع رجلي، وقدرت!
وبعدها رفعت دراعاتي، وحاولت أقعد على السرير، ونجحت من غير ما حد يساعدني.
حسيت إن في حاجة غلط بتحصل، وإن اللي كنت بمر بيه ما كانش طبيعي أبدًا.
طلبت من أمينة تيجي لي، ولما دخلت الأوضة سألتها مباشرة
إيه اللي كان في المحلول اللي شيلتيه مني امبارح؟
هزّت راسها وقالت
والله ما أعرف يا أستاذ محمود. بس أنا اشتغلت تمان سنين مساعدة تمريض قبل ما أشتغل في النظافة، وشفت حالات كتير وعلاجات مختلفة. عمري ما شفت مريض حالته تسوء بالشكل ده بعد كل مرة ياخد فيها نفس المحلول!
بصيت لها بتركيز وسألتها
طب ليه ما بلغتيش عن اللي بيحصل؟
ردّت وهي بتبص ناحية الباب بخوف
لأن الدكتور شريف مسيطر على كل حاجة هنا، ومراتك دايمًا معاه. وأنا ست غلبانة، ولو اتكلمت من غير دليل، محدش هيصدقني، وممكن أخسر شغلي كمان.
كلامها خلاني أحس إن في كارثة أكبر بكتير من مجرد تشخيص غلط.
أمينة طلبت مني أتصرف طبيعي، وأمثل إني لسه تعبان، وأدور على دكتور من برّه العيادات يكون بعيد تمامًا عن شريف.
وقبل ما تخرج، بصّت لي وقالت
وفي حاجة تانية لازم تشوفها بنفسك. في البدروم، ورا أوضة الغسيل.
فضلت مستني لحد ما اتأكدت إني لوحدي.
وبمساعدة كرسي متحرك، نزلت بالبطيء باستخدام أسانسير الخدمة، لحد ما وصلت للبدروم.
هناك، ورا باب قديم، لقيت علبة فيها أمبولات فاضية، وجنبها كشكول مدرسي قديم.
فتحته، وبدأت أقلب صفحاته.
كان فيه تواريخ، وأرقام أوض، وأسماء مرضى ماتوا بعد ما أخدوا علاجات متشابهة!
إيدي بدأت ترتعش وأنا بقلب الصفحات.
لأن اسمي كان مكتوب أكتر من مرة!
وتحت اسمي، كانت فيه ملاحظات بتوضح مواعيد المحاليل، والتغييرات اللي بتحصل في حالتي بعدها.
حسيت إن الأرض بتلف بيا، لكن فجأة سمعت صوت ناس بيتكلموا ورا الحيطة.
وقفت مكاني، وقرّبت من الباب عشان أسمع.
الصوت الأول كان صوت الدكتور شريف، وكنت متأكد إني مستحيل أغلط فيه.
قال بهدوء
فاضل عشرة أيام يا ريهام، وبعدها همضي شهادة الوفاة، وكل حاجة هتبقى ملكنا!
سمعت صوت مراتي، وبعدها ضحكة خفيفة منها.
ردّت عليه
إحنا مستنيين اللحظة دي من تلات سنين، ومش هسمح إن أي حاجة تضيّعها مننا دلوقتي!
اتجمدت في مكاني!
تلات سنين؟!
أنا ما كنتش متجوز ريهام غير من ست سنين!
يعني إيه إنهم مستنيين اللحظة دي من تلات سنين؟ وإيه علاقة أسماء المرضى اللي ماتوا باللي بيحصل معايا؟
وفوق كل ده، ليه مراتي بتتكلم عن وفاتي وكأنها بتخطط لاستلام ميراث، مش بتتكلم عن جوزها اللي المفروض بتحبه؟
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن الموت اللي كانوا بيجهّزوهولي ما كانش غير جزء صغير من سر أخطر بكتير...
سر لو اتكشف، مش هيهدد ثروتي وبس، لكنه هيكشف جريمة أكبر محدش كان يتخيل إنها بتحصل جوه عياداتي!
الجزء الثاني السر اللي كان مستخبي في البدروم قلب حياتي كلها!
فضلت واقف ورا الباب، مش قادر أستوعب كلمة واحدة من اللي سمعتها.
مراتي ريهام، اللي كنت فاكر إنها أكتر إنسانة خايفة عليّا، كانت بتخطط مع الدكتور شريف لموتي!
لكن جملة واحدة فضلت بتتردد في دماغي
إحنا مستنيين اللحظة دي من تلات سنين!
يعني إيه؟ وإيه اللي حصل من تلات سنين بالضبط؟
قبل ما أقدر أفكر، سمعت صوت خطوات بتقرب من الباب.
قفلت الكشكول بسرعة، ورجّعته مكانه، وبعدها زقيت الكرسي المتحرك ناحية ركن مظلم ورا أكوام الملايات القديمة.
الباب اتفتح، ودخل شريف ومعاه راجل غريب لابس بالطو أبيض.
سمعت الراجل الغريب بيقول
إنت متأكد إن الجرعات اللي أخدها ما سابتش أي أثر ممكن يكشف اللي حصل؟
شريف رد بثقة
أنا المسؤول عن علاجه، وكل التقارير تحت إيدي. محدش هيشك في حاجة، خصوصًا إن حالته بتتدهور من أسابيع.
الراجل سكت شوية، وبعدها قال
طيب، والمرضى اللي أسماؤهم في الدفتر؟
شريف رد بعصبية
قلتلك الموضوع اتقفل! ومش عايز أسمع سيرة الدفتر ده تاني.
في اللحظة دي، عرفت إن الكشكول اللي لقيته مش مجرد سجل علاجي.
كان دليل ممكن يكشف كارثة كاملة!
استنوا شوية، ولما خرجوا، طلعت من مخبئي ورجعت لأوضتي بصعوبة.
أول ما وصلت، لقيت ريهام قاعدة جنبي، وبتتكلم في التليفون بصوت واطي.
أول ما شافتني، قفلت المكالمة بسرعة.
ابتسمت وقالت
إنت نزلت فين يا حبيبي؟ أنا قلقت عليك لما ما لقيتكش في السرير.
بصيت لها، وحاولت أخفي الغضب اللي جوايا.
كنت محتاج أغيّر جو شوية.
قربت مني وسألتني
حاسس إنك أحسن النهارده؟
كان نفسي أقول لها إني بقيت عارف كل حاجة، وإنها مش هتاخد مني جنيه واحد، لكني تماسكت وقلت
لأ، بالعكس. حاسس إن جسمي بقى أضعف، ومش عارف هعيش قد إيه.
أول ما سمعت الجملة دي، لمحت في عينيها نظرة غريبة.
نظرة ارتياح!
لكنها رجعت بسرعة لوش الحزن المصطنع وقالت
ربنا يشفيك يا حبيبي.
في اللحظة دي، قررت إني مش هواجهها غير لما يبقى معايا دليل محدش يقدر ينكره.
استنيت لحد ما خرجت من الأوضة، وبعدها اتصلت بصديقي القديم، المستشار القانوني عادل منصور.
لما رد عليّا، قلت له بصوت منخفض
عادل، أنا محتاجك في موضوع خطير جدًا، ومش عايز أي حد يعرف إننا اتكلمنا.
سكت لحظة، وبعدها قال
مالك يا محمود؟ صوتك مش طبيعي.
حكيت له جزء من اللي اكتشفته، من غير ما أذكر تفاصيل ممكن تعرضه للخطر.
رد عليّا بجدية
اسمعني كويس. ما تواجهش حد، وما تاخدش أي علاج إضافي قبل ما تتواصل مع طبيب مستقل بشكل عاجل. لازم نحافظ على سلامتك الأول، وبعدها نثبت كل حاجة بالأدلة.
اتفقنا إنه يرتب لي كشف طبي مستقل، وييجي بنفسه في أقرب وقت.
لكن قبل ما يقفل، سألته سؤالًا كان شاغلني من ساعة ما سمعت كلام ريهام
يا عادل، فاكر يوم ما اتجوزت ريهام؟ كنت قلتلك وقتها إنها أصرت إننا نعمل عقد إدارة منفصل للعيادات؟
قال
أيوه، فاكر. وإنت وقتها رفضت تمضي أي ورق قبل ما أراجعه.
فجأة افتكرت حاجة مهمة.
قبل جوازي من ريهام بثلاث سنين، كنت دخلت في شراكة استثمارية مع مجموعة طبية صغيرة، وكان فيها شخص مسؤول عن إدارة ملفات بعض المرضى.
الشراكة دي انتهت بعد خلافات، لكن ملفاتها اختفت في ظروف غامضة.
هل كان فيه رابط بين الشراكة القديمة واللي بيحصل دلوقتي؟
وقبل ما أقدر أراجع أفكاري، دخلت أمينة الأوضة وهي بتدفع عربة التنظيف.
من غير ما تبصلي، حطت ورقة صغيرة تحت الغطاء، وكملت شغلها كأن مفيش حاجة حصلت.
استنيت لحد ما خرجت، وفتحت الورقة.
كان مكتوب فيها
يا أستاذ محمود، الدفتر مش الدليل الوحيد. فيه ملف أزرق في مكتب الدكتور شريف، مكتوب عليه اسم شركة قديمة. لو لقيته، هتفهم ليه اختاروك إنت بالذات!
قلبي بدأ يدق بسرعة.
اختاروني أنا بالذات؟
يعني الموضوع ما كانش مجرد طمع في ثروتي؟
استنيت لحد نص الليل، ولما اتأكدت إن الممرات هادية، خرجت من أوضتي واتجهت لمكتب شريف.
الباب كان مقفول، لكن أمينة كانت سايبة المفتاح في مكان متفقين عليه.
دخلت، وبدأت أفتش في الأدراج لحد ما لقيت الملف الأزرق.
فتحته، وأول ورقة وقعت تحت عيني كانت صورة قديمة ليا، متصورة من أكتر من عشر سنين!
وتحت الصورة مكتوب
المرحلة الثانية من الخطة الوصول إلى محمود السيوفي عن طريق الزواج، ثم نقل السيطرة المالية والإدارية تدريجيًا.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
قلبت الصفحة اللي بعدها، فلقيت اسم ريهام كاملًا، وتاريخ أقدم من يوم ما قابلتها لأول مرة!
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.
كان فيه توقيع بخط إيدي، على مستند بيع جزء من حصتي في العيادات.
المشكلة إني عمري ما وقعت المستند ده!
وفوق التوقيع، كان فيه تاريخ يسبق جوازي من ريهام بشهور.
سمعت صوت باب المكتب بيتفتح فجأة.
رفعت راسي، ولقيت أمينة واقفة قدامي، ووشها شاحب.
همست بسرعة
يا أستاذ محمود، لازم نخرج حالًا! الدكتور شريف عرف إنك بقيت تتحرك، وراجع على هنا!
لكن قبل ما أتحرك، قالت جملة خلتني أنسى كل حاجة
وفيه مصيبة أكبر لازم تعرفها... الراجل اللي كان مع الدكتور النهارده مش مجرد طبيب. ده الشخص اللي كان مسؤول عن ملفات المرضى في شركتك القديمة!
يتبع...
الجزء الثالث الراجل اللي رجع من الماضي ومعاه سر يدمّر كل حاجة!
بصيت لأمينة وأنا مش قادر أصدق اللي سمعته.
إنتِ بتقولي إيه؟ الراجل ده كان شغال معايا من عشر سنين؟
هزّت راسها بسرعة وقالت
أيوه يا أستاذ محمود، اسمه الدكتور سامح فؤاد. أنا شفته قبل كده في البدروم، وكان بيتكلم مع الدكتور شريف عن ملفات قديمة. ولما سمعت اسمه، افتكرت إني شفته في صورة عندك في المكتب من سنين.
قبل ما أرد عليها، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
أمينة سحبت الملف من إيدي وحطته مكانه، وبعدها أشارت لي أستخبى ورا الستارة الكبيرة الموجودة في المكتب.
الباب اتفتح، ودخل شريف ومعاه الدكتور سامح.
شريف كان متعصب بشكل عمري ما شفته عليه قبل كده.
أنا مش فاهم إزاي محمود قدر ينزل من سريره! المفروض إنه مش قادر يحرك رجليه أصلًا!
سامح رد بهدوء
ده معناه إن فيه تغيير حصل في العلاج، ولازم نعرف مين المسؤول عنه.
شريف خبط بإيده على المكتب وقال
أنا مش هسمح إن كل اللي خططنا له يضيع بسبب عاملة نظافة!
اتجمدت مكاني.
يعني هما عرفوا إن أمينة ساعدتني!
سامح فتح الملف الأزرق، وبدأ يقلب في أوراقه، وبعدها قال
إحنا لازم نتحرك بسرعة. لو محمود وصل لخبير مستقل، هيكتشف إن المستندات المالية دي مزورة، وساعتها مش هنخسر العيادات بس، ده ممكن يكشف ملف الشركة القديمة كله.
شريف رد بقلق