ولاده امي حكايات زيزي
بسرعة، وسمعت صوت الممرضة بتقول
يا أستاذة سارة، فيه سيدة اسمها مريم موجودة هنا، وبتطلب تقابل حضرتك ووالدتك. بتقول إن معاها مستندات مهمة تخص المولودة.
قلبي دق بسرعة.
بصيت لأمي، فهزت راسها وقالت
لازم نروح ونسمعها.
وصلنا المستشفى بعد أقل من ساعة.
كانت مريم قاعدة في غرفة الانتظار، ماسكة ملف أزرق قديم. أول ما شافت أمي، قامت من مكانها، وفضلت باصة لها من غير كلام.
أمي قالت بصوت مبحوح
إنتِ مريم؟
الست هزت راسها.
أيوه. وأنا جاية عشان أوقف الدوامة دي قبل ما بنتكم الصغيرة تدفع ثمن أسرار محدش شرحها لها.
قربت منها وسألتها
إنتِ أختي؟
مريم بصتلي، وبعدها فتحت الملف وطلعت شهادة ميلاد قديمة وصورة لرضيعتين.
قالت
أنا مش هقدر أقولك إني أختك من غير دليل. لكن عندي حاجة ممكن تساعدنا نعرف الحقيقة.
طلعت ورقة عليها اسم المستشفى، وتاريخ الولادة، ورقم ملف طبي قديم.
وبعدين قالت
أنا اتربيت طول عمري وأنا فاكرة إن أهلي ماتوا. من سنين، لقيت الورق ده وسط حاجات جدتي، وعرفت إن فيه احتمال أكون اتفصلت عن أخت ليا يوم الولادة.
بصيت للصورة، ولقيت إن واحدة من الطفلتين لابسة السوار الفضي اللي شفته في أوضة جدو.
لكن قبل ما أتكلم، مريم بصت لأمي وقالت
فيه سؤال واحد لازم تجاوبيني عليه يا مارجريت. ليه لما جيت بيتكم من 20 سنة، شوفتي الصورة اللي معايا، وطلبتي مني أمشي من غير ما تشرحي أي حاجة؟
أمي شحبت، وسندت إيدها على الكرسي.
وبصوت واطي قالت
لأن الصورة دي كان مكتوب على ظهرها اسم أبوكي يا مريم.
اتجمدت مريم في مكانها.
أما أنا، فبصيت لأمي بصدمة وسألتها
تقصدي أبويا محمود؟!
أمي هزت راسها ببطء.
أيوه. لكن ده مش معناه إنه أبوكي البيولوجي. هو كان بيحاول يساعد في تصحيح الأوراق، وكان محتفظ بصورة من الملف القديم.
مريم فتحت الورقة بسرعة، وبدأت تقرأ البيانات المكتوبة فيها.
وفجأة، وقفت عند سطر معين، ووشها اتغير.
قالت بصوت مرتعش
استنوا... فيه اسم هنا محدش اتكلم عنه.
قربنا منها.
كان الاسم المكتوب في خانة ولي الأمر هو اسم رجل من عيلتنا، رجل كنا كلنا فاكرين إنه مات من سنين طويلة.
رفعت مريم عينيها وبصت لأمي.
لو الاسم ده صحيح، يبقى فيه حد تاني كان عارف كل حاجة من البداية... وحدد مصير الطفلتين قبل ما يخرجوا من المستشفى!
أمي غمضت عينيها، وبعدها قالت
كنت خايفة اليوم ده ييجي، لأن الشخص ده مش بس كان عارف الحقيقة... ده كان محتفظ بنسخة تانية من المستندات، ومحدش يعرف مكانها لحد النهارده.
لكن مين الرجل اللي اسمه ظهر في الملف؟ وإيه علاقته بمريم والمولودة الجديدة؟ وهل سارة هتقدر أخيرًا تعرف إذا كانت مريم أختها التوأم فعلًا؟
يتبع...
الجزء الأخير الحقيقة اللي غيّرت مصير العيلة كلها
فضلنا واقفين في أوضة المستشفى، وكل واحد فينا مستني أمي تتكلم.
بصيت لها وقلت
ماما، كفاية أسرار! مين الراجل اللي اسمه مكتوب في الورق؟ وإيه علاقة المولودة الجديدة بكل اللي حصل؟
أمي أخدت نفسًا طويلًا، وبعدها قالت
الراجل ده كان أخو أبوكي، عمك حسن. قبل ما يموت، كان مسؤول عن أوراق أملاك العيلة، وكان عارف إن فيه طفلتين اتولدوا في نفس اليوم، وإن واحدة منهم اتسجلت بياناتها بشكل غلط.
مريم سألتها
طيب، ليه ما قالش الحقيقة؟
أمي ردت بحزن
لأنه كان فاكر إن تصحيح الأوراق هيضيع حقوق ناس تانية، فاحتفظ بالمستندات بدل ما يسلّمها للجهات المختصة. وفضل الموضوع معلق لحد ما مات، من غير ما يسيب لنا تفسير كامل.
يوسف أضاف
لكن فيه نسخة من الملف الأزرق موجودة عند محامي العيلة القديم. أنا اتواصلت معاه، ووافق يقابلنا بكرة.
تاني يوم، رحنا كلنا لمكتب المحامي.
كان راجل كبير في السن، ولما شاف الصورة والسجلات، طلب يشوف شهادات الميلاد الأصلية وأي مستندات طبية متاحة.
بعد مراجعة الأوراق، قال
المستندات دي بتثبت إن فيه أخطاء في تسجيل البيانات، لكنها لوحدها مش كفاية عشان نحدد صلة القرابة أو نثبت مين له حق في الميراث. لازم نرجع للسجلات الأصلية، ونعمل الفحوصات اللازمة بموافقة أصحاب الشأن.
وافقنا كلنا.
وبعد فترة من مراجعة السجلات وإجراء تحليل وراثي، ظهرت النتيجة اللي كنا مستنيينها.
مريم كانت أختي التوأم فعلًا!
فضلت باصة للنتيجة وأنا مش قادرة أصدق إن الست اللي قدامي هي أختي اللي قضيت عمري كله من غير ما أعرف إنها موجودة.
قربت منها وقلت
يعني إحنا كنا ممكن نكبر سوا، ونعيش عمرنا كله جنب بعض!
مريم دموعها نزلت، وقالت
محدش فينا اختار اللي حصل يا سارة. إحنا الاتنين كنا ضحايا أخطاء وأسرار قديمة، لكن دلوقتي نقدر نبدأ من جديد.
أما أمي، فكانت قاعدة ساكتة، ودموعها بتنزل على وشها.
مسكت إيدها وقلت
أنا زعلانة إنك خبيتي عني كل ده، لكن مش عايزة أخسر باقي عمرنا في اللوم. عايزة أفهم، وأساعدك، ونصلح اللي نقدر عليه.
أمي بصتلي وقالت
سامحيني يا بنتي. كنت فاكرة إن السكوت هيحميكم، لكن اكتشفت متأخر إن السكوت ساعات بيخلّي الوجع يكبر.
وبعدها افتكرت المولودة الصغيرة، فسألتها
طيب، لسه فيه سؤال واحد من غير إجابة. إزاي إنتِ خلفتي طفلة وإنتِ عندك 82 سنة؟ ومين أبوها؟
هنا المحامي طلب يشوف الأوراق الطبية الخاصة بالحمل، وبعد مراجعتها مع الأطباء، اتضح إن أمي كانت خاضعة لإجراء طبي استثنائي مرتبط بمواد تناسلية محفوظة من سنوات طويلة، وإن الحمل حصل في ظروف نادرة للغاية، بعد موافقة طبية موثقة.
أما أبو الطفلة، فكان زوج مريم الراحل، اللي كان قد عبّر قبل وفاته عن رغبته في إنجاب طفل، واتخذت مريم الإجراءات الطبية والقانونية اللازمة وقتها. لكن بسبب مرضها ومضاعفات صحية، اتفقت مع أمي، بموافقة الأطباء، على أن تحمل أمي الجنين وتساعدها في تحقيق الأمنية دي، مع توثيق التفاصيل الطبية والقانونية.
مريم كانت عايزة تحافظ على خصوصية الموضوع لحد ما تتأكد إن كل شيء تم بطريقة سليمة، وأمي خافت من رد فعل العيلة، فاختارت السكوت بدل المواجهة.
أما أنا، فلما عرفت الحقيقة، حسيت بمشاعر متضاربة. كنت مصدومة، لكني فهمت إن المولودة دي مش نتيجة خيانة ولا علاقة سرية، وإنما طفلة جت للدنيا وسط ظروف طبية وعائلية معقدة.
وبعد ما اتراجعت المستندات واتأكدت الإجراءات القانونية، اتفقنا إننا نربي البنت وسط عيلتها، وإن مريم تكون مسؤولة عن رعايتها، وأمي تفضل جزءًا أساسيًا من حياتها.
وبالنسبة للميراث، المحامي راجع الأوراق، واتقسمت الحقوق حسب المستندات القانونية الصحيحة، من غير ما حد ياخد حق حد.
مرت شهور، ورجعت أزور أمي كل يوم تقريبًا. ومريم بقت أقرب إنسانة ليا، وكأننا بنحاول نعوض السنين اللي ضاعت مننا.
وفي يوم، كنت قاعدة جنب أمي، والمولودة الصغيرة نايمة في سريرها، فقالتلي
عارفة يا سارة، أنا عشت 82 سنة وأنا فاكرة إن حماية عيلتي معناها إني أخبي الحقيقة. لكن دلوقتي فهمت إن العيلة الحقيقية هي اللي تقدر تواجه الحقيقة، وتسامح، وتبدأ من جديد.
بصيت للمولودة وابتسمت.
كنت فاكرة إن يوم ولادة أمي هيكون أكتر يوم مرعب في حياتي، لكنه في الحقيقة كان اليوم اللي رجّعلي أختي، وكشف لنا ماضينا، وادانا فرصة نبني مستقبل مختلف.
ومن يومها، اتعلمت إن أسرار العيلة مهما فضلت مستخبية، الحقيقة لازم تظهر في يوم من الأيام... وإن مفيش حاجة أغلى من إننا نعرف أصلنا، ونحافظ على بعض، من غير ظلم ولا خوف.
تمت النهاية